عصام سحمراني:رغم انشغال البلاد بالإنتخابات النيابية وما تشكّل من حملات وصراعات وتحدّيات وإستعادات لتاريخ مشرق وإتّهامات بتاريخ قذر ووضع نقاط على الحروف فإنّ نشاطاً آخر يشغل طلاّب لبنان سنوياً: الإمتحانات المدرسية والجامعية. وإذا ما اعتبرنا انّ الطريقة المدرسية في التحضير للإمتحانات تختصّ بالمدرسة والأهل ومدى ضغطهم على الأولاد بكلّ الوسائل الترغيبية والتهديدية وبحسب كلّ واحد منهم. إذا ما اعتبرنا ذلك فمعظم الأحيان لا ينطبق هذا الأمر على تحضير طلاّب الجامعات لإمتحاناتهم، حيث ينعدم دور الجامعة، ويتقلّص دور الأهل في هذا المجال حتّى حدوده الدنيا التي لا تتجاوز حدّ سؤال "كيف الدرس!!؟" وعدم إنتظار الجواب؛
مدرسة
وبما انّنا ذكرنا انّه في معظم الأحيان لا تنطبق طريقة التحضير المدرسي على طلاّب الجامعات فإنّها في بعض الأحيان ما زالت تمثّل الطريقة الأجدى لدى بعض الطلاّب، أو الطالبات على وجه التحديد. وتلعب الإستقلالية المالية لدى الطالبة دوراً في هذا المجال حيث "تتّهمّ بالتقصير عند أدنى هفوة إذا ما كانت تتقاضى مصروفها من الأهل" تقول سمر التي تدرس العلوم الطبيعية في الجامعة اللبنانية. لكنّ سمر تجد انّ الضغط المستمر وان كان يضايقها فنتائجه جيّدة؛ "شو بدّك تعمل! لست سوى واحدة من هذا الشعب العربي!" تهزأ سمر.
ميساء طالبة أخرى في الجامعة اللبنانية. هي تعيد السنة الأولى في كلّية الحقوق للعام الثاني بعد رسوبها في معظم المواد العام الماضي؛ "لا أعرف ماذا حصل معي كلّما دخلت إلى قاعة الإمتحانات إرتبكت وضاع كلّ ما درسته من رأسي!". السبب المباشر خلف هذا الامر وبحسب ما تقول، هو الضغط الممارس عليها من قبل أهلها الذين "ما فتئوا يفعلون ذلك منذ كنت في الإبتدائية". ثارت ميساء هذا العام تجاه الضغط فوضعت حدّاً أمام تدخّلات أهلها؛ "على الأقلّ ارتاح بالي منهم وإنشاء الله خير!".
على عكس ميساء ، لم يمنع كون حسن في سنته الجامعية الثالة من أن يبقى سجين هذا الجو؛ "اعتدت على الأمر خلص!" يقول مستسلماً. والمعضلة الأكبر التي تواجه حسن في هذا الإطار وتمنعه من رفض معاملة أهله له على هذا الأساس هو النجاح الكبير الذي أصابه كلّ أخواته الذين يكبرونه سنا كما فوزهم بإجازات جامعية. فأهل حسن يجدون إزاء ذلك انّ طريقتهم المتشدّدة تجاهه قد أفادت مع أخوته فما المانع من تكرارها معه؛ "واسأل مجرّباً لا تسأل خبيراً!" يندب حسن حظّه.
جامعة
في المقابل فإنّ غالبية الطلاب، ومع تخطّيهم للطريقة والمناهج المدرسية الضيّقة قد انخرطوا تماماً ضمن إطار الجامعة بكلّ ما تتميّز به من آفاق معلوماتية أوسع، وتخصّص للمواد أشمل على صعيد الدروس. وما تتميّز به من انفتاح على شرائح من الطلاّب المختلفين ثقافياً، مناطقياً، ومذهبياً على صعيد العلاقات الإجتماعية والسياسية.
وفقاً لذلك فقد باتوا يدركون أكثر انّهم المعني الأول والأخير بحصاد النجاح المفترض أو الرسوب على حد سواء. هم في مرحلة تحمّلهم وحدهم مسؤولية أفعالهم. "في الجامعة يتعلّق الأمر دائماً بالطالب لا بهيئة تعليمية أو بإدارة أو بأهل، من يريد العبور إلى السنوات التالية عليه أن يجتهد جهداً ذاتياً من أجل ذلك!" بهذه الكلمات تلخّص ناديا تخطّيها السنة الثالثة لقسم العلوم الإجتماعية في الجامعة اللبنانية؛ "وبنجاح تام في كلّ المواد ومنذ الدورة الأولى لإمتحانات كلّ عام النهائية!".
يبدو انّ عمر أيضاً يحذو حذو ناديا فهو يجتهد هذا العام لتخطّي السنة الثالثة في احدى الجامعات الخاصة حيث يتخصص في العلوم الإدارية. يلوم عمر بشكل دائم أصحابه الذين يتّهمون جامعته بتوفير فرص النجاح لكلّ من انتسب إليها. ويضطر في كل مرة الى تعداد عدداً من الأصحاب الراسبين. عمر يردّ نجاحه المتفوّق الدائم إلى اجتهاده في الدروس وفي إعداد الأبحاث اللازمة للمواد وفي الحضور الدائم للمحاضرات المطلوبة. وعلى الرغم من إكتمال البرنامج التحضيري لعمر على مدار العام فإنّه يجد أوقاتاً لممارسة هواياته والسهر مع أصحابه. ويعيد عمر هذا الأمر إلى برمجة التحضير لديه من ساعتين إلى ثلاث ساعات يومياً. هو يعتبر إنّ هذا الأمر يبقيه مطّلعاً على كافة المواد المطلوبة ولا يسمح في الوقت عينه بتراكم الدروس حتّى ما قبل الإمتحانات بقليل؛ "الفترة الأكثر إزعاجاً".
سهير أيضاً تعتمد نظام التحضير منذ بداية العام الدراسي وتسمح لها كلّية العلوم في الجامعة اللبنانية بذلك عبر الإمتحان الأوّلي الذي تجريه بعد بداية الفترة الدراسية بحوالي ثلاثة أشهر. "عشرون في المائة من علامات الإمتحانات كافة مرصودة لهذا الإمتحان" تقول سهير وهي في السنة الأولى في اختصاص الرياضيات والفيزياء. وعلى الرغم من انّ نسبة علامات هذا الإمتحان لا تشكّل أكثر من "فتح نفس" للطلاب فإنّها تعوّل كثيراً عليه من أجل إدراك قدراتها تجاه الإمتحانات الجامعية من عدمها. سهير قد أتمّت ذلك الإمتحان بنجاح جيّد لكنّ ما ينتظرها الآن هو الإمتحان النهائي الذي لم يعد يخيفها كما من قبل فهي قد عرفت مدى قدراتها جيّداً؛ "وما بيمنع الإتّكال على الله!" بالتوفيق يا سهير.
لا مبالون
على الرغم من اختلاف الطريقة بين من ذكرناهم سابقاً فإنّ أولئك الطلاّب يحسب لهم انّهم يحضّرون لإمتحاناتهم بضغوط أو بدونها. لكنّ هنالك جزءاً لا يستهان به من الطلاّب الجامعيين الذين لا يبالون معظم الأحيان تجاه دروس وحضور وتحضير بتاتاً. هؤلاء الطلاّب يعوّل بعضهم على الحظّ الجيّد كما هي الحال مع حسين الذي تخطّى العام الجامعي الأوّل عن طريق هذا الحظّ. حسين هذا قام بإختيار أجزاء صغيرة من كلّ مادة؛ "روليت أصلية يعني!" يبتسم حسين. تلك الأجزاء هي الوحيدة التي درسها حسين قبل أيّام من الإمتحان؛ "وتمام قطعنا بدون أيّ جهد!" يقول حسين الذي حسده عدد كبير من زملائه واعتبروا انّه غير جدير بالنجاح دون أن يعطي بالاً لأيّ منهم حيث أدرك بعدها انّه لم يحسن اختيارهم كما أحسن اختيار أجزاء المواد.
سامر أيضاً يقوم بطريقة لإتمام الإختبارات بنجاح لا تحتاج سوى لجهد صغير. طريقة سامر إستقاها من إختصاصه في علم النفس ومن نظرية الوعي واللا وعي بالذات. اذ يعتمد على ذاكرته القويّة لتطبيق طريقته حيث يقوم بين يوم الإمتحان والآخر بحفظ أكبر كمّية من المعلومات والدروس الخاصة بالمادة فيؤدّي إزاء ذلك الإمتحان على أتمّ وجه لكن دون أن يتذكّر بعدها سوى القليل من المعلومات التي حشاها حشواً في رأسه؛ "كلّه في الوعي المهمّ ننجح!" يقول سامر بلا مبالاة تجاه قلّة المعلومات التي أفاد منها في عامه الجامعي الأوّل؛ "أصلاً الإختصاص كلّه على بعضه لن يفيدني في تأمين عمل، ليس سوى مجرّد شهادة" يضيف بنقمة.
آخرون يسلكون طرقاً أخرى في التحضير السلبي بعضها يعتمد الغش كحالة باسم. ولا يمكن عند الحديث عن باسم إلاّ التأكيد على انّه يعتمد هذه الطريقة منذ أيّام المدرسة أي انّ تحضيره ما زال مدرسياً ولو بخطّ آخر. باسم هذا يقوم قبل الإمتحانات بفترة قصيرة بتصوير كامل الكتب والمحاضرات المطلوبة منه في الإمتحان على طريقة التصغير التي تسمح له بوضع الكتاب كلّه في أحد جيوبه. حالة باسم هذه أدهشت صاحب المكتبة التي يقوم بنشاطه فيها في الفترة الأخيرة حيث لم يصدّق انّ باسم قد تخرّج من جامعته في العام الماضي وبدأ بتحضير الماجستير؛ " بكرا أصل إلى الدكتوراه بهذه الطريقة!" قال له باسم مضيفاً إلى دهشته دهشة مضاعفة.
ولا ينسى باسم أن يمدّنا بقصّة مثيرة من تاريخه الطويل مع الغشّ حصلت له في أحد الإمتحانات وكالعادة كان يستخدم الطريقة التي بات من شيوخها.. بركاتك سيدي. ما حصل مع باسم هو في إمتحان المادة الأجنبية التي لم يفهم بالكامل مغزى السؤال الوحيد الذي يتألّف منه الإمتحان. عندها لجأ إلى كتابة الدروس الثلاثة التي توقّع أن يكون السؤال تابعاً لواحد منها كاملة ليفاجأ بعدها أنّ السؤال لا ينتمي إلى أيّ من هذه الدروس؛ "وأكلنا الضرب يومها!" يقول باسم الذي عاد وتخطّى المادة في دورتها الثانية وكأنّ شيئاً لم يحصل.
يبقى غازي الذي تجاوز السنّ الجامعي المتعارف عليه بعدّة سنوات وعاد إلى الدراسة العام الماضي، وتخطّى السنة الأولى بنجاح. غازي يملك متجراً لبيع أقراص الأفلام السينمائية. يجلس كلّ يوم في عمله ولا يكاد يذهب إلى الجامعة ذات التوجّه الإنساني، السياسي، والإجتماعي التي اختارها. نشاطاته كثيرة تمتدّ بين مشاهدة جميع الأفلام التي يعرضها في المتجر ومتابعة كلّ ما يتعلّق بالبرامج السياسية من حوارات ونشرات أخبار بالإضافة إلى متابعته للبرامج التي تنتمي إلى طائفة الطبّ البديل! ولا يتوقّف نشاطه عند هذا الحدّ بل يمتدّ إلى قراءة كلّ ما لا يتعلّق بالدروس الجامعية التي لم يمرّ عليها سوى مرور الكرام.
إذاً فإنّ الثقافة التي يتمتّع بها غازي هي عالية جدّاً الأمر الذي يبيّن الفرق بين المتعلّم والمثقّف برأيه. غازي نجح بتفوّق في معظم مواد إمتحانات كلّيته لكنّه يعتب على بعض المصحّحين الذي يتمسّكون برأيهم الخاص؛ "الذي يعتبرونه كلاماً منزلاً ربّما". هذا الأمر أدّى به للرسوب في مادتين يسمح له نظام الإمتحانات بحملهما إلى السنوات المقبلة حيث "لم يتمكّن المصحّح من تقبّل رأيي المناقض لرأيه على ما يبدو!".
هو عرض بسيط لبعض طرق التحضير لدى الشباب الجامعي في لبنان في ظلّ التركيز الدوليّ على الشؤون السياسية فيه فقط. معظم هؤلاء الطلاّب سوف يتخطّى أعوام الجامعة بنجاح وهو أمر لا يستدعي خبيراً لتبيانه. لكنّ ما يحتاج إلى أكثر من خبير هو السؤال عن مرحلة ما بعد الجامعة لدى هؤلاء الطلاّب. هل من مهتمّ!!؟




التعليقات