فلنعلنه عيداً للعاطلين عن العمل أيضاً
حكايات شباب تظاهروا كعمال
| تظاهرة الحزب الشيوعي في الاول من ايار _تصوير عصام سحمراني |
عصام سحمراني : كلّ عام وأنتم بخير يا شحم السواقي، يا فحم المصانع. كلّ عام وأنتم بخير يا أيّها العمّال في كلّ الكون. كلّ عام وأنتم تصنعون الخير بسواعدكم عساكم تكافأون يوماً ما تعملون.
البربير صباح الأوّل من أيّار كانت ساحة انطلاق لمجموعة من ألوان تنتمي إلى زمن ما زال يمتدّ منذ ستينات القرن العشرين حيث كان لكلّ قضيّة طعماً ولوناً ونفساً ثوريّاً. البربير هذا الصباح كانت تحاصر بلونيها الأخضر العسكري والرمادي الخاص بقوى الأمن الداخلي أبدع ألوان البلاد وأجملها على مرّ العصور. الأحمر.. فالساحة كانت مصبوغة بالكامل باحمرار الأمواج البشرية المتدفقة للإحتفال بعيد العمّال العالمي. واللون الأحمر كان كثيفاً إلى درجة تعيدنا بالروح قبل الذاكرة إلى أزمنة احمرار القضايا. إحمرار المواجهة. إحمرار الثورة. إحمرار الأغاني. إحمرار الخطاب. إحمرار المعتقلات. إحمرار السجون. إحمرار الشهداء. إحمرار الأرض. إحمرار الثقافة. إحمرار الحياة. واحمرار الشيوعية الدائمة النضارة في نفوس أبنائها الحمر قبل أيّ شيء آخر.
عادل
يرفض عادل فكرة التوقف عن العمل في عيد العمّال. وينطلق موقفه من عدم إنطباق صفة العامل عليه كي يحتفل بالعيد؛ quot;بحياة ربّك أيّ عامل هو الذي لم يسجّل في ضمان ولا نقابة ولا ورقة تثبت أنّه يعمل!!؟ يسخر الشاب من وضعه ويردّ على نفسه بكلام لزياد الرحباني؛ quot;هيدا عامل نعم لكن عامل شي مش منيح!quot;.
في حمص ولد عادل منذ واحد وعشرين عاماً. هرب يومها أهله من لبنان الحرب واستقرّوا هناك. أسّس والده مشغلاً للخياطة سرعان ما شبّ عادل فيه بعد تركه المرحلة المتوسطة من دراسته. شبّ في المشغل على مهنة التفصيل التي أمّنت له بعضاً من استقلالية مالية ولو ضمن إطار والده الضيّق.
أحبّ عادل العودة إلى لبنان دائماً. كان يستغلّ أدنى فرصة لقطع الحدود إن لزيارة الأهل والإطمئنان عليهم في الأعياد، أو لتأمين بعض الأوراق الرسمية الخاصة بأخوته الصغار من إخراجات قيد وغيرها. لكنّ أكثر ما أثّر به كان أصدقاؤه السوريون الذين جاءوا إلى لبنان في سنّ صغيرة وعادوا إلى بلدهم غانمين ما غنموا. quot; جحا أولى بأهل دارهquot; هذا كان لسان حال عادل حين عقد العزم على الإستقرار في لبنان وقد كان يحلم كغيره من الشبّان السوريين بالأموال المنتشرة على الطرقات. كان حلمه يشابه إلى حدّ بعيد تلك التي لشبّان لبنانيين عن أميركا وعن دول الخليج.
أتمّ خدمته العسكرية، وفي ضواحي بيروت لم ينتظر كثيراً حتى وجد عملاً شعر في البداية أنّه على قدر الطموحات. quot;كنت لا أزال أعتقد أنّي أعيش في سوريا فالدولارات الثلاثمائة التي تقاضيتها عن الشهر الأوّل كانت بالنسبة لي حلماًquot;.
| خاص إيلاف |
ناديا
quot;معقولة يمنحني يومين عطلة ورا بعض!!؟quot; تستغرب ناديا عن سابق تجربة وتؤكّد إنّ هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق quot;بعيد عمّال ولا بغيرهquot;. لكنّ الأمر لا يعدو كونه quot;أمراً عادياًquot; تقول ناديا التي تنال يوماً واحداً للراحة أسبوعياً ؛quot;تعوّدت شو بدّي أعمل!quot;.
19 عاماً هو عمر ناديا التي تعمل في أحد محال الحلويات بالقرب من منزلها في الضاحية الجنوبية لبيروت. من السابعة صباحاً حتّى الثالثة والنصف بعد الظهر يمتدّ دوام عملها في ذلك المكان. مئتان وخمسون ألف ليرة هو الراتب الذي تتقاضاه شهرياً أي إنّه لا يصل حتّى إلى الحدّ الأدنى. هي تعيسة إذاً! ربّما لا!
تبتسم ناديا وتقول عن عملها انّه مريح جداً ويبعدها في أسوأ الأحوال عن الجلوس في المنزل وانتظار النصيب الذي quot;يمكن يجي يمكن لأ، هكذا ان اختار نصيبي على ذوقي quot;. تركت ناديا المدرسة بعد رسوبها بالبروفيه وقبعت في المنزل. لم تصمد بعدها في أحد معاهد المحاسبة أكثر من شهرين أوجعا رأسها لكثرة الأرقام والمسائل الحسابية خلالهما. إلى أن بدأت بالعمل في هذا المكان منذ ثلاث سنوات.
أمّن العمل لناديا إستقراراً نفسياً أقلّه كما ذكرنا إبعادها عن جوّ المنزل. فهي تعتقد تماماً انّ مساحة كبيرة نسبياً من الحرّية قد منحت لها جرّاء العمل. أبعدتها عن الرقيب المتمثّل بأبيها وأشقائها الثلاث. أمّا عن الراتب فأهلها مكتفون مادياً. وهي تعتبر الراتب -رغم ضآلته- جيداً لأنّه لها بالكامل، فبالإضافة إليها يعمل والدها وشقيقاها الموجودان في المنزل أيضاً. وبالتالي فهي لا تبحث عن عمل أفضل في الراتب وساعات العمل لأنّها حالة quot;معظم الفتيات اللواتي يعملنquot;. تفسّر ناديا؛ quot;أرباب العمل يوظّفون فتيات كواجهة لمحلاتهم لا أكثر وأكبر دليل هي الرواتب التي لا يمكن أن يقبل بها أيّ شابquot; تقول ناديا التي لا يسمح لها راتبها حتى بتسجيلها في الضمان الإجتماعي. إستعاد فادي ذلك العصر الذي حدّثه عنه خاله الشيوعيّ العتيق وهو يركض محاولاً برايته الحمراء اللحاق بالمجموعة الأمامية وهي تردّد الهتافات بزخم أكبر من مجموعته. والكمّ الهائل من الأناشيد التي لطالما أسمعه ذلك الخال من quot;مولاناquot; الشيخ إمام وزياد الرحباني ومرسيل خليفة وأحمد قعبور وخالد الهبر وسامي حوّاط وجفرا الفلسطينية والطريق العراقية وسميح شقير كان يختلط في رأسه ليقلب روحه تدريجياً إلى اللون الأحمر بين الجموع الغفيرة وهو يراقبها ببطء كاد يفقده وعيه. ويقولون أنّهم لا يعلمون لوناً للروح!!
كامل
| جانب من تظاهرة الاول من ايار _تصوير عصام سحمراني |
هو يعمل في إحدى محطات الوقود- وللعلم فقط فهي تلتصق بالمكان الذي تعمل فيه ناديا. يتقاضى ثلاثمائة ألف ليرة في الشهر لكنّه لا يعتمد أكثر الأحيان على المعاش فقط بل على quot;غسيل السيّارات والسجّاد وأنا وشطارتيquot;. أمّا عن دوامه فكامل يعتبر انّ هذا الدوام quot;أكيد أطول واحد بالعالم لأننا نعمل من الصبح حتى تؤمر بالذهاب ومن الممكن أن لا أرتاح إذا لم يحلّ أحد غيري!quot;.
كامل عمره أربع وعشرون سنة. عازب ويعيش مع والده ووالدته في حيّ السلّم لكن بملكهم. يتحمّل بمفرده مصاريف البيت كلّها بالإضافة إلى استشفاء الأهل وأدويتهم وهو أيضاً ليس مسجّلاً في الضمان. أمّا عن سبب عدم تسجيله فهو يفسّره بكلّ بساطة انّ أصحاب المحطة يستطيعون في أيّ لحظة أن يأتوا quot;بهندي أو غيره مكاني إذا طالبتهم! لا خلّيني رايق على وضعيquot;.
يحلم كامل يومياً وعلى الدوام بالسفر وإلى أيّ مكان quot;إلاّ هذا البلد!quot;. فالسفر هاجسه الوحيد لكنّ المشكلة أنّه ليس بمتعلّم ولا يتكلّم أيّ لغة سوى تلك الخاصة بحيّه والتي لا يمكن أن تمتّ للعربية سوى ببعض الآثار الطفيفة. وعلى الرغم من ذلك فهو على أمل quot;يمكن يكون كذبquot; أن يرسل إليه أحد معارفه تأشيرة زيارة إلى ألمانيا quot;وهناك يدبّرها اللهquot; يقول كامل. أمّا كيف سيدبّرها الله فإنّه يبيّن؛ quot;برّا لو اشتغلت أيّ شغل بتجيب مصاري، حتى لو اشتغلت ععامل في محطة بنزين أيضاً لا فارق عندي!quot;. لكنّ وعد صديقه طال ولم يتحقّق بعد ولا يبقى لكامل سوى الأمل بتحقيقه والألم في الواقع الذي يعيش فيه.
تمرّ فكرة عن سبب احتفاله بالأوّل من أيّار كالصاعقة في رأس فادي وهو لا يتوقّف عن ترداد أناشيده الخاصة هذه المرّة بهذيان صوفيّ لم يمنعه من تصدّر المجموعة وقيادة جماهير حمراء باتت تهتف وراءه بعضاً ممّا فهمته وتركت ما عجزت عنه ببساطة. فادي الذي توحّدت عيناه مع شمس بيروت اللاهبة ذلك اليوم لم يعمل أبداً طوال حياته ولم يتسنّ له يوماً الإحساس بشعور ذلك الذي ينال آخر الشهر أو الأسبوع أو اليوم حتّى مقابلاً لتعبه. فلنعلنه عيداً للعاطلين عن العمل بانتظار أن يعملوا ويحتفلوا بهذا العيد بشكل رسميّ. ما أطول هذه العمليّة، هذا ما كان يمرّ بذهن فادي الذي لم يتوقّف عن الهتاف.
ساري
| مشاركان من التيار الوطني الحر_ خاص إيلاف |
لكنّ ساري لا يهتم بأمر عدم نيل العطلة لأنّه شبع عطلاً - كما يقول. ويردف quot;ومن سيحمي المؤسسات إذا أنا عطّلتquot; يسخر مجدداً. هو لم يلتحق بشركة الأمن التي يعمل فيها إلاّ بعد يأس كبير من كلّ ما كان يطال حياته قبل تسعة أشهر تماماً. فقبل تأديته للخدمة العسكرية بقي عاماً ونصف العام دون عمل وبعد تأديته للخدمة أكمل عامين آخرين. quot;لا مصلحة(حرفة) بيدي!quot; يبرّر ساري ما حصل معه من تبطّل وتسكّع وصياعة. فساري نجح في الإمتحانات الرسمية لشهادة البكالوريا منذ خمس سنوات وسعى بكلّ جوارحه للسفر إلى الولايات المتحدة وفشل أكثر من مرّة.
إحباطه أدّى به فوراً إلى خدمة العلم التي أتمّها منذ ما يزيد على ثلاثة أعوام؛ quot;ولا شكّ أنّ كلّ من يؤدّي خدمة العلم يخرج منها ملطوشاً بطريقة ماquot; يعلّق ساري. لكنّه حين فتح باب التطوّع إلى القوى العسكرية من جيش وأمن داخلي على فترات متلاحقة وقبل التحاقه بشركة الأمن سارع لترتيب أوراقه والتقدّم بطلب للتطوّع سرعان ما رفضته إدارة التطوّع في الجيش؛ quot;أمضيت الخدمة في المستوصف والمستشفى العسكري من أجل أمور تافهة، كلّ ذلك دوّن في سجلّي الصحّي وطلعت براسنا!quot;.
أمّا عن عمله في الأمن فقد سجّلته الشركة في الضمان الإجتماعي، لكنّ راتبه لا يتجاوز 375 ألف ليرة في الشهر(250 دولاراً أمريكياً). يعمل ثماني ساعات يختار دوامها من بين ثلاث دوامات متعارف عليها؛quot;7-3، 3-11، 11-7quot;. ويختار في العادة الدوام الأخير أي الليلي كي ينال النهار كاملاً quot;هكذا أتفضّى نهاراً للمشاوير، وموسم البحر بات قريباًquot;. لكنّه يعود ويفصح عن السبب الحقيقي لإختياره هذا الدوام المتعب؛ quot;لا أحد يراني ممّن أعرفه وأنا أعمل حارساً في إحدى شركات الأمنquot; يقولها ساري وكأنّه يعمل قوّاداً.
تصل التظاهرة بصفاء عرقها الأحمر إلى مكان التجمّع في ساحة رياض الصلح. بعض المتظاهرين افترش الأرض وضحّى بتحمّل غبارها وترابها على أن يضحّي بالجلوس على رايته الحمراء وهي تحمل ما تحمله من مناجل ومطارق ونجوم صفراء ورؤوس لغيفارا ولينين وفرج الله الحلو وجورج حاوي ومهدي عامل وغيرها الكثير من المقدّسات. والبعض الآخر تهيّأ لخطاب الأمين العام الذي كان يقف وهو يلقي خطابه على مستوى الجماهير ودون بذلة وربطة عنق أيضاً. هي أمور لم نعهدها في لبنان. وقد حمل الكثيرون منهم أرغفة الخبز رمزاً من رموز الجوع التي لا يتذوّقها بطبيعة الحال سياسيو الريجيم الأجنبي الممتنعون عن تذوّق الخبز شبعاً ونهماً لأموال وشعوب.
| تصوير عصام سحمراني |
فادي كان هناك ولم يشاركه أحد ما في باله من أسباب توجب عليه الإحتفال بالعيد. هو ليس عاملاً نعم.. هو يحتقل عوضاً عن الذين لم يتسن لهم الإحتفال بالعيد شأن عادل وناديا وكامل وساري. هو يحتفل رغم بطالته لأنّه أدرك في النهاية أنّه شيوعيّ. شيوعيّ حقيقي تمسّه قضايا الإنسان في الصميم. ولطالما كان الشيوعيّون سبّاقين للمطالبة برغيف من هنا ودواء من هناك وحقوق عمّال ونقابات وأرض مغتصبة أيضاً.
عادل، ناديا، كامل، وساري أربعة شباب لم يتسنّ لهم الإحتفال هذا العام بعيد العمّال عيدهم في الأوّل من أيّار بين ذرائع منتفخة كذباً يكيلها لهم أصحاب العمل الذين لم تنقطع يوماً جيوبهم عن الإنتفاخ وأرصدتهم المصرفية عن الإزدياد بفضل كدّ أولئك الكادحين. وفادي الذي احتفل مع رفاقه الشيوعيين نيابة عن أولئك الأبطال ما زال هناك ينتظر عند ساحة البربير طغياناً للإحمرار الذي لم يخمد بريقه يوماً.
فتحيّة له ولهم في الأوّل من أيّار.
| مطالب المتظاهرين _ خاص إيلاف |
| الحضور الاعلامي _تصوير عصام سحمراني |
| خاص إيلاف |
| الامين العام للحزب الشيوعي خالد حدادة _خاص إيلاف |




التعليقات