في ظلّ النفي والتأكيد والمخاوف والشكوك
إنفلونزا الدجاج تفتك.. بجيوب البائعين

تصوير عصام سحمراني
صام سحمراني: quot;يا إمّ حسين وزير الصحة قال ما في شي..quot; يصرخ عبد بائع الدجاج في منطقة حيّ السلّم في الضاحية الجنوبية لبيروت بما يشبه الإنتحاب وهو يحاول استمالة أمّ حسين التي كانت واحدة من أهم زبائن محلّه الصغير. تلوّح المرأة بيدها من بعيد بما يشبه الـquot;خلّيك بعيد عنّي انت ودجاجاتكquot; وتكمل طريقها نحو السوق. عبد كان يمسك بقفص الدجاج على قلّة عدده لديه ويكاد لا يصدّق أنّ إفلاسه بات أمراً شبه مؤكّد بعد سنوات عدّة من الإزدهار والبحبوحة، quot;فلا إمّ حسين ولا إم علي وولا أحد عم يشتريquot;.

بات من المؤكّد في لبنان أنّ فيروس إنفلونزا الدجاج قادم في إتجاه مناطقنا. فبعدما حطّ المرض رحاله في أكثر من دولة عربية مجاورة وقريبة كالأردن وفلسطين، ومصر التي بات التخوّف منها أكبر في ظلّ فصل الربيع الذي تهبّ فيه على لبنان الرياح الخماسينية قادمة من صحرائها. جاءت الأخبار لتؤكّد نفوق عدد من الطيور البلدية في عدد من مدن وقرى الجنوب كصور ومخيّم الرشيدية والبازورية وقانا بفيروس quot;أتش 7quot; الذي سبّب على الرغم من اختلافه عن فيروس quot;أتش 5 أن 1quot; القاتل حالة من الذعر بين المواطنين اللبنانيين أدّت في أقلّ مظاهرها تعبيراً إلى الإنقطاع عن تناول لحوم الطيور ومشتقاتها من البيض والمعلّبات. وجاء هذا الإنقطاع رغم العديد من التوجيهات والتوضيحات التي ما زال الدكتور محمد خليفة وزير الصحة في لبنان منذ أشهر عديدة يدلي بها عبر وسائل الإعلام فيؤكّد فيها على عدم خطورة أكل هذه الطيور.

بيانات الوزير وغيرها من البيانات الخاصة بكبرى مزارع الدجاج في لبنان يلصقها حسن على حائط محلّه ليبيّن خلوّ لبنان من المرض لزبائنه الذين يتناقصون يوماً بعد الآخر؛ quot;ماذا أقول ..لم أتمكن حتى من تسديد إيجار المحل هذا الشهر quot;. ولا يبدو أنّ حسن، على الرغم من شهرته الكبيرة في المكان كواحد من أنظف بائعي الدجاج هناك، قادر بعد الآن على الإستمرار في مصلحته هذه على الرغم من الدعاية الإستعراضية اليومية التي يؤدّيها أمام باب محلّه حيث يعمد إلى تناول الدجاج والبيض أمام المتسوقين والجيران الذين نادراً ما يتوقّف أحدهم استجابة لدعوة حسن.

خاص إيلاف
وسام أيضاً يعلّق مثل هذه البيانات على جدران محلّه الخارجية والداخلية بما يشبه أوراق النعي، quot;على المصلحة وعلى المستقبل وعلى كلّ شي عملناهquot;. وسام يؤكّد أنّ المبيعات لديه هبطت إلى ما دون النصف بعد شهر رمضان وما زالت تهبط منذ ذلك الحين، quot;ولا تنسى إنّو خفضنا الأسعار!quot; يأسف وسام.
وفي نظرة سريعة إلى الأسعار بين هذين التاريخين نجد الفارق كبيراً بالفعل حيث كانت الكيلوغرامات الثلاث أو الأربع في أحسن الأحوال من أفخاذ الدجاج تباع بعشرة آلاف ليرة أمّا الآن فبعشرة آلاف quot;بيطلعلك سبعة وتماني وتسعة كيلو وما حدا عم يشتري!quot;. هذا عن وسام الذي قرّر تحويل محلّه إلى بيع الأسماك المجلّدة والخضار الطازجة؛ quot; انشالله ما يصيبهم مرض جديد !quot;.

مثل تلك البيانات الخاصة بالوزارات والمزارع لا يمكن أن تشكّل في لبنان حاجزاً من الثقة يستطيع أن يحول دون انهيار هذه التجارة. ولمحمّد الذي كان قبل مدّة قصيرة يتناول الدجاج على أنواعه من quot;فاهيتا واسكالوب وشيكين برغر وناغيتس وفرايد وطاووق وسودةquot; نظرية في هذا الإطار. محمّد يأكل يومياً من أحد المطاعم القريبة من عمله لكنّه مع ظهور المرض في الدول العربية قرّر التوقّف نهائياً على الرغم من البيانات والتصريحات الخاصة بالوزارات والمزارع. ويفسّر ذلك بعدم ثقته المطلقة بأيّ من أطراف الدولة؛ quot;أنا لا أملك سوى صحّتي في هذا البلد هل أراهن عليها أيضاً؟quot; يستفسر محمد ولا ينتظر جواباً فهي مسألة ثقة في النهاية.

آخرون غيره يثقون بوزارة الصحّة ويثقون على وجه الخصوص بالبراهين العلمية التي يقدمها الوزير باستمرار. راغب أحد أولئك المستهلكين الذين لم ينقطعوا بعد عن تناول الدجاج، quot;وإذا ما كان هنالك من مرض فعلاً فنحن نأكل الدجاج دون أن نلمسهquot;. يزعج راغب صديقه المصاب بوسواس تجاه هذا الأمر ويؤكّد له أنّ الفائدة في ظلّ إنتشار أخبار المرض أعلى له حيث، quot;هكذا أوفر أكتر طالما أسعار الدجاج في انخفاضquot;. على أمل أن لا يصاب راغب بنوع آخر من الأمراض تسببه سمنته المفاجئة.

نترك المستهلكين الممتنعين والمتهافتين على حدّ سواء ونعود إلى البائعين الذين أوقف بعضهم تجارته فعلاً مع انتشار أخبار المرض. إثنان من هؤلاء يشتركان معاً في البيع لكن بطريقة أخرى حيث يستبدلان المحلّ الثابت بسيّارة تنقلهما يومياً إلى بعض القرى الجنوبية التي يندر في بعضها وجود مثل هذه المحال. الشابان هما محمد وعماد اللذان تعلّما المصلحة من quot;ذبح ونتف ريش وتنظيف مصارينquot; عبر تنقلاتهما لا غير. وهما يرويان مغامرات لهما في هذا الإطار تعود إلى عهدهما الأوّل بالمصلحة حين كانا يخنقان الدجاجة قبل ذبحها دون أن ينتبه الشاري. يتحسّر الشابان على تلك الأيّام ويعلنان توقّف مغامراتهما عند هذا الحدّ. لكنّ بصيص أمل في عينيّ عماد يؤكّد له أنّهما سيقلبان المصلحة إلى أخرى سواها؛ quot;سمك، خضرة مش مشكلة المهم أعلنّا وفاة سيارة الدجاج!quot; يعترف الشاب.

تصوير عصام سحمراني
جمال يملك مطعماً يعدّ شهيراً بمقاييس الضاحية الجنوبية لبيروت. فمعظم شبّان منطقته يمضون سهراتهم بالقرب منه عند زوايا الشارع وبطبيعة الحال فإنّهم يرتادون مطعمه حين يضرب بهم الجوع. جمال كانت المبيعات لديه ترتكز في معظمها على أصناف الدجاج التي تشكّل في العادة ربحاً أكبر من ربح اللحوم-في حال كانت طازجة. أمّا الآن فقد تحوّل المطعم بشكل شبه كلّي نحو لحوم البقر وأكلة السمكة الحرّة التي أدخلها جمال حديثاً إلى المطعم ولاقت رواجاً كبيراً. وعلى الرغم من ذلك فإنّ بعض الشبّان ما زالوا يضايقون جمال بتعليقاتهم الساخرة التي على شاكلة؛ quot;رشّ لي القليل من الإنفلونزا على السندويشquot;. تعليقات استدعت جمال للردّ عليها بالطريقة الأمثل حيث أعدّ قنّينة كبيرة معبّأة بمزيج من المايونيز وأحد أنواع المشروبات الغازية والبهارات وكتب عليها بالخطّ العريض quot;إنفلونزا دجاجquot;. ردّ أفحم كثيرين من زبائنه.

حتى الآن لم يتبيّن أيّ إصابة بالفيروس القاتل في لبنان مع إنّ الخطورة تبرز في عودة الطيور المهاجرة إلى مواطنها عبر سماء لبنان. والتخوّف الأكبر في هذا الإطار يبرز في صيّادي الطيور الذين وضعت غرامات كبيرة على نشاطهم في حال مارسوه تشابه تلك التي وضعت قبل فترة على كشاشي الحمام في الضاحية الجنوبية لبيروت. وقد أكّد لنا واحد من أكثر الصيّادين المعروفين في المنطقة بنشاطه الكبير إلتزامه بقرار حظر الصيد؛ quot;أعوذ بالله هل نهلك انفسنا بإيديناquot; يبرّئ الحاج نفسه مسبقاً.

وعلى الرغم من أنّ كثيرين يشكّكون أصلاً في وجود مثل هذا المرض لا بل إنّهم يردّونه إلى غيره من الأمراض quot;الإشاعاتquot; التي انتشرت بفضل الولايات المتحدة كالحمّى القلاعية والسارس والجمرة الخبيثة فإنّ الإحتياطات تبدو واجبة، رغم أنّ هذه الإحتياطات قد توقف أعمال الكثير من تجار الدجاج. وبطبيعة الحال فإنّ المصيبة تصبّ دائما على البائعين الصغار الذين سيفتك المرض بجيوبهم قبل أيّ شيء آخر في ظلّ غياب الحماية اللازمة لهم.
كلّ إنفلونزا وأنتم بخير..