عصام سحمراني : ولأنّه من مقلّدي المرجع اللبناني، فقد كان يعلم مسبقاً أنّ هذا النهار هو أوّل أيّام عيد الفطر السعيد، رغم أنّه لم يعد يأتي سعيداً في السنوات الأخيرة. هو كان يعلم مسبقاً بذلك فلم ينتظر شأن القسم الآخر من أهل منطقته ورود خبر إعلان العيد من بلاد ما بين وما وراء النهرين.
السهرة الرمضانية الأخيرة كانت مشابهة للسهرات التسعة والعشرين المنصرمة. إفطار، وقفة طويلة في الشارع، "تلطيشة" لفتاة من هنا، و"تنميرة" على شاب من هناك، "أركيلة"، فستق ، شاي، وشباب ساهرون ، وكلام متكرّر، لا ينتهي أبداً، كواقع حياتهم تماماً.
كان ذلك تقليدياً في كلّ سهراته مع شباب الحيّ، فلا عمل ينتظرهم ولا بطن جائعة تنتظر شهامتهم. وبإختصار شديد فقد خلقت منهم الظروف المحيطة أشخاصاً غير مسؤولين ، ولا يمكن لأحد أن يلومهم على ذلك. ودوام هذا النشاط الذي يمتدّ منذ منتصف النهار إلى ما بعد منتصف الليل في الأيّام العادية، يقتصر على فترة ما بعد الإفطار في رمضان. لكنّ أمراً وحيداً كان مختلفاً في تلك الليلة . كلّ ما هنالك أنّ إيمان الشبّان استيقظ من سباته العميق هذه الليلة. وإيمانهم يعرف عنه أنّه يقتصر على الصيام فقط، وفي معظم الأحيان لدواعٍ تتعلّق بالعادات والتقاليد أكثر ممّا تتعلّق بالواجب الديني.
الهم .. فقد نفضوا –هو وصديقاه- عن أنفسهم دخان أراكيلهم ، حلقوا لحاهم وجعلوا يتفننون في موديلاتها، استحمّوا، تعطّروا ، لبسوا ما توفّر لديهم من ملابس صينيّة يمكن أن يقال عنها "عالموضة" السائدة في أحيائهم الشعبية. وانطلقوا منذ الصباح نحو المسجد ليصلّوا صلاة العيد خلف من يدّعون أنّه مرجعهم إمّا لانفتاحه المتعارف عليه بينهم ، أو مكايدة لشبّان الحزبين اللذين يخيّم شبحهما على سهراتهم.
في البيت كانت أخته الوحيدة تلبس ابنها ثياب العيد. الثياب كانت شتوية ثقيلة رغم طقس العيد المشمس والجو الحار. فالشتاء القاسي آت وراء العيد، والعيد الكبير يأتي بعد العيد الصغير، والفتاة ذات السنوات السبعة عشر التي صارت امرأة قبل أوانها ليس باستطاعتها واستطاعة زوجها ذي الراتب الضئيل توفير ثياب أخرى لعيد آخر.
ألبست الطفل ثيابه، وانطلقت مع الأم إلى قريتهم الجنوبية البعيدة لزيارة قبر الوالد الذي مات في مثل هذه الأيّام منذ عامين منصرمين. هذه هي عائلته بأكملها. فضّل كعادته ألاّ يذهب، فلا زيارة القبور تروق له، ولا زيارة تلك القرية التي لم يشعر يوماً بالإنتماء إليها أو إلى ناسها تثير فيه مشاعر الحنين والعودة إلى الجذور.
كان الشارع حين نزل إليه في الصباح فارغاً على غير عادة إلاّ من بعض الفتية يحملون رشّاشاتهم البلاستيكية ويصوّبون بها نحو بعضهم البعض بينما تدوي المفرقعات الثقيلة العيار في أذنيه. فكانت الأجواء تحيطه باحتفالية تعيده إلى أحد مشاهد العيد في طفولته حين كان يقلّد مع أترابه مقاتلي الميليشيا التي كانت تسيطر على محيط بيته. رفض يومها ارتداء الثياب العسكرية التي اشترتها أمّه له حتى جلبت له ذلك المسدّس الحديدي الصغير الذي لطالما تباهى به. يتذكّر جيداً تلك الأيّام التي كان يتحدّى فيها رفاقه من سيلمّ رصاصاً فارغاً أكثر. لم يفكّر يومها سوى بالثروة التي بين يديه منها، ولم تعنه من أصابت الرصاصات. كلّ ما كان يعنيه منها كم تمثّل له هذه الرصاصات من ذخيرة للعب الكلل. فقد كانت بديلاً عن ليرات الحجر في لعبة "الصفّية" الخاصة بالكبار المتبطلين.
كلّ شيء قد تغيّر الآن، هذا ما كان يفكّر فيه حين أتمّ الصلاة مع رفاقه. وأحسّ بالندم لأنّه كان يتمنّى أن يصبح كبيراً في يوم من الأيّام. فالأمنيات حين تتحقّق لا تجد الظروف الملائمة في العادة لإستقبالها والتمتّع بها. هكذا هي الحياة، هكذا هو القدر؛أنظر إلى "سعد"! لم يهنأ خلال طفولته بعيد واحد من شدّة التعتير، وحين غنم القليل من الحياة حاول التعويض على أيّام الحرمان تلك، فأتّهم بالولدنة وبات مسخرة بين أهله ورفاقه.
هكذا هي الحياة الآن. باتت كذلك بالنسبة إليه بأعياد أو بدونها.




التعليقات