أحمد سعيد: فلنطلق اسم "هنا " على هذه البلاد .
صابر هو كل من يفد إلى "هنا "، خائف لدرجة الرعب أو الموت ، لا لذنب اقترفه إنما لكونه يعيش في بلاد لا قانون فيها سوى لائحة وضعها "وكيل"اقل ما يمكن وصفه بحمورابي العصر.
ومن يتجرأ ويخرق هذه اللائحة عليه أن يتمنى أن يكون الترحيل مصيره. والمحظوظ هو من يتم ترحيله مباشرة دون سجنه هذا الذي يمكن وببساطة اعتبار ان امه قد دعت له في ليلة القدر.
ويبدو أن أبو صابر" كان من أولئك الذين نسيت أمهاتهم أن تدعو لهم ، فكانت زنزانة الترحيل من نصيبه . فها هو يقبع في تلك الزنزانة التي تغص برجال تعثروا بحظهم السيء فوقعوا بين أيدي حراس الوكيل فسيقوا مكبلين كالمجرمين .. وجريمتهم الوحيدة التمرد على " سي السيد " وتجرؤهم على الفرار من قيده والابتعاد عن لسعات سوطه .
زج أبو صابر في معتقل الترحيل ، وحشر داخل زنزانة تعج بأمثاله من الذين أصابتهم سهام غضب سيدهم فشاء أن " يربيهم ويهذبهم " قبل أن يرحلهم .أدخل أبو صابر في تلك البؤرة التي تنبعث منها روائح الفساد وتتنزه فيها الصراصير تقتات من بقايا طعام "فرت"من بين أفواه المعتقلين الجائعين .
..قبل أن أدخل بلاد " هنا " كنت ق دسمعت عن مختلف أنواع المعتقلات السياسية والإجرامية والجنائية ، ولكن لم أكن أعلم شيئا عن معتقلات الترحيل .
ها هو أبو صابر" يصبر ويكابر ، يحتمل وينتظر فرج ربه فأي ذنب اقترفه حتى يسجن ؟ ويا له من ذنب ، لقد سمح لنفسه بالعمل في مزرعة لوكيل اخر غير وكيله لان عمله "الوحيد " لميكن كافيا لاعالة عائلته فكانت جريمته .. العمل لدى وكيل جديد ليتمكن من اطعام ابنه ؟وعلى ما يبدو فان عمله في مكان آخر يعد خرقا لقوانين هذه البلاد وبالتالي عليه دفع ثمن تلك الفعلة المشينة .لقد ارتكب الفحشاء وسولت له نفسه خيانة سيده فتهمته اذا الخيانة العظمى وقد صدر عليه الحكم بالترحيل ولكن بعد قهر نفسه وإخماد ثورته وتعفير كرامته بالتراب وجعله عبرة لغيره ولكل من تسول له نفسه بتحدي " السيد " ومحاولة سد رمق أولاده عبر عدة قروش يحصل عليها جراء تأدية عمل عند وكيل غير وكيله .
اليوم أدركت جريمة أبو صابر ،فهو وبكل بساطة لم يعد يستطيع الصبر على الخنوع والسمع والطاعة ، فانتفض لكرامته ، وفك قيده ولذلم فهو مجرم خطير اقدم على تولي وظيفة اخرى لوكيل غير وكيله الذي حجب عنه راتبه بغية إخضاعه وتدمير ما تبقى من عزة نفسه .
وها هو يقبع في زنزانة الترحيل تحيط به أحذية زملائه من كل صوب معاتبا القدر على قسوته ، يقاوم دموعه وهو يحاول التجلد وهو يسترجع صورة ولده وهو يبكي جائعا وخائفا ..وها هو يخاطب صرصور يتسلل ليختبئ داخل حذاء بقربه .. " لماذا تختبئ هنا ؟ أنت صغير يمكنك الرحيل ماذا تنتظر؟ ابحث عن ثقب في ذلك الجدار أو هذا السقف وانطلق.لماذا تختبئ ؟
واذا بالجواب واض كعين الشمس ، فهذا الذي ولد في هذه البلاد لا يعرف سوى العبودية كوسيلة للحياة ، واي حرية او حياة كريمة غير صالحة له .
لا يزال أبو صابر وصامد ينتظر من يفتح باب زنزانته ويقوم بترحيله وإعادته إلى مكان بلاده ، فلم يعد الفقر في بلده الام بهم مقارنة بما عاناه في هذه البلاد .




التعليقات