عصام سحمراني : كم من مرّة جلس في هذه الزاوية بالذات.. كم من مرّة ارتبكت فيها حواسه وأفكاره ولم يعرف تماماً ما الذي يشغله!أطلّ الصبح بشمسه الساطعة في وجهه بعدما انعكست أشعتها من زجاج أحد الأبنية المواجهة أقوى بمئات المرّات من أشعتها الأصلية. كان على غير عادة يشعر هذه المرّة أنّ أحداً ما ولو في مكان آخر يجالسه ويشاركه الأحاديث الصامتة نفسها.
صعد الجميع إلى قاعات الإمتحانات. بعض منهم حشر نفسه في المصعد الوحيد لمبنى الكلّية، أمّا البعض الأكبر فقد أجبر لضيق الوقت على تسلّق السلالم الكثيرة وصولاً إلى قاعاتهم في الطوابق العليا، والعليا جداً في السادس والسابع والثامن. يضيفون عليهم هموم الوصول فوق هموم الإمتحانات، وكأنّ إمتحان التشريعات الإجتماعية لا يشبع رغبة الهمّ لديهم! هكذا كان يفكّر.
لم يصعد واكتفى بالجلوس في تلك الزاوية البعيدة في "الكافيتيريا"، هو وكوب الشاي وتلك النظرة الحائرة في عينيه كالمنوّم مغناطيسياً. إدّعى أمام صديقته أنّ تحضيره للإمتحانات لم يكن جيّداً ،لكنّه كان يعلم تماماً أنّه يكذب ويلتفّ حول الأمر التفاف من ينتظر تغيّراً ما لم يعرف بعد ما هو. لم تعلّق الصديقة بعدما يئست من إقناعه واتّخذت سبيلها الصعودي نحو آفاق المعرفة.
إشتدّت وطأة الهدوء الشامل عليه بعدما فرغ المكان من الأصوات "العصفورية" للطلاّب. لم يبق سوى الفتية العمّال، وبعض أفراد إحدى المجموعات الطلاّبية ذات التوجّه اليساري. المجموعة التي يلتفّ أفرادها حول بعضهم البعض كما يلتفّون حول قضاياهم فلا يمنحون أحداً فرصة الإنتماء إليهم أو التأثّر بأفكارهم حتّى. ففي هذه المكان يجب أن تكون يسارياً جاهزاً كي تقبل بينهم ولا جدال في المسلّمات؛ مكانها خارج هذا المكان. ما بالهم؟ كرّر على نفسه السؤال مراراً. أفلا تتوجّه الأفكار الأساسية لديهم إلى كلّ البشر؟ كرّر سؤالاً آخر ومن ثمّ تجاهلهم.
رشف قليلاً من كوبه الساخن أمامه ومسح بضع حبيبات من العرق الذي تسبّب به البخار المتصاعد من الشاي. إلتفت نحو تلك الفتاة الشقراء في أزرقها البديع وقد جلست إلى الطاولة الأخرى ونظر إليها للحظات. كان يودّ لو يخفّف عنها خيبة أملها التي أصابتها جرّاء الإمتحان وقد بدا جليّاً على وجهها وفي عينيها أنّها لم تؤدّه على ما يرام. كان يودّ ذلك لكنّه كعادة تصرفاته اللا مبالية بمشاعر الآخرين اكتفى بطلب ورقة الأسئلة منها. نظر فيها قليلاً ولم يندم على عدم خوضه للإمتحان رغم السهولة التي وجد عليها الأسئلة. ردّ الورقة للفتاة واكتفى بالإبتسام بطريقة ربّما اعتبرها معبّرة ولم يعلم ماذا اعتبرتها هي.
سقف الكافيتيريا الجديد بعد تحطّم القديم في الشتاء الماضي ما زال متماسكاً، أو هذا ما كان يبدو على الأقلّ حين جلس تحته. الهدوء كان تاماً فعلاً من حوله لكنّ في رأسه كانت تتشابك الأفكار والتخيّلات والخيالات حتى كاد ينفجر في أيّ لحظة تماماً كتلك اللمبات الجديدة البيضاء فوقه. اللمبات التي تشبه أخطبوطاً بكامل أذرعه الثماني. جميلة تلك اللمبات بنورها الأبيض الساطع يخترق نظره نحو خلايا المخ مباشرة فيضربها بخيالاته العجيبة. حينها تنكشف له من الداخل صور الجمال المبهم وكأنّه أمام لوحة تجريديّة لطالما وقف أمامها ولطالما لم يفقه معناها ولم يميّز معالمها.
راقت له فكرة اللمبات واللوحة والتجريد. وتمنّى حينها لو يعرف الرسم كان سيفرغ محتوى رأسه كاملاً من كلّ تلك الصور والخيالات التي يدخلها إليه النور الأبيض. فكّر لو تحقّق له ذلك كم من لوحة سيرسم وكم من معرض سينظّم وهو يدّعي أنّه رسّام تجريديّ عميق في تجريديته حتى العظم. عندها ستتألّف نشاطات عديدة في ذلك المعرض وسيأتي من يقدّر الفنّ الأصيل ليتذوّق أعماله الرائعة تترافق مع آهات الصبايا العربيات و"واوات" الغربيات والمتغربنات. وستأتي الصحافة والصحفيون وستتصدّر أخبار المعرض والفنّان رؤوس صفحات الثقافة في جرائدهم ومجلاتهم. وسيأتي آخرون من المتطفّلين أمثاله حين يذهب إلى المعارض وسيهزأون من اللوحات دون أن يفقهوا شيئاً منها، وسيعودون كلّ إلى مكانه وهو يتخيّل مقدرته على التبشير بمذهب فنّي جديد تماماً كما حصل معه ومع رأسه واللمبات والنور الأبيض.
رغم ثنائية الهدوء الخارجي والفوضى الداخلية التي ضربت كلاّ من رأسه والمكان من حوله ما زال يشعر بذلك الشخص الغامض. ذلك الشخص الذي كان يحادثه من على بعد، ويشاركه الجلوس إلى الطاولة أمامه رغم توحّد لونه مع التجريد الكامل للهواء.
كان يشعر به ولا يكاد يجرؤ على التفكير فيه لأنّ صورته لمعت في رأسه فجأة وأدرك أخيراً أنّه نفس الشخص الذي يجلس في زاوية الكافيتيريا يفكّر في كلّ تلك الأمور. كالمرآة تماماً لمعت صورة الآخر وتغلغلت في خلايا تفكيره. صورة كان ينتظر فيها أحد باصات بغداد، بينما كانت ماكينة النيسكافيه خلفه تنتصب انتصاب التماثيل السابقة لصدّام.
- آخر تحديث :




التعليقات