كرة القدم .. لعبة خنقتها "الزعامات"
شباب يمارس هواياته في دورات تشبهه
عصام سحمراني: "شوف كيف صار الملعب روعة!" همس محمّد ذو العشر سنوات لأخيه الأكبر وهو لا يصدّق عينيه للمشهد الذي جرى أمامهما ببطء شديد سمح للصغير بالحلم والتمني. كلّ ما هنالك أنّ شاحنة صغيرة حملت على ظهرها خزّاناً كبيراً للمياه كانت تذرع المكان جيئة وذهاباً بينما إمتشق أحد الفتيان خرطوماً عريضاً وجعل يرشّ التراب الأحمر ليمنع ذرّاته الغبارية من التطاير في عيون اللاعبين والحاضرين ووجوههم. وقد كان يرشّ بطريقه عدداً من الفتيان الذين عدّوا الأمر مكافأة لهم في ذلك اليوم الحار الذي أمضوه وهم يلعبون الكرة دون أيّ اعتبار للتعب والإجهاد اللذين حلاّ بهم.
"يا لها من معجزة كالشتاء تماماً!" هكذا كان يفكّر الصغير وهو ينتظر الموعد المنتظر للإفتتاح. إفتتاح إحدى الدورات الكروية الشعبية. هو ليس افتتاحاً عالمياً طبعاً بل إنّه لا يتعدّى مباراة يلعب فيها فريق المنطقة مقابل فريق من نجوم الكرة اللبنانية المدعوّين. الجمهور كان محظوظاً هذا النهار لأنّه سيرى عن قرب نجومه المفضّلين وفي مقدّمتهم لاعبي النجمة – الفريق الأكثر شعبية في لبنان- الكابتن موسى حجيج والهدّاف محمّد قصّاص، وعدداً آخر من لاعبي فرق الأنصار والعهد وغيرها.
والإفتتاح في مثل هذه الملاعب القائمة في الضاحية الجنوبية لبيروت المكتظّة سكانياً بشكل يفوق الوصف يعني حضوراً كبيراً يتعدّى أعداد الحضور في بعض مباريات الدرجة الأولى الرسمية. ينعدم التحيّز بين الجماهير ويؤكّد أحدهم على أنّ "اللعب الجميل هو ما نصفقّ له لا غير". أمّا مشاهد آخر فقد اعتبر أنّ "الإدمان على اللعبة" هو ما يجعله يتابع ما استطاع من المباريات على أنواعها؛ "درجة أولى، تانية، دورات شعبية لا فارق عندي!" يقول وهو يقفز على وقع إحدى التسديدات.
ونحن ما زلنا خارج خطوط الملعب يقابلنا مشهد شاب ثلاثيني يحمل بيده ورقة بينما يقفز يمنة ويسرة وهو يصرخ على اللاعبين حتّى يكاد يختفي صوته. حماس فوق العادة يعني. هو ليس إلاّ مدرّب الفريق المحلّي- فريق المنطقة. يقول وهو يخشى أن تفوته لقطة ما من المباراة أنّ تنظيم مثل هذه الدورات هو "فرصة مهمّة للاعبينا للإحتكاك باللاعبين الكبار". ولا يردّ حماسه المفرط سوى إلى التمثّل بالمدرّبين العالميين ففي النهاية "كلّ الموضوع تسلية ليس إلاّ!" يقول عن اقتناع.. ظاهريّ على الأقلّ.
أمّا عن اللاعبين المشاركين في هذه الدورات والمباريات فهم إمّا من لاعبي الفرق الرسميين الذين يستغلون فرصة توقّف البطولات الرسمية لإبراز مواهبهم في أمكنة أكثر قرباً للجماهير في ظلّ عدم وجود أيّ من أنظمة الإحتراف في كرة القدم اللبنانية. تلك الأنظمة التي تحوّل اللعب "إلى آلة لخدمة الفريق مقابل الأجور العالية" يقول أحد اللاعبين المشاركين من ذوي رتبة الدرجة الأولى. ولا يخفي هذا اللاعب السبب الرئيسي لمشاركته في تلك الدورة؛ "شريك بيطلعلي عالماتش 25 ألف حلوين مش هيك!!" أي ما يعادل 17 دولار أميركياً.
ويجمع المنظّمون رسوم إشتراك من الفرق المشاركة بواقع خمسين دولار أميركياً من كلّ فريق ما يؤدّي إلى تراكم مبلغ جيّد يصرفونه على تجهيز احتياجات الملعب من "شباك للمرميين ورشّ مياه وأجرة حكّام والدفع المقدّم لبعض اللاعبين البارزين بالإضافة إلى الجائزة المالية للفريق البطل والكؤوس والميداليات له وللباقين" يتحدّث سمير وهو أحد المشاركين في التظيم وفي اللعب بالتفصيل.
أمّا النوعية الأخرى من اللاعبين المشاركين وهم الأكثرية الساحقة فإنّهم إمّا ممّن تخطّى الثلاثين من عمره أو ممّن لم يتخطّى العشرين بعد أو ممّن هم بين الإثنين وهؤلاء هم الأفضل من بينهم وسيكون لنا كلام مع لاعبين من الفئات الثلاث.
فالكبار سنّاً - نسبياً طبعاً- هم كحالة حسام الذي يلعب منذ "أكثر من عشرين سنة" يقول وهو يمسح العرق عن جبهته المخضرمة في كرة القدم. اللعبة التي اختبرها رسمياً حين كان بلعب مع أحد نوادي الدرجة الثانية قبل عدد من السنوات. أمّا الآن فلا تعنيه اللعبة إلاّ فيما خصّ جانب "التسلية منها لا غير" يضرب عل بطنه قليلاً ويضيف "... وتذويب الشحوم أيضاً".
أمّا عن الفئة الثانية وهم الصغار فهم الأشدّ بعداً عن التعب والإجهاد من بين اللاعبين والأشدّ ارتباكاً وتلقياً للوم من الآخرين في الوقت عينه. ويندرج هدف آخر بعيد عن هدف التسلية لدى أولئك اللاعبين وهو "لفت أنظار كشّافي الفرق، على قلّتهم، كهذا الذي يختبئ هناك" يقول سامر ويشير بيده نحو إحدى زوايا الملعب المظلّلة بشجرة كبيرة. سامر يعتبر أنّ اللعب مع أحد الفرق الكبيرة "يبدأ من هنا لا من أداء التجربة في تدريبات تلك الفرق!". ولسامر تفسير لذلك الرأي ينطلق من "شؤون مالية خالصة" يقول سامر. فاللاعب يتقاضى حين يختاره أحد الفرق مبلغاً يصل إلى عشرة آلاف دولار أحياناً بينما لا يصل المبلغ إلى 500 دولار لا غير حين "يدفش نفسه دفشاً في الفريق" يقول سامر ويدقّق النظر مجدّداً إلى الزاوية التي تكمن فيها فرصته الخضراء ملاعباً ودولارات.
والفئة الثالثة وهي أهمّ ما في الموضوع فهي التي تجمع أولئك اللاعبين الذين ما زالوا يمارسون اللعبة بروحية وحماس أكبر ربّما من لاعبي الدرجة الأولى أنفسهم. هؤلاء الشبّان العشرينيون هم الأساس الأوّل الذي تقوم عليه فرق تلك الدورات . وهم بالمناسبة على مستوى عالٍ من المهارات واللياقة البدنية يكاد يلامس ما للاعبي الفرق الرسميين منها بل ويتفوّق عليها أحياناً من حيث الحماس الزائد. ويجعلك تتساءل من تلقاء نفسك كيف لا يلعبون في الدرجة الأولى أو حتّى في الثانية قبل أن تحتار في الإجابة وتسعى لأخذها منهم شخصياً.
ربيع هو أحد أولئك اللاعبين. يشرب قليلاً من الماء ويتحدّث عن أسباب عديدة منعته من اللعب مع أحد الفرق لكنّه يضع كلّ اللوم على الفرق التي جرّب اللعب معها لا غير؛ "يا أخي فريق بدّو واسطة وفريق ما بيدفع مصاري وفريق يقول لك أن لا حاجة لهم بك شو بدّك تعمل!!؟" يتساءل ربيع. أمّا عن مشاركته في مثل تلك المباريات والدورات فيردّها ربيع إلى سبب واحد لا غير هو "الإنتقام من كلّ الذين شكّكوا بقدرتي ومنعوني من اللعب مع أحد النوادي" يقول ربيع من قلب مجروح.
لاعب آخر ليس بلاعب فعليّ بل هو معلّق للمباريات عبر مكبّرات الصوت ينتقم لنفسه أيضاً على طريقته الخاصة. هو صديق وزميل لكلّ لاعبي فريق المنطقة. وانطلاقاً من صداقته تلك فهو يعلّق على المباريات على أساس من التحيّز المفضوح ضدّ الفريق الخصم؛ "خاصة لاعبي الدرجة الأولى". وكاد يحصل اشتباك بينه وبين أحد أولئك اللاعبين في إحدى المباريات عندما استمرّ طوال المباراة يذكّر الجماهير بالكرة التي مرّرها أحد لاعبي منطقته من بين قدمي ذلك اللاعب (بيضة) ؛ "يعني بهدلة وأكلها ليش بدّو يبهدل حالو أكتر!" يقول يوسف المنتقم على طريقته.
عادة ما يكون اللاعبون في الفرق الرسمية هم أضعف عناصرها لسيطرة الشؤون الإدارية وطغيانها على كلّ ما عدا ذلك من أمور داخل تلك الفرق وعلى صعيد الإتحادات الوطنية نفسها أيضاً. لكنّ اللاعبين، في مثل تلك الدورات التي تشهدها فرصة توقّف البطولات الرسمية خلال الصيف وخلال شهر رمضان من كلّ عام، يعيدون إلى اللعبة إعتبارها، وأساسها الذي يمكن الإستغناء عن كلّ الرتوش الملتصقة به. ففي مثل هذه الدورات يشكّل اللاعبون الطرف الأقوى والمسيطر على كلّ ما عدا ذلك من جوانب. وكرة القدم في النهاية مثلها مثل كثير من الألعاب لا تحتاج سوى إلى مجموعة من الشباب وكرة واحدة لا غير.




التعليقات