حلموا بوظيفة المطار فتحقّق لهم فتاتها:
عن شبّان تفريغ وتحميل الطائرات

عصام سحمراني: "فيق يا خالي فيق دبّرتلك وظيفة بالمطار!" تفاجأ حسين بصوت خاله الآتي من بعيد عبر الهاتف وتفاجأ أكثر بالوقت الذي أيقظه فيه هذا الصباح. فهو منذ زمن طويل طلّق ساعات الصباح جميعها حتّى الواحدة ظهراً. "بحياة ربّك" كان الشاب واقعاً تحت وطأة المفاجأة لكنّه تدارك الأمر سريعاً حين علم من خاله أنّ عليه أن يكون في المطار بعد ساعة واحدة. هندم الشاب نفسه وصبّ نصف زجاجة العطر على ثيابه كما يفعل حين يذهب إلى الكثير من الأعراس في الصالات القريبة إلى بيته ومضى إلى المطار حيث الإسم الفلاني ينتظره ليسلّمه العمل.
لم يتوقّع حسين أن تكون السبل أمامه ميسّرة والأبواب مفتوحة وهو انتظر مرّات للحصول على وظيفة وطرد مرّات أكثر ولو بلطف. وصل إلى بوّابة العبور وأعلن عن اسمه فكانت المفاجأة في وروده على لائحة الموظّف المسؤول الذي أرسله إلى أحد المباني لإستلام الوظيفة. هناك استلم حسين فعلاً لكنّ ما استلمه هو بذلة حمراء من قطعة واحدة؛ "مثل ثياب الإعدام الله الوكيل!". أمّا الوظيفة فقد جاءت على مستوى البذلة الحمراء حيث أمضى حسين نهاره ذلك اليوم وهو يشتم ويلعن خاله حين كان يذرف عرقاً غزيراً وهو يحمل الصناديق المقفلة مع زملاء له إلى عدد من طائرات الشحن ولم يهتمّ كثيراً بما طال والدته من شتائم فالوقت كان طويلاً للغاية والعمل أكثر من مضن.
لا شيء يتغيّر في لبنان، يختبئ البعض خلف إصبعه ويعلن أنّ التغيير آت لا محالة لكنّه يعود إلى الصمت مجدّداً فعدم التغيير بات قناعة راسخة في نفوس اللبنانيين. والثوابت اللبنانية كثيرة لكنّ البطالة هي الأشدّ وقعاً على الشرائح الشعبية لما تسبّبه من مشاكل إجتماعية ونفسية تحطّم أيّ معنى للأمل لدى أجيال بكاملها. وليس معروفاً تماماً فيما خصّ البطالة إن كانت "الواسطة" سبباً لها أم حلاً لكنّ هذا الأمر ينفي الإنتشار الواسع لهذه الطريقة بين اللبنانيين في كافة مناحي حياتهم ولا سيّما العمل.
نوّار أحد الذين تدبّروا "واسطة" أيضا للدخول إلى المطار، "وعأساس وظيفة مش عتالة!!" . وهو بعد دخوله وخروجه من السجن عدّة مرّات قصيرة الأمد بسبب تجارة "الحشيشة" قرّر أن يسعى إلى عمل يبعده عن تلك الأجواء المشحونة لحياته السابقة. عندها كان لا بدّ له من أن يقصد أحد المسؤولين المهمّين في بلدته البقاعية الذي وعده بوظيفة في المطار بعد عشرات اللقاءات مع حرّاسه الشخصيين وسائقيه إلى حين تمكّن من لقائه لعشرة دقائق إصطحب خلالها والده وعمّه معه. إذاً فقد حصل الأمر فعلاً لكنّ المشكلة التي واجهها نوّار كانت منوطة به هذه المرّة وهي السجلّ العدليّ الخاص به والأساسي لأيّ وظيفة. وسجلّ نوّار كما تعلمون مليء بالجنح وجرائم التجارة والتعاطي. لكن وبما أنّنا ما زلنا نتكلّم عن الواسطة فقد تدبّر نوّار المسألة عبر أحد معارفه من "سماسرة" القطاع الأمني الذي نظّف سجلّه العدلي وقدّمه له خلال يومين لا غير ومقابل 500 دولار أميركياً. "مش مهمّ" هكذا كان يفكّر نوّار، فالعمل الموعود غداً وما هو المبلغ الذي أنفقه أمام الآمال والأحلام الآتية! المهمّ أنّ نوّار أراد أن يترك العمل منذ النهار الأوّل لكنّه لم يرد الخروج خاسراً وهو الآن يترقّب تعويض خسارته التي لم يعتدها يوماً في تجارته السابقة على أمل أن لا يعود إليها مجدّداً، "والله ما بتعرف!" تلمع عينا نوّار.
دوام العمل يختاره العامل من اثنين مدّة كلّ منهما إثنا عشر ساعة وتتمّ المداورة عند السابعة صباحاً ومساءً. أمّا الراتب الشهري فيصل إلى 430 ألف ليرة أي ما يعادل 287 دولار أميركياً لا تكفي طعاماً فقط لشخص واحد لا غير على مدار شهر كامل. ولا يقدّم العمل بطبيعة الحال وجبات غذائية للعمّال ولا أيّ ضمانات صحية ا وتامين أو تثبيت لنيل تعويض نهاية الخدمة . كلّ ما يقدّمه هو تأمين ضدّ إصابات العمل لا غير. إذاً ما الذي دعا كمال معلّم الخياطة في أحد المعامل، المتزوّج ووالد الطفلين إلى الخوض في هذا المجال.
"أقفلت الأبواب في وجهي" يقول كمال، فالمعمل الذي أمضى سنواته الخمس الأخيرة فيه أفلس وأدخل صاحبه إلى السجن أكثر من مرّة بسبب العديد من "الشيكات" الخالية من الرصيد. فما كان من كمال الذي لم يتقاض سوى نصف الراتب فقط في السنة الأخيرة إلاّ أن قام بخطوة ترك العمل المستحدث لصاحب العمل في تجارة الألبسة بالجملة. وقد كان كمال آخر من غادر من أصل أكثر من ثلاثين عاملاً كان يضجّ بأصواتهم معمل الخياطة قبل سنة واحدة لا غير.

الواسطة تدبّرها كمال من مسؤول أحد الأحزاب الأقرب جغرافياً إلى المطار وذهب فعلاً إلى العمل بهمّة من يسعى لتعويض ما فاته في السنة الأخيرة من متطلّبات ومسؤوليات منزلية. "عتالة عتالة ما بأثّر" هكذا كان يفكّر كمال لكنّ الصرخة أتت بعد ثلاثة أيّام لا غير ومزدوجة هذه المرّة.. منه ومن زوجته التي لم تعد تراه بتاتاً في المنزل إلاّ نائماً؛ "وعلى بطنه أيضاً". ترك كمال العمل وسامح الشركة بالأيّام الثلاثة التي عمل خلالها وها هو اليوم قد عاد إلى "النصف معاش" الذي يتقاضاه من صاحب العمل في عمله الجديد، "يا أخي أيّ شي أحسن من هونيك لا مطار ولا غير مطار خلّينا لاطيين هون".
بعض من العمّال لا يجد مشاكل تجاه العمل أو صعوبات كالتي واجهها من تحدّثنا معهم. هؤلاء على ما يبدو اعتادوا عليه وبات واقع حياتهم الذي لا يسعون إلى تغييره. بلال واحد من أولئك القانعين وهو بالمناسبة يملك الجنسية الكندية مع زوجته وأولاده ولكنّه -وربّما يجد الكثيرون ذلك مضحكاً في ظلّ الهجمة الكبيرة على التأشيرات الأجنبية- تعب من غربة وبرودة كندا وأراد العودة إلى دفء وطنه وحنانه المفترض. تلك هي الفرصة التي قدّمها له وطنه بعد ألف واسطة وها هو الآن يستغلّها براتبها الذي لا يعادل نصف التقديمات الإجتماعية التي يتقاضاها من السفارة الكندية شهرياً.
ناصر أيضاً تدبّر له أحد وزراء منطقته هذا العمل فوجد فيه فرصته الذهبية للعيش بالقرب من العاصمة التي سمع عنها الكثير. وهو الآن يعمل بجدّ وسعيد للغاية بالراتب الذي يمثّل أعلى سقف وصل إليه من كلّ أعماله السابقة في "الرعي، والبناء، والفلاحة". وبالمناسبة فهو في عمله هذا منذ أربعة أشهر ولم يتسنّ له بعد رؤية بيروت لا من قريب حيث لا وقت لديه سوى للعمل والنوم ولا من بعيد حيث يغطّي المدينة بشكل دائم دخان المحرّكات والتفجيرات والشكوك.
أولئك الشبّان وجدوا في وظيفة المطار فرصتهم الذهبية بعد ألف واسطة وواسطة في بلد تطغى البطالة على كلّ مرافقه العامة وتتحكّم التوصيات في الفرص القليلة المتوفّرة. بعض منهم رضي بنصيبه والآخرون لم يقتنعوا بكلّ تلك الأحاديث التي يذخر بها تراثنا العربي، تلك التي تتحدّث عن القناعة التي هي كنز لا يفنى، والقليل أفضل من الحرمان، وإضاءة شمعة خير من لعن الظلام وهكذا هم سئموا منها ومن عملهم هذا وخرجوا منه قبل أن يتحوّلوا إلى ما يكرهونه من المخلوقات القانعة والخانعة. أمّا حسين الذي بدأنا موضوعنا به فإنّه منذ ثلاثة أشهر ينتظر الترقية التي وعده بها خاله؛ "وعيش يا كديش تينبت الحشيش!".