أهو التقديس أم شيء آخر
اطلاق أسماء الأولياء على الدكاكين
عصام سحمراني : "...إلى اليمين بعد، أنزلها قليلاً، تمام ظبطت"، هذه كانت التوجيهات الأخيرة التي أملاها أحد أصحاب المحلات التجارية على "صبيانه" الذين كانوا يعلّقون يافطة معدنية كبيرة فوق واجهة المحلّ. وقف وبطنه الكبير يتدلى امامه في مواجهة العمّال وجعل ينظر إلى اليافطة بعين الرضى الخبيرة التي تترقب ازدهار المكان بعد تعليق اليافطة التي كتب عليها بخطّ كبير: فرن وملحمة الحسنين.
هي ساعة الذروة النهارية في سوق "حيّ السلّم" الرئيسي. هنا تتّخذ الطريق الممتدّة طولياً أجواءاً عاشورائية على الدوام. فتعلو الأناشيد واللطميات الحسينية، وتختلط بأصوات بائعي الخضار والأسماك والأدوات المنزلية على اختلاف لهجاتهم اللبنانية والسورية والمصرية والعراقية. كلّ ينادي على بضاعته داعياً المدّ البشري الهائل من متسوّقي الطبقات المسحوقة الذين وفدوا من خارج المكان للتسوّق لديه.
أكثر المتسوّقين الآتين من الخارج لا يهتمّون بصعوبة الوصول إلى "الحيّ" رغم الإزدحام الخانق الذي يسبّبه دخول "الفانات" - سيارات الميكرو باص- التي تقلّهم حتّى إلى أضيق زواريب المكان : البعلبكي، الحسينية، السوق، الأجنحة، الموقف القديم، الموقف الجديد، صلاح- بلفظها البعلبكي وغيرها من الأحياء التي تشكّل هذا الحيّ. لكنّ بعض المتسوّقين يفضّل الترجّل من الفانات والسير على الأقدام التي تعدّ أسرع من أيّ مركبة أخرى في هذا المكان. أمّا عن الفانات نفسها فإنّها تولي خلفها أدخنة محرّكات مهترئة منها ما هو "بنزيني" ومنها ما بقي على أصله "المازوتي" تحدّياً لقرار المنع الذي أقرّته وزارة الداخلية منذ ثلاث سنوات. وتختلط تلك الأدخنة مع روائح المشاوي المختلفة في المطاعم، والخضار، والأسماك -غير الطازجة طبعاً- فترتبك الحواس لدى كلّ من لم يعتد على ذلك بعد، حتّى يظنّ على وقع غثيانه انّ الأصوات والروائح والمشاهد أمامه إنّما تدخل مجتمعة من مكان واحد نحو المخّ مباشرة ودون أيّ وسائط حسّية.
الأسماء
يلفت الأنظار حتماً في هذا الشارع – السوق النموذجي أسماء المحال التجارية التي تتّخذ طابعاً دينياً بشكل "يتناسب مع الأوضاع الحزبية القائمة" وفقا لأحمد وهو أحد شبّان المنطقة الذي يحمل إجازة جامعية في المعلوماتية الإدارية. وغني عن التعريف انّ السيطرة السياسية في الضاحية الجنوبية ككلّ تدنو لتنظيمي "حزب الله" و"حركة أمل" الشيعيين. يضيف أحمد انّ "مثل هذا الواقع هو ما أدّى بالتجّار إلى إطلاق أسماء الأئمة والأولياء على محالهم بشكل إستفزازي وإستغلالي فاضح". هذا الرأي يخالفه تماماً أبو سعيد وهو صاحب إحدى عربات المشاوي في السوق وقد أسماها "مشاوي فاطمة الزهراء" وكتب على زجاج العربة سورة الفلق من القرآن الكريم وخطّ الآية الأخيرة منها "ومن شرّ حاسد إذا حسد" باللون الأحمر المميّز. يقول أبو سعيد بعد أن ينادي على "بضاعته" انّ "إطلاق إسم الوليّ على مصدر الرزق هو تكريم وتقديس لصاحبه". ويستدرك قبل أن يربط الإسم بأجواء المنطقة قائلاً؛ "ولو كنت في منطقة أخرى سأسمّي العربة بنفس الإسم".
والمارّ بهذا الشارع سوف يلاحظ فوراً غلبة الطابع الديني على أسماء المحلاّت التجارية. وترتبط هذه الأسماء إمّا بالأولياء مثل،"مياه أهل البيت"، "تعاونية الجواد"، "مطعم البتول"، "صالون الزهراء"، و"ملحمة الحسن". أو إنّها ترتبط بآيات قرآنية أو معان دينية خالصة مثل "محلات الإخلاص"، "معجّنات الإيمان"، "أفران الريّان"، و"ملبوسات الكوثر".
محمّد مثله مثل أبي سعيد مدافع عن هذا الواقع التجاري للأسماء معتبرا ان تلك التسميات افضل من "إطلاق الأسماء الأجنبية على المحال كـ "مانشيني، لورد برغر، أوسكار، وباجيو".
لكنّ حسين يعترف في المقابل انّه لم يكن يفكّر كثيراً بإسمه الشخصي حين أسمى دكّانه "ميني ماركت الحسين"، فهو يؤكّد انّ الأمر يتعدّى ذلك أن يصنّف هذا الإسم واحداً من "بين الأسماء الشعبية الكثيرة في المنطقة". ولا يجد حسين حرجاً من الكلام عن الإسم بوصفه "سبباً لزيادة البيع" في بيئة شيعية يكتظّ فيها مئات الآلاف من البشر يسعون يومياً بين أسواقها الممتدّة من : صبرا، الغبيري، الشيّاح، حارة حريك، برج البراجنة، بئر العبد ، وصولاً إلى حيّ السلّم. هو يرى انّ قلوب هؤلاء المتسوّقين "ترتاح لوقع إسم الإمام" يقول حسين بحماس شديد وكأنّه يبرّئ نفسه من خطيئة ما.
معارضون
لا يبالي معظم المتسوّقين بهذا الأمر، وهم لا يعدّونه ضمن مشاغلهم المتوزّعة بين "أسعار البطاطا والبندورة واللحمة والسمك والدجاج!"؛ تقول إحدى المتسوّقات وهي تجرّ "عسكراً" من الأطفال خلفها. وتضيف مؤكّدة على هذه النقطة بتهجّم واضح، "أتريدنا أن نهتمّ بأمور تافهة كهذه ولا نلتفت لإطعام أولادنا، والله عال!!".
لكنّ بعض المتواجدين يعترض على هذه الظاهرة، أحد هؤلاء هو أبو اسماعين –اسماعيل. وأبو اسماعين يملك دكاناً للعطارة غير مسمّى.. مظهره يدلّ على التصاقه بالمكان وتأقلمه معه أيّما تأقلم! يجلس على كرسيّ خيزراني مختبئاً من الأمطار الخفبفة في الخارج ويحرّك "كشّاشته" يمنة ويسرة بين براميل المشمش والتين المجفّفة. يقول وهو يعدّل نظارتيه ودون أن ينزع سيجارة "اللفّ العربي" من فمه انّ السبب في هذه التسميات هي "الحرب الأهلية التي أفرزت كانتونات طائفية عزلت فيها كلّ فريق في منطقته فكره الآخر وعظّم أولياء طائفته عبر كلّ الوسائل المعروفة والمبتدعة كهذه".
ويؤكّد إسماعيل ولده الوارث القلب والقالب عن أبيه انّ "الحرب غذت الروح الطائفية في نفوس اللبنانيين وأدّت بهم إلى ذلك الأمر على اختلاف طوائفهم"، ولا يجد مشكلة في إطلاق أسماء الأولياء والمعاني الدينية على أماكن معيّنة من نوعية المدارس والمستشفيات والجوامع، "هذا ما هو تكريم للأولياء. أمّا أن يسمّى محلّ ملبوسات أو أحذية بإسمهم فأيّ تدنيس هو للإسم !!؟" .
..هو مكان دائم ونهار متكرّر يتقلّب بين شمس محرقة لا تكاد تصل إلى الأرض بسبب المباني المتطاولة على السماء دون أيّ تنظيم، وبين سيول شتائية تأتي من "نهر الغدير" الذي يتلوّن بكلّ الألوان سوى اللون الشفاف للماء فيجرف معه ما استطاع جرفه من هناك.
هو أحد شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت الأكثر بؤساً ونشاطاً تجارياً شعبياً على حدّ سواء. تقابلك فيه مكبّرات الصوت بالأناشيد، وعواميد الكهرباء بالصور والرايات لكلّ من "حزب الله" و"حركة أمل". ويحتلّ وجها حسن نصر الله (أمين عام حزب الله) ونبيه برّي (رئيس المجلس النيابي ورئيس حركة أمل) كلّ الجدران وتمتدّ صورهما إلى داخل الدكاكين في معظم الأحيان.
هو حيّ السلّم أو "الصين الشعبية" كما يصفه سائقو الفانات. ويؤكّد أحد هؤلاء السائقين بعد إنهائه القضمة الأخيرة من "منقوشة اللحمة" وقد ابتاعها للتوّ من "فرن وملحمة الحسنين" على انّ الإسم لا يعنيه بل الطعم الجيّد "ولو كان إسم المحلّ ...(إحدى الشتائم الشعبية)!!" يضحك ويقودني إلى خارج المكان.




التعليقات