في هذا الجزء التطبيقي نعمل بما تيسر من أدواتٍ وإجراءاتٍ وتصرفاتٍ نقدية وتطبيقها، ما أمكنَ، في لحظة النصّ المعاصرة؛ على ضوء المقولات والمعطيات الفكرية والنقدية الغربية. وبعبارة أدقّ، فإنّ الاستنادَ المباشر، في المعالجات، إلى المعطيات الفكرية والنقدية الغربية وتوظيفها في خدمة قراءة النصوص الشرقية لينهض على طويّةِ الاعتبارات الجوهرية التي يقوم عليها الجدلُ النظري والموضوعي بين ثنائية غرب/شرق. وليقوم، قيامة جادة، بممارسة الكشفِ الإجرائي عن إجراءات وعمليات تعميق الفروق بين الثنائية، وعن كيفيات الاشتغال، في الوقت ذاته، على إزالتها نظرياً وموضوعياً بسبلٍ محيّرة وغامضة وملتبسة. هذه الكيفيات إنما تنطوي على ادعاءات نظرية تقولُ بانتفاء الثنائي التقليدي الحقيقي، وبوهمية هذا الثنائي، داخل الوحدة - كما ترى التفكيكية- أن، الوحدة ذاتها تنقسم على ذاتها من الداخل. لكننا برغم ما نقرأه في طوية " لاشيء خارج النصّ" there is nothing outside the text. إلا أننا نجدُ في التفكيكية بما تنطوي عليه من تعدد وانتشار واختلاف مطلباً صالحاً لتفكيك الشرق، باعتبار الأخير نصّاً؛ بحاجة إلى إعادة نظرٍ حرّة من صورة الحضورِ المطلق. ليس من شكّ في أن "الآخر" يتحرّك جهة الشرق؛ حركة باتجاه غاية حاضرة أو فكرةٍ ترّتدُّ، ويجري، في هذا الوقتِ، تحقيقها بإجراءاتٍ شتى. إن هذه الغاية التي تجري إعادة تحقيقها تشير، بالصريح الثابت، إلى أنّ الماضي والمستقبل يذهبان للتموضع بمحمولاتهما المتجانسة، والاشتغال، من ثمّ، بآلياتٍ باهظة في منطقة الحاضر الذي نقرأه من كونه نصّا حاملاً الشرقَ وصفاته ومساوئه من تسلّطٍ مُكْلفٍ بحق المجتمعات، ومن أنظمة تلجمُ الخيارات والبدائل، وتتسبب في توسيع رقع الكبت في النفسية العامة للمجتمعات العربية، عوضاً عن الوضع الاقتصادي الرذيل. هذا كلّه وعليه زيادات قصوى؛ إنما ينطوي على إدانةٍ دامغة لصورة "أنا الشرق"، أمام صورة "أنا الآخر"؛ باعتبار صورة الآخر نصّاً حاملا الغربَ وصفاتَهُ ومزاياهُ؛ من تعدّد وبدائل وخيارات، ومن أنظمة تحكم التعاملات الإنسانية في إطار اجتماعي مهذبٍ، عوضاً عن الرفعة الاقتصادية. هذه الهوّة الشاسعة بين الصورتين هي في الحقيقة تمثل الفضاءَ والموضوع لتوطّنِ وإنتاج خطاب "الآثار" بالكلام والكتابة والتجربة العملية، بما تنطوي عليه "الآثار" من رموز السلب والنفي والطرد التي تفعل في منطقة الحاضر مؤطّرةً في نص الشرق بمحمولاته وصفاته السلبية. وعلى الرغم من اعتبار الشرق نصّاً مُداناً ومبتلى بالدوغما والرمزية، إلا أن ذلك لا يعنى على أية حالٍ، " أن النصّ، - وبشكل عامّ، كما ترى جوليا كريستيفا- يجمع شتات واقع ثابت أو يوهم به دائماً، وإنما يبني المسرحَ المتنقل لحركته التي يساهم هو فيها ويكون محمولاً وصفة لها"(1) نشير في هذا الصدد إلى أننا ندين بالكثير لكتاب (علم النص) لصاحبته جوليا كريستيفا، والذي يشكّل الساندة الرئيسة والمرجع المهم لنهوض هذا الجهد التطبيقي، ووقوفه على أرضية نقدية مهمة، لاسيما الإفادة من الجزء الأخير المعنون "الشعر والسلبية"؛ من الكتاب ذاته بترجمةٍ من المترجم المغربي فريد زاهي، وبمراجعة من عبد الجليل ناظم.
إنّ تعدّد الظواهر المتجانسة بالقراءة الموضوعية سيشير إلى جوهرٍ واحد، وبذلك نكون قد اقتربنا من الفارق الجوهري بين الموضوعاتية التي تأخذ ما يتمشّى معها من الظاهراتية، وبين التفكيكية من جهة أخرى؛ ففي حين أن التفكيكية تبعثر وتشتت وتعدد الواحد، نرى أن القراءة الموضوعاتية تتجه بالاتفاق مع الظاهراتية إلى إظهار تعدّدية تنتهي في مفهوم واحد. إن الموضوعاتية، إذن، تهتم بقراءة المتجانس المتعدّد للموضوع الواحد بغية إدراك البنية المفهومية، والوقوف على الحلقات التي تشكّل فهمَ معنى النص - الموضوع. وتبدو عبارة أمبيرتو إيكو "لقد أخطأت القرون الوسطى حين اعتبرت العالم نصاً وأخطأ العصر الحديث حين اعتبر النص عالماً" محيّرةً، فهي تظهر ترفض في الشقّ الأول منها القراءة الموضوعاتية، وفي الشق الثاني هي ترفض النصية. بشأن نصية النصّ نقف عند تصدّى المفكّر إدوارد سعيد للقراءة النصية في كتبه الشهيرة: "الاستشراق" 1978، و"العالم والنص والناقد" 1983، "الثقافة والإمبريالية" 1993؛ وقد جاءَ مُعرّياً الحقيقة التي ينطوي عليها خطاب الغرب النقدي، جاراه بأدوات النقد الثقافي عبد الله الغذامي في كتابه "النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية". لبّ التصدي كان قد وُجّهَ لمدرسة النقد الجديد في أمريكا التي قالتْ بنصية النصّ الأدبي، متُجاهلةً بذلك، النظر في الظروف التاريخية والثقافية والاجتماعية التي تقتضيها القراءات والهوامش والتعليقات. إن جوهر التصدي ذاته في الكتب المذكورة أعلاه، لنصية النص الأدبي نجده موجهاً بنفس الوثيرة لمقولة دريدا " لاشيء خارج النصّ"، وهي كما يبين إدوارد سعيد تُؤسّسُ لعلاقات وتوجهات تضطلع بشكل خطير بعملية تحويل "الشرق" من كينونة تاريخية وثقافية إلى كينونة نصيّة؛ تخضع للتمثيلات والتأويلات المغلوطة.."، يكتب إدوارد سعيد " صارت النصية بمثابة النقيض الحقيقي لما يمكن دعوته بالتاريخ بعد تنحيته جانباً والحلول محله. فالرأي الذي يعتبر أن النصية صار لها وجود لرأي صائب، بيد أنها وبالطريقة نفسها لم تبرز في أي مكان محدد أو في أي زمان معين. إنها استنبات، ولكن لا بفعل أي إنسان على الإطلاق ولا في أي زمان بتاتاً، وإن من الممكن قراءتها وتأويلها، غير أن المفهوم روتينياً أن القراءة والتأويل يحدثان على نحو مغلوط، وهكذا فإن من الممكن تمديد لائحة الأمثلة إلى ما لا نهاية، ولكن بيت القصيد يبقى على ما هو عليه. فالنظرية الأدبية، بالشكل الذي تجري فيه ممارستها اليوم في الأكاديمية الأمريكية، عزلت النصية في أغلب الأحوال عن الظروف والأحداث والحواس الجسدية التي جعلت منها شيئاً ممكناً، وأحالتها إلى شيء واضح جراء اعتبارها نتيجة للعمل البشري"(2) . في كتابه "الاستشراق" أيضاً، يسلطُ إدوارد سعيد، أضواء النقد الجريئة الكاشفة على الخطاب الاستشراقي لكونه قد مارس أخطر عملية في تحويل الشرق من كينونة تاريخية وثقافية إلى مجرد ظاهرة نصيّة؛ ذلك "أن قيمة أي تقرير مكتوب عن الشرق، كما يكتب إدوارد سعيد، وكفاءته، وقوته، وصدقه الظاهر لا ترتكن إلا قليلا، ولا يمكن أن تعتمد أداتيا، على الشرق في ذاته، بل على العكس، فإن التقرير المكتوب هو حضور أمام القاريء بحكم إقصائه للشيء الحقيقي "للشرق"، وإزاحته وإحالته إلى شيءٍ نافلٍ. وهكذا فإن الاستشراق بأكمله يقف أمام الشرق وبعيداً عنه: وإن كون الاستشراق ذا معنى على الإطلاق ليعتمد على الغرب أكثر من اعتماده على الشرق، ويدين هذا الحسّ مباشرة لتقنيات التمثيل الغربية المختلفة التي تجعل الشرق مرئياً، جلياً وقائماً "ثمة" في الإنشاء المتعلق به. وتعتمد هذه التمثيلات على مؤسسات، وتقاليد وأعراق، ونظم ترميز للفهم متفق عليها من أجل تحقيق تأثيرها.(3)
تفكيك النهار
كتبَ "هلدرلين" ذات يوم قصيدة بعنوان "جذور الشر كله"، قال فيها:"الإتحاد شيء إلهي وخير، ولكن كيف تسلط على عقول الناس أنه لا وجود إلا "للواحد"، و "لشيء واحد"؟ (4) من هنا كانَ العمل هناك -بايجابية جذرية- على خلق التحوّل والإزاحة، بما يعنيه ذلك من تحرير عقول الناس من نمط التسلطِ الغليظ، ومن أنماط وبؤر وسلاسل الانقياد، ومن الدوران بصيغة حركة الضرورة؛ التي تمّ استبدالها بصيغ الحركة العضوية الفاعلة على نحو إيجابي ومثمر داخل البنْيات والظروف.
في المقطع التالي من نصّ للشاعر الفلسطيني خالد جمعة؛ ويحمل عنوانَ " اعترافاتُ رجل شرقي" في مجموعة له بعنوان "نصوص لا علاقة لها بالأمر" نقرأ:
هذا النهار مزقني. حرّرني من النمل والأغنيات. ردّني من وساوسي. شقّني كجلـدِ
ثعبانٍ قديم. حملني إلى أشباح الخرائب جميعاً. قذفني إلى أسلاكِ المسافةِ بيننا. شوّه الكلام.
طبّق الوصايا كعلبة تبغٍ فارغة في وقت الحاجة للتدخين. أشعل الوقت والموارس. شنقَ
الخارطة. قتل عقيدة الشاعر. غاص كحوتٍ في مفصل الروح. كتم أنفاس الفضاء.
أغلق في وجه المرايا صوراً مقلوبةً. بعثر ما تبقّى منّي بين الخريف والسيوف. وانتهى
ككلّ الأيام.
لا أستطيع التداعي كسلم الموسيقى. وهذا النهار فكّك سفني التي لم تجهَّزْ تماماً
للرحلة. قصّ حبال الياطر مستقبلاً عاصمة الخوف بأقسى ما يستطيع من حكّامْ. لم
يستطع أن يتأخّر مثلما لم أستطع أن أحشوَ صدري بهواء الفضيحةِ
هذا النهار كلب لا نباح لهُ. لا تعذريني. لا تفهميني. لا تلمسي لديَّ
نبوءةً. لا تفتحي أبوابك بوجهي. لا تقيّدي رصاصك على صدري. هذا النهار لا
أستطيعه. فلا تقرأيني. ولا تكتبيني. ولتبحثي في دمعك المصنوع بالبكارة عن روح
تفاجئها الشقوق. عن صدق في هذا الوقت الموشوم بالآن. ولا تبحثي عني. لا
أستطيع النهوض قبل إدراك البحر. لم أمتدّ روحاً على نهر الهديل كي تعلني الحدادَ على
جثتي. يلعب صغيرٌ تحتَ جلدي. يحبّ التفاح والصبايا. ويكره الشِّباك.
لا أستطيع سوى أن أكون طائراً. فاتركي لي جناحيّ. وريشي المنتوفَ. وأغنيتي
الجنائزية. ألقِ بي من سطح الذاكرة. لستُ فريسة. لستُ صياداً. لستُ كما أنا.
لستُ الله.(5)
إنّ الرمز يعمل على مضاعفة وتوليد ذاته باعتباره دالاً مرناً. إذ تنظر صورة (النهار) الموضوع في النصّ، للوهلة الأولى، باعتبارها ظرف زمانٍ ناجزٍ عن فاعلية (الشمس) التي نقرأها من كونها دالاً صَريحاً، وسبباً لحضور الموضوع، ومُحدِّداً له، باعتباره(زماناً) مثلما هُو (الدالّ - الشمس) مُحدّدٌ لجهةِ أو (مكان) يُسمّى (الشرق). وبذلك تنكشف الوثوقية والانفتاح الحرّ داخل الإبدال والتوحيد بين كلمتي (الشرق) و(النهار). هذا الإبدال والتوحيد أو هذا الوثوق والانفتاح الحرّ تتجسّد ممارسته في الفضاء المقترح بين عنوان النصّ "اعترافات رجل شرقي" وبين داخلِه المُهْتمّ بـ بالتعيين المتكرر، في النصّ، للإشارة: lt;هذا النهارgt;. وفي هكذا صورة لا يكون القبول اليقيني الطبيعي الظاهري بالنهار بوصفه ظاهرة ظرفية معتادة تسمح، باعتبارها مُسَلّمة، بنفي وجود الظاهرة الظرفية المقابلة المعتادة في النشاط الدائم المعتاد طرداً وحلولاً؛ يذْعِنُ إذعانَه الثابتَ لسلطة المُسَلّمَات. إنما يكون قبول النهار الموضوعي، باعتباره ظاهرة ظرفية ممارسة(بفتح وكسر الراء)، ومنتجةً "الآثار"، في داخلها، من جرّاء تصارع قوى وبُني السالب والموجب. وبما أننا نتقصى داخل اللغة الشعرية، فإن اليقين يتعطل ويهمل باعتباره ثابتاً لا يتعدد، فكلٌّ ثابتٍ ليسَ حرّا، سواء بوصفه دالاً أو مدلولاً. وفق هذا الانفتاح على الفضاء الحرّ في الكتابة الشعرية، ووفق عمليات الخرق ذات العناية الفائقة بطرح المحمولات في النصّ؛ نجد أن الوحدات في اللغة تكون حاويةً لقوى النفي والإثبات معاً، وهو ما يعبر عن "اجتماع الضدين الجذري النيتشوي الذي يولّد المأزق المنطقي الذي يلعب دوراً مهماً في مقالات التفكيكيين"(6) ونتموضع -الآن-في (النهار) بوصفه وحدة لغوية، وفي الوقت ذاتِه وحدةً إشارية؛ تشير إلى ظرفية ثابتة، وبذلك يقوم النظرُ إلي (النهار) بمنظور الثنائية بوصفه لـ أنا ظرفيةّ تطرد آخرَها-(الليل)، ذلك " أن ما تنفيه الذات المتكلمة، وما تفنّده، يشكل أصل كلامها- بما أنّ المنفيّ في أصل الإخلاف، وبالتالي فعل الدلالة، فليس بإمكانِه المشاركة في الكلام إلا باعتباره مبعداً عنه، أي جوهرياً، آخرَ بالعلاقة معه، ومن ثمّ مَوسوماً بقرينة اللاوجود التي ستصبح قرينة الإبعاد والموت والتخييل والجنون. إن منطق الحكم، كما تشير ج. كريستيفا، ( الذي يعتبر من أفلاطون إلى هيدغر منطقا للوجس/الكلام) يقمع، إذاً، الطرف المنفي عبر احتوائه(عبر "رفعه") بالعملية المنطقية (اللوجس) للنفي كرفع Aufhebung في هذا الشكل بالضبط، سيقوم منطق الكلام في تبلوراته المتأخرة الأدق، بالاعتراف بالنفي باعتبار أنّ الأخير إجراءً صالحاً لمفْصلة إثبات هوية معينة".
هذا القول نجده في مظلّة جدلية هيغل التي تقوم على " أن كل واحد ليس، بالرغم من ذلك، سوى لا وجود، وبما أن العلاقة بين الواحد والآخر علاقة هوية، فإن كل واحد لا يوجد إلا بفعل وجود آخره، وإذن بفضل آخره، وبفضل لا وجوده الخاص"(7)، إن هذه الهيجيلية التي تعمل داخل المكون الفلسفي، تنتقل بصلاحيتها الكاملة لتعمل داخل الوظيفة واللغة الشعرية الحرّة. لكن نحن مازلنا في (النهار) وحدَهُ، بمعني أننا بحاجة -الآن- لسياسة حصر وقصر العمل القرائي في (النهار) وحدَه، وصرف العادة، عن وجود اللاموجود (الليل - الآخر المرفوع)؛ لانشغال الأوّل بذاته، باعتباره -الآن- يحتوي طرفين غير متجانسين( الإنسان/ الحيوان). هذا، مرةً جديدة، يكشف عن انفصام الوحدة الحقيقي من منظور البنيوية، ولكن الوهمي، بمنظور التفكيكية، الذي يحقّق عمل المقولة؛ فبالنظر في (النهار) في نصّ خالد جمعة نجده يباشر تموضعاته في النصّ مرّة كـ"آخرٍ مؤنسن"؛ أو لعلّ قاريءٌ يودّ أن يقرأه باعتباره (ريحاً)، يولّد، في القاريء، ذاتَه وآخرَه المتعدّدَ في سلسلة من افتراضاتِ كشْفِ هوية هذا الريح؛ الذي، لابدّ أنه كذلك، ينظر إليه باعتباره وحدةً متحررةً من ثوابت ما، وقادمة من اتجاهاتٍ مرنة وواسعة الافتراض، ومفكّكةٌ ذاتَها في رحلةِ التولّد الدائم. فيما داخلها الرمزي ينهض- في حمل معانيه، وبثها في الخصائص والكوائن والظروف- على أنسنة الريح ذاتِه أو توجيهه باعتباره رمزاً فاعلاً ومفكّكاً- لمدلولات مرنة لا تنتهي عند قراءة أو قراءاتٍ:
"هذا النهار فكك سفني التي لم تجهز تماما
للرحلة. قصّ حبال الياطر مستقبلا عاصمة الخوف بأقسى ما يستطيع من حكام.
لم يستطع أن يتأخر مثلما لم أستطع أن أحشو صدري بهواء الفضيحة"(8)
ولعلّ قاريٌ سوف يحتسب الريح مادة قاسية على احتمال أنها مؤللة (من آلة) لما تحملنا لاقتراحه هذه الفعلية المتموضعة باشتغالها في منطقة الماضي داخل نص الشرق:(مزّق، قصّ، فكّك). ومرّة يلعب النهارُ دوراً كونه آخر مُحَيْوَن: "هذا النهار كلبٌ لا نباح له".
وهكذا فإنّ النظر إلى (الريح) يكون، بالمنظور-المقروء، مادةَ دالٍّ مُشتقٍّ من مادة دالّ بدئي (النهار) في ذاته فضاءٌ لانهائي لمدلولاتٍ تتولّد وتتجه بمحمولاتها للانتشار، ولا تكتفي في lt;أوgt; عند ذواتٍ تدّعي تمركز وفضح المعنى.
وبالعودة إلى حَلّ حالة المُرجأ السابق( النهار)؛ فإننا نقرأ خبر هذا النهار الـ "كلب" من كون هذا الأخير، أحد كائنات الليل، رمزاً منتجاً لظرفٍ يقوم مقام "الآخر" سنسميه "الآخر الظرفي"؛ حيث تظهر الإشارة، المكتوبة على جزء من بياض الصفحة، في عين القاريء. فيما المخيلة، وبالتزامن مع القراءة، تستحضر صورة صوتية، دون أن يتكشف، للوهلة الأولى - وربما اللانهائية والحرجة- المعنى المحمولَ في هذه الصورة الصوتية المتخيلة في زمن القراءة ذاته. مع أهمية اعتبار أنّ القارىء إنما كان قد تمثّل أو تخيّلَ أو تذكّر أو ثبّتَ الصورةَ فيما المُصوَّرُ(الكلبُ) في المخيلة، هو، كائن حركي وصوتي يعملُ، داخل الإطار، في مكان ما. (هذا النهار كلب). كما يحضر نفي الدليل الصوتيّ (لا نباح له) في الآخر الظرفي المتوفّر في (النهار) خلال ممارسة غامضة ملتبسة.
وبإمكاننا رؤية (النهار) من كونه دالاً حاملاً المزدوج لمدلول متعدد؛ فنجدُ، في الدالّ، الزمانَ، في الوقت الذي نجد فيه المكانَ؛ باعتبار أن الشمسَ في (النهار) دالٌّ يقيني على مدلولٍ ظرفي هو (جهة الشرق). وبذلك فإنّ النهار/ الليل، الشرق/ الغرب، المكان/ الزمان.. ثنائياتٌ متقابلة ظاهرياً خطّياً، وأما من منظور التفكيك، فإنّ الأخير يقوّض الثنائية ويرفض التقابل بالوحدة، باعتبار أن الطرف المنفي، أي الطرف اللاموجود، إمكانية باعتباره لا وجوداً، وبذلك يمكن القول وفق عملية الرفع: إن آخر الطرف المنفي هو المؤتلف.(9) وهي العملية التي نجدها، أيضا، لدى هيدغر؛ فهو يرى أنّ " سعة ورحابة حمولة الحصول للوجود في الحضور قد تتجلى لنا الآن بشكل أكثر حدة وإلحاحاً عندما نكتشف أنّ الغياب ذاته والغياب بالضبط، يظلّ متعيناً من خلال الحصول- في- حضور الموجود. وغالباً ما يتمّ رفعه إلى أقصى درجات الغموض والغرابة.(10). وعلى ما تقدم، فإنه لا تتوفر لنا صناعة ثنائية كل طرف منها منفصل بذاته قائمٌ على lt;أوgt; في الميتافيزيقا. ذلكَ إن الوجود لا يمكن له أن ينفي اللاموجود مطلقاً، وكل منهما يتضمّن آخره على نحو متبادل، ووجود شيء ما هو لا وجود نقيضه، ذلكَ أن وجود (النهار) هو لا وجود (الليل). وعليه، فإنّ كل وجود له لا وجود في داخله. هذا إنما يعبّر عن الحضور المتخفي lt;أوgt; عن وجود اللاموجود الملتبس داخل الموجود الحاضر، وهو ما يشير في أحد معانيه إلى الإنتاج الدائم لـ"الآثار" المنتجة، بفعلِ الاندماج المشوب بالازدواج، داخل الوحدة. وإلى تعطّل الاختلافات بين الأطراف خارج مفهوم الاختلاف عند دريدا، وفاعليته داخل المفهوم ذاته؛ باشتغال ضمني ملتبس، بحرّية فجّة في داخل (الأنا) المشغولة أيضاً بآثار واحتمالات (الآخر)، الذي يمنح لا وجوده لموجوده (الأنا) - الذي يستدعيه- سلطةً تعملُ في ضمنِ الحرّية الفجّة.
تواصلاً في عملية تفكيك "نص الشرق"، يتجلي الآخر، دائما، كسلطة تضمر النية الآن - ودائما- في رسم وتحديد جهة المستقبل أو لنقل: جهة الشرق. ومتابعة للمعالجة؛ هذا شاعر أردني هو "زياد العناني" يكتب في مقطع له منشور في (مجلّة الشعراء الفلسطينية/العدد25):
دائماً
تشرقُ الشمسُ من الشرق
ودائماً
تمرّ خيوطها الكسلى
بين الجثث
لتضيءَ محفلَ الدماءْ
الشرق
الشرق
لا مجازٍ
يتكور الآن
مثل مقبرة قديمة(11)
نلاحظ، بداية، وضوحاً وتبسيطاً للوهلة الأولى، لكن تتعزز التداخلات والإنبثاقات في زمن القراءة؛ حيث تتجلّى الشمس كفاعلٍ، أما ديمومة الشروق فليست هذه المرة على الشرق، باعتبارها محدّدة للجهة، وإنما من الشرق( المكان) باعتبارها- الآن-، أي الشمس، تفصحُ عن حقيقةِ الشرق الداخلي، فيما هي في ديمومة الشروق منه، وفيما هي تمرّ بين الجثث لتضيءَ محفلَ الدماء، حيث تتمركز فاعليتها هنا في كشفِ حالةٍ أو (منظرٍ حقيقيٍّ)، ذلكَ أنّ الشرق حقيقةً (بلا مجاز) يتكور -الآن- مثل مَقبرة قديمة.
تعكس، إذن، مرآةُ "الآن" صُوراً لماضي أنا الشرق ولماضي آخر الشرق، فهي تُنوّعُ على المعنى بصيغة التقابلات، كما نحدّدها: (الأنا/ الآخر)، (ماضي/حاضر)، (ضعيف/ قوي)، (شرق/ غرب). و بعبارة أخرى، فإن محمولات الماضي و المستقبل الثقيلة إلى الحاضر تتمثل في حلولِ قوّة (الآخر)، في ضعف (الأنا)، في منطقة الحاضر.
تفكيك الشمس
الشاعر العراقي سركون بولص في نصّ له بعنوان "رقصة الديك الأثير" يثبِّتُ الشمسَ كرمزٍ، لا يتغيرُ. إنّ اللاتغير يتمثّلُ في إسقاط شمس الماضي على الحاضر؛ ذلك أنّ الشمسَ المُوظَّفة في النصّ هي ذاتها الشمس التي تعمل في مطلع بيت النابغة الذبياني الشهير:
كـَأَنّكَ lt; أوgt; فإنكَ شمسٌ والملوك كواكب إذا طلعت عليهن لم يبد منهن كوكبُ"!
متى حدث الكسر، وأين
في أي الأضلاع؟ كيف
تدفق شلال الضغينة،
والقهر..من أية صخرة.
ربما كانت الشمس، ربما كانت
نبالها المتشظية في العيون
وهيجها القاسي على مواسير البنادق
والأزرار النحاسية
وجلجلة الموكب الذي
يعبر صاخبا أمام الدار
للاحتفال بذكرى الثورة؟ ربما كان حامل الصولجان
(ضفدع منيشن، منتفخ الأوداج
يتقدم المسيرة وهو يقلد مشية الطاووس) هو المسؤول..(12)
فيمكن النظر إلى البيت الشهير ، بمنظور التفكيك، باعتباره أثراً يشير ويمحو في الوقت نفسه؛ يشير إلى (المديح)، ويمحوه بإثبات آخره المنفيّ (الهجاء). للمصادقة على ذلك نتموضع في فضاء البيت باعتباره -الآن- وحدةً تضطلع بحضور الثنائيات المنتجة للآثار داخل الوحدة، على نحو هذه البنى المنبثقة المتقابلة: شمس/ كواكب، التي تتولّد عنها متقابلات من قبيل: مضيء/ معتم ، واحد/ كلّ ، حضور/ غياب، تذكير/ تأنيث lt;أوgt; تأنيث/ تذكير lt;على اعتبار أنّ الشمس اسمُ علمٍ يقبل التأنيث والتذكيرgt; ، وصل / قطع lt; بإمكاننا قراءته من مستويين: نحوي وتركيبي، إذ "الكافُ" المتصلة نهايةَ "إنّ" هُويّتها نحوياً: ضميرُ متصل في محل نصب اسم إنّ. حتى ليبدو البيتُ الشهيرُ نُصباً تذكاريّاً ضمن سياق المديح العام)gt;. بذلك يكون الممدوح متموضعاً في "الكاف" تموضعاً يشيرُ إلى الوصل أو الإثبات، بمعنى الإشراق- الحضور الذي يقابله القطع أو النفي، بمعنى الغياب أو الزوال؛ المقروء من حضور الجزم في البيت الشهير (لم يبد منهنّ كوكبُ)؛ الذي هو جزم يقتضي تحقّق شرط الطلوع (إذا طلعت عليهنّ). أما "الكاف" البدئية، فإنها كافُ تشبيهٍ بصورةٍ هِيَ (الشمسُ) فهذه الصورة هُويةُ ذاتِها تثبتها وتنفيها داخل فضاء الظرفية(الزمكان). أو حسب القراءة الأخرى، فإنّ "الفاء البدئية" ترد موصولة في أداة التوكيدِ "إنّ"، إذ التوكيد تثبيتٌ للخبر (الشمس) التي تحضرُ وتزول، بمعنى لا تكون حاضراً أبداً.
واللافت الأكيد هو أنّ الشمسَ في بيت الذبياني وبولص، تتعيّنُ كرمز جامد تم ترحيله من (الماضي) إلى (الآن). لكنْ، في الوقت الذي نعتبرُ الشمسَ رمزاً، لا نعتبرها صورة للثابت وحسب؛ ذلك لأنه، بحسب ما يقول رولان بارت " ليس الرمز صورة، إنه تعددية المعاني نفسها، إن الرمز ثابت. أما الوعي الذي يملكه المجتمع، والحقوق التي يعطيها له، فهي التي في تغيّر"(13) . يجسّد سركون بولص في نصّه حقيقة الرمز وفاعليته، التي يحملها معكوس خطاب الماضي، والذي يحمله موضوع (مديح) الذبياني للشمس (الرمز الثابت)، حيث يصبح خطابُ الحاضر حاملاً لحقيقة تتوفّر لممارسة التعرية والفضح باللغة الشعرية التي تتحوّل، في مواجهة الرمز. وهكذا، يشترك سركون بولوس مع النابغة الذبياني في توظيف أو تصنيف الرمز الثابت، فيما يختلف معه حدّ القطيعة في موضوع الخطاب(المديح) الذي يعمل، بموجبه الذبياني، على تثبيت الرمز، ونفيه بمعنى رفعه.
وبصياغة أخرى، فإنّ كلا الشاعرين مختلفا الزمن لكنهما يجتمعان في تثبيت رمزية الشمس، هذا من ناحيةٍ. ومن ناحية أخرى، قد تمّ في بيت الذبياني تثبيت الشمس أو تعليقها في فضاء المديح، وطردها من قبل بولص، إلى فضاء الآخر، مع الإبقاء عليها كملفوظٍ فيه تكون عملية الإثبات والنفي-الطرد، ذلك " أنّ المنفيّ يوجد في أصل الإخلاف، وبالتالي فعل الدلالة".. بوصف ذلكَ "إجراءً للعملية الترميزية"(14)
إنّ من حسنات الغرض الشعري، عند سركون بولص؛ استخدامه لدالّ ثابت ينصرف إلى مدلول جامد - غير مرن- لا يسمح بالتعدد والانتشار في مجاله المنغلق. لكنه يحدث في مقابلات أخرى مع نماذج شعرية أنّ يكون الدالّ منقسم على نفسه، أو بصياغة نقدية أخرى، يكون الدالّ حاملاً أو مولّداً بوصفه حاملاً المزدوج؛ حيث يكون التباعد حتمياً بين الطرفين، على اعتبار أن كلّ دلالة من الدلالتين المتباعدتين في راهن رمزي واحد هو (الشمس)؛ تعبّر عن معانيها من تلقاء حراكها الملموس والمحسوس. وللتمثيل على ذلك نجد أنّ الشمسَ الإيجابية عند الشاعرة العراقية دنيا ميخائيل في مجموعتها "مزامير الغياب"، تتكشّف عن أمنية وتشوّف، فهي شمس مطلبٍ حاملٍ لخطابِ دورة الأرض وشروق الشمس، وبالتالي دورة الحياةِ والفاعلية والنماء، وهو الخطاب الذي يحمله موضوع التحوّل بما فيه من طاقة ومقدرة على زحزحة الراهن الثابت، وفتح المنغلق أمام مسيرة التعدد والإنماء والانتشار.
أريد الأرض تدور
والشمس تشرق
والطيور..
أريد كل شي مثلما كان إلاكَ وأنت بعيد.(15)
ثم ما نلبث أن نرى الشمس بعد أن كانت "علة غائية" أو"مطلباً ثابتاً" لسيرورة الحياة، تنقلب لتصيرَ "علة فاعلةً" على نحو سلبي مطلق، في القلب، باعتبار القلب فضاءً وجدانياً لحضور أو غياب السكينة أو الخوف. إننا نشهد انقلاب الأمنية وتفككها من داخلها، بحيث نقرأ الآن انقسام الأمنية على نفسها: أمنية تقولُ بطلب وغاية تثبيت الشمس في قلب الشاعرة- المكان/ الفضاء الوجداني الذي يكمن فيه الحاضر الغائبُ "أنتَ"؛ أمنية تقول بطلب وغاية نفي وطردِ الشمس من القلب ذاته. ويجري التولّد والتعدد والتناقض والانقسام في داخل الضميرِ " أنتَ " الذي يكمن "في كلّ قلبٍ" بوصفِ مدلول الـ"أنت"، هنا، يكمن "في كل قلبٍ" بوصفهِ علّة الحبّ أو اليقين الثابت، لكنّ الشمسَ تحضر في القلب باعتبارها "العلة الفاعلة" على نحو سلبي مطلق، أي باعتبارها "علة الخوف" و"الغياب " في كلّ "أنت". الأمر الذي يدفع، وعلى نحو من المطالبة، بالشاعرة للقول بضرورة النفي والطرد الكلي: "أطرودا الشمس من قلبي". إن هذا النفي وظيفةٌ وعمليةٌ داخلية للحكم، حيث يتبنى النفي هنا الفعل المتمثل في طرد الطرف الآخر. ذلك أن المطروح لا يتلاءم مع المنفيّ. لكن بدون الـaufhebung"( الرفع) يأخذ النفي الداخلي شكل قانون صارم للطرد الجذري للمختلف، أو ما يطلق عليه اسم "قانون الرفع الثالث".(16)
عندي في كل حبة رمل
أمنية
في كل أمنية
غيمة
في كل غيمة
قلب
وفي كل قلب
أنتَ
وفي كل "أنتَ"
شمس
أطردوا الشمس من قلبي
أو علموني فن المغيب(17)
أما الشمس السلبية باعتبارها، كذلكَ، رمزاً ثابتاً يوفّر الخوفَ، فنجد صورتها كائنة بمكان الآخر من الشمس باعتبارها، كما وردَ آنفاً، مطلباً حاملاً لخطاب دورة الحياة، إذ (الآخر) -الآن- يطرد وينفي ويقمع المطالب والأمنيات:
لا تفتح النافذة رجاء
ما الذي تريد أن تراه؟
لا خطى
لا رسائل
لا غياب
من أين إذن
سأبدأ أغنيتي
أستعير من الشمس خوفي
ومن الخوف
وطناً
ومن الوطن
دمعة
ومن الدمع
أنتَ
عين على الباب
وعين عليكَ (18)
وعن الشمس السلبية عند سركون بولص؛ فيحدث أنها تتشظي وتتعدد وتتنوع آثارها في مجال خطاب أو نصّ "الآثار السالبة":
ربما كانت الشمس، ربما كانت
نبالها المتشظية في العيون..(19)
إنها، الشمسُ، كذلك هذا الرمزُ السيد المنغلق الفاشل كما يكتب الشاعر خالد جمعة، في مستهل نصّ "7 أيام لنهايةٍ ما":
وكان السيد منغلقاً على رمزٍ فاشلٍ (20)
يعرّف الرمزُ ذاته عند دنيا ميخائيل بأنه "الملاكُ" القوي النازل من السماء، وله خصائص وامتيازات، وبالتالي سطوة مطلقة وفاعلة تحدث آثارها على المكانِ، إنه -(الآخر السماويّ)- بقواه وصراخه وأمره ونهيه؛ هذا الذي على رأسه قوس قزح ووجهه كالشمس، أما إذا كان على الأرض؛ فإنه في أحوالٍ له " يقلّد مشيةَ الطاووس" كما يراه سركون بولص . وهذا الشاهد التالي من نصّ لدنيا ميخائيل "حبة خردل" في مجموعة "مزامير الغياب":
"ثمّ رأيتُ ملاكاً آخر قويّاً نازلاً من السماء
متسربلاً بسحابةٍ وعلى رأسه قوس قزح، ووجهه كالشمس
وضع رجله اليمني على البحر واليسرى على الأرض
وبعدها صرخ فتكلمت الرعود السبعة بأصواتها
وكنت مزمعاً أن أكتب فسمعت صوتاً من السماء
قائلا لي اختمْ على ما تكلمت بع الرعود السبعة
ولا تكتبه..."
لا تكتبه
لا تكتبه
لا تفتح النافذة رجاءً
لا شيء هناكَ
لا عابر يمسح الحزن عن جبين وردته
لا قمر يهتدي به
لا مياه
لا خطى
لا غياب
من أين سأبدأ أغنيتي؟(21)
ومن نصّ (أبيض..أسود) نقرأ كذلك:
كنت أرنو
وكان يصعد عالياً
"صعد في اليوم الثالث"
وجلس عن يمين الشمس
هل عرفتم الآن
لماذا تدمع العين
حين تحدق في الشمس؟(22)
حضور اللاءات
في ما سبق، نلاحظ، تكثير حضور اللاءات(جمع لا) وهي تشير إلى الغيابِ الملموس موضوعياً، ونحوياً عبر الحضور المكرّر المكثف للـ(لا) التي تثبتُ و تشتغل، في النصوص، بوصفها هويةً للنهي، وهويةً للنفي. إذ تبرزان الهويتان في فضاء واسع داخل مجمل نص الشرق، بما يفرزه، الأخير، من "آثار" ناجمة عن قوى النفي-الطرد -القمع، وتنتشرُ الـ(لا) بغزارة في "مزامير الغياب" وكما نعاينها في الشاهد أعلاه في هيئة سلّمٍ نازل. وتنتشر في فضاء أفقي ممتدّ كما نلاحظ، ذلكَ، عند خالد جمعة. هذا إجمالاً إنما يشي بتوسّع غنائي لائي(من لا)، إذ يبدأ أوّل ما يبدأ هذا الملمح، لدى جمعة في صيغة عنوان المجموعة: " نصوص لا علاقة لها بالأمر". كما يبرز النفيّ في إهداء المجموعة:lt;إلى اللاأحدgt;، أي إلى المطلق الحرّ الذي يقابله المحدّد المقيّد الثابت، وقد ثُبّتَ النفيُ كأثر كتابي فيما ترهين الأثر ينفي الـ (أحد) المحدد المقيّد الثابت، عبر نفيه بتعريف الـ(لا)؛ فيما نسميه عملاً في تعريف "الأثر" عند دريدا ، وهو ما يشير ويمحو في نفس الوقت؛ ما يثبت وينفي. وبالإمكان إذن، معادلة "اللاأحد" بـ"اللا شيء" بما هما يقومان فلسفيا على الجوهر باعتباره مفهوماً فنياً، مع ضرورة معرفةَ أن "اللاشيء من حيث هو سلب للموجود ونفي له، هو النقيض تماماً "للمعدوم"، فاللاشيء ليس أبداً عدمية، لكنه ليس أبداً شيئاً حاضراً على شكل موضوع"(23) هذا "اللاأحد" المعادل جوهرياً "للاشيء" يتحرّك، بما هو كذلكَ، في مفهومِ العلل الأربعة التي قال بها أرسطو (العلة المادية،العلة الصورية، العلة الفاعلة، العلة الغائية)، والتي تعمل في وقت واحد، والتي هي نفسها موجودة معاً في الإنساني والكوني.(24) . وهو -أرسطو- إذ يعدّد العلل يُوحّد ثلاثتها(العلّة الصورية، العلة الفاعلة، العلة الغائية) في {الله} الذي هو كلّ العلل؛ الذي هو في قمة سلم الوجود المستمر، حيث يرى، الفيلسوف الإغريقي، أن {الله} هو الصورة المطلقة . "ولما كان الله هو العلة الصورية فإنّه هو المثال، أنه فكر، علة - ولما كان الله هو العلة الغائية فإنه الغاية المطلقة، وإنه ذلك الذي تسعى إليه الموجودات، وكل موجود له دون شك غايته في ذاته، ولكن لما كان الله هو الغاية المطلقة؛ فإنه يشتمل كل الغايات الأدنى، ولما كانت غاية كل شيء هي الكمال المتكامل للشيء. إنّ الله باعتباره الغاية المطلقة هو الكمال المطلق، ولما كان الله هو العلة الفاعلة-المغيّرة؛ فإنه العلّة المطلقة للحركة والصيرورة.(25)، لذلك فإننا نجد تبريراً للشاعر خالد جمعة، وهو يكتب بلغة صارخة تتكشف عن نقصان وقصور وعجز وعن فقدان لهويته باعتبارها في ذاتها أنا أو صورة في درجات السلّم الأدنى "لست كما أنا. لست الله". فإذا كان يعترف بأنه ليس الله، فإنه، في الحال ذاته، يتفقد أناه فيخلص إلى أنه ليس أناه، ليسَ الصورة المطلقة النسبية، وأنّ الأنا لا تصل حقيقتها المطلقة؛ كون أنّ " الأفكار الجوهرية في الفلسفة الأرسطية ترى أنه في سلم الوجود حتى الصورة الأدنى هي غاية في ذاتها، ولها حقيقتها المطلقة" (26) وقد كشفنا عن جوانب متعلقة، في أثناء قراءتنا في بعض من نصوصٍ للشاعر الفلسطيني ياسر أبو جلالة، نشرت ضمن دراسة مطولة، في مجلة الشعراء الفلسطينية- العدد 25، لشعراء من غزة. فكان قد كتب، أبو جلالة، في مستهل نصّ قصير له بعنوان "فسيفساء":
تتأرجحُ المسافةُ بين الموتِ
واللاموت...
حين أسقط كظلام هزمه طلوع الشمس
قلنا في القراءة المنشورة: إن لـ " بينَ" بعدين: بعد المكان، وبعد الزمان. معنى ذلك أن للموت بعدين: بعد المكان، بعد الزمان؛ واستنتجنا من هذه العلاقة الظرفية:
- مكان الموت وزمان الموت.
- مكان اللاموت وزمان اللاموت
وقد لاحظنا، أيضا، أنَّ "الموت" في القصيدة جاء مُعرّفاً، ونفس الشيء مع صيغة النفي المتمثلة في "اللا" المقترنة بـ"موت"، مع تأكيدنا على أنَّ ("الـ" موت) المُعرّفَ يعادلُ النفي الممارسَ في اللحظة الراهنة التي هي المسافة المتأرجحة- اللامستقرة. مع التأكيد على أنَّ النفي المُعرّفَ؛ المتمثل في ("اللا"ـ موت) يعادلُ الغايات المرجوة المنشودة، حيث المفردات الحية الغائبة الغائية (الهوية، الحرية، الحقيقة، الخلاص).(27) وهذا ما نجده لدى دنيا ميخائيل، ففي الوقتِ الذي تثبت بالتجربةِ الوجدانية في مجموعتها "مزامير الغياب" أن "للوقت مذاق الرحيل"(28)، تتمنى من الوقت ذاته باعتباره له مذاق الرحيل، وباعتباره صورة الغياب الطويل، وتتوسله في الجزء الثاني من نصّ "أجراس الغياب" أن يسمح لها أن تعبر إلى "ضفة اللاوقت"، هذا إنما يحيلنا إلى تذكر نهر هيرقليطس المتغير؛ بما أن لـِ"اللاوقت" ضفة، لكن هل يتفق مع التعدد أن نقول: "اللاوقت" دالٌ ينصرف وحسبْ، إلى مدلول واحدٍ لا يتغير هو "النهر"؟! قد نُصابُ، في ظاهر القول، بشيء من تهمة التثبيت هاهنا، غير أننا في الوقت ذاته لم نصبْ؛ ذلك أن النهر، نهر هيرقليطس، في ذاته دائم التغير والتجدد. يقول هيرقليطس" نحن ننزل في النهر الواحد ولا ننزل فيه، فما من إنسان ينزل النهر الواحد مرتين، فهو دائم التدفق والجريان". لذلك، فإن طلب الشاعرة السماح ذاته ينطوي على نفيٍ يقول بطرد الوقت ومذاقه. ويقول بتثبيت خيار العبور والانتقال بمعنى التحركِ والتجدد والاغتسال بماء النهر. يقول هيرقليطس، مجدداً، " كل شيء يجري، يتحرك، وليس هناك ما هو أبدي. لذلك، لا نستطيع أن ننزل مرتين إلى النهر نفسه ذلك أنني عندما استحم للمرة الثانية يكون النهر قد تغير، وأنا أيضا"
اسمح لي أيها الغياب الطويل
أن أعبر ضفة اللاوقت
فالأصدقاء انكسروا في جرتي وقلبي
وما زلت أمضي..
لي فجرٌ كثير
يكفي لكل ما في نعاسك من ليلٍ
ولي دمعٌ..
يسقي كل ما في صمتك من حجر
ولي قلبٌ..
يصلح أجنحةً لعصافير اللاوقت
ولي شوق..
أقصده حين أشير إلى الينابيع
اللهم اجمع شمل الينابيع
وخل محبتي تعصف بالرياح
واجعل الغبار مشتتا من ذهني
ولتكن صخورك أخف حملا من الحنين
ومياهك أكثر من دمع الأرامل
قبل أن تجفّ سهول الغياب الطويل
وتذبل نعاسا في العيون.(29)
ولنقرأ "الغاية" على أساس مقولة" الاختلاف" باعتبارها كلمةً منقسمة على نفسها وحاملةً الازدواج في ذاتها. إنّها، من ناحية، بداية أو فكرة الشيء، الموجودة كصورة مكتملة في العقل. وغير الموجودة في الوقت ذاته؛ أي غير المحققة في الواقع. فكرة الشيء، بالضرورة هي سابقة، هي البدايةُ، في العقل؛ تتجلى في صورة مكتملة تكون محرّكاً أو دافعاً لبلوغ الغاية - النهاية. بمعنى تحقيقها، إما بتجسيدها مادياً، أو ببلوغ معناها. وإنّ "عدم" تحقق الغاية باعتبارها العلة الغائية أو النهاية أو" الصورة المطلقة" أو "الصورة المطلقة النسبية، أو (الهوية، الحرية، الحقيقة، الخلاص) لهو الحقيقةُ التي لا تتخفّى، إنما تعمّق السؤالَ وتتّخذ من هذا الـ"عدم" فضاءً أو صفحةً لـ"قول/ كتابة" "الآثار". هذا "العدم" كذلك المعرّف بأنه اللاتحقق، بوصفه الفراغ التي تشتغل فيه عمليات النفي والنهي والغياب والحيلولة دون الوصول-إن جاز لنا أن نعرّفه من جديدٍ، باعتباره جوهراً يحول دون تحقق الغاية- فإننا، في التو، نسميه، أي "العدم" "علّة اعتراضية" في ذاتها؛ تحمل فيما هي تعترض فيها العلةَ الفاعلةَ، بوصف الأخيرة منتجة لحصول الكتابة، أي لحصول التشتت والتعدد والتناقض والانتشار والإعاقة والإرجاء في داخل الوحدة؛ من جراء فاعلية "العلة الاعتراضية"، بوصفها "عدماً" يلد وجوداً -نصاً يقدّم خطابَ "الآثار"، بوصف الخطاب "يكمن في اللغة"، وبوصف اللغة "مسكنَ الوجود". وحتى هذا الذي نسميه "عدماً" ليس هو بالضبط عدم بقدر ما هو وجودٌ للعلة الاعتراضية بين البداية والنهاية، أي في الطريق إلى الغاية.
لكن، لنعد إلى خالد جمعة، إلى عنوان مجموعته، تحديداً: " نصوص لا علاقة لها بالأمر"، فهذا العنوان يقدّم، من جديد، النمط الأوّل من أنماط الترابطات التي تتحدّث عنها ج. كريستيفا في كتاب (علم النص)، لكن هذه المرة، من طرفنا، ليست الترابطات بين المقاطع الشعرية للأشعار والنصوص الملموسة والقريبة من صيغها الأصلية لشعراء سابقين كما تكتب كريستيفا؛ إنما الترابط الذي نعنيه هو هذا "النفي الكلي" الذي تعرفه ج. كريستيفا بأنه فيه يكون المقطع الدخيل منفياً ومعنى النصّ المرجعي مقلوباً. والذي يحدث، بمعالجة كريستيفا، حين خلق التقابل بين مقاطع لشاعرين الأول يكون بمثابة "نص مرجعي" والمقابل يقوم بقول نفي المرجع بقلبه، وقد مثلت كريستيفا على ذلك بهذا المثال:
هناك هذا المقطع لباسكالPascal :
"وأنا أكتب خواطري، تنفلت مني أحياناً؛ إلا أنّ هذا يذكرني بضعفي الذي أسهو عنه
طوال الوقت، والشيء الذي يلقنني درسا بالقدر الذي يلقنني إياه ضعفي المنسي، ذلك أنني لا أتوق سوى إلى معرفة عدمي".
وهو ما يصبح عند لوتريامون:
"حين أكتب خواطري فإنها لا تنفلت مني. هذا الفعل يذكرني بقوتي التي أسهو عنها
طوال الوقت. فأنا أتعلم بمقدار ما يتيحه لي فكري المقيد، ولا أتوق إلا إلى معرفة تناقض روحي مع العدم".(30)
ويكون ذلك مختلفاً، من طرفنا، عندما نقيم التقابل بين عنوان مجموعة لشاعر مثل " نصوص لا علاقة لها بالأمر " وبين " نصوص" المجموعة ذاتها للشاعر ذاته؛ فنرى أنّ النفيّ في العنوان يطرد وينفي كلياً العلاقة، فيما "نصوص المجموعة" تسكنُ العلاقةَ وتسكنها العلاقةُ، وتقوم "النصوص"على معطيات " آثار" الأمر الكلي، بما هو يشمل الفردي والموضوعي.
تجانس الآثار
في مادة الخطاب التي تقدّمه دنيا ميخائيل في "مزامير الغياب" يتوفر دعمٌ حرّ، من الثنائيات، يوسّع الفضاء لغنائية ليست عارمة، وإن كانت في كل الأحوال تجري وتمكّن من الانتشار السريع للآثار، وتباشر تعديدها وتنويعها في داخل مشهد تراجيدي يحفل برموز الغياب والنفي الصريح والضمني، والانكسار، الذاتي والمادي. تتقدم شعرية النصوص في بساطة اللغة والأسلوب والبناء، وجودة الغناء المُرشَّحُ فنياً؛ وقد أفادت من أجواء النصوص المقدسة، ومن أجواء الأسطورة. ما حقق لها بلاغة الحضور والوصول والتأثير في قيم الإنسان الداخلية من أحاسيس وعاطفاتٍ، إذ النصوص تقدم تجربة ملموسة فردية في شجنها تمتد لتكون في ـ وـ من غمر الملموس العام - تجربة العراق الداخلي- إبان الحصار الذي خيّم بآثاره على حراك الذات الشاعرة. في هذا الغمر الواسع تترك الشاعرة "الآثارَ" تتضح وتنتج عن عدم تكافؤ الثنائيات، وتنتج، أيضاً، عن "تجانس الآثار" ذاتِها. وهنا نثير أسئلةً حول حضور "آثار الممحاة":
اقتربت ممحاتك
وأنا - لدهشتي- أبحث عنك
وأتخيل شكل الآثار التي ستتركها مني الممحاة
هل ستكون مبعثرة جدا؟
هل ستشكل زوايا حادة أو قائمة أو مستقيمة؟
هل ستزال بسرعة قصوى
أم تُترك لفترة قبل أن تنفض مع الغبار؟(31)
كذلك حول الثنائيات، مثلما يثبت ذلك (أبيض..أسود) كعنوان لنصّ، والانتشار في المتون.(32) وحول التحوّل من تثبيت الثنائي، إلى نفي الفروق أو التطور إلى نفي الثناثي:
طارت من عمري سبع حمامات بيض أو سود (لا فرق)
فالحمد لله الذي خلق السموات سبعاً كي أمنح
كل سماء حمامة من روحي فلا يزعل الربّ مني ولا الحمام
وإذ أعود
نطفة
أو جثةً
(لا فرق)
أبحث عن ركن
أدق فيه الكونَ
مثلما أشتهي(33)
لكن، ما المقصود بـ "تجانس الآثار" بمعزل عن القراءة في اللحظاتِ والجغرافيا، وحضوراً في القراءة في الذات والموضوع بوصفهما ينكتبان بلغةٍ يكمن فيها الخطابُ الذي ينهضُ على الآثار المحيطة ؟ قبل الإجابة، من واقع السؤالِ نفهمُ أنّ العالم ليس بمعزلٍ، على أية حالٍ، عن تفكيرنا. إنما تفكيرُنا الأشياء والمصادفات واللحظات هو الدليلُ القادرُ على كتابةٍ تثبتُ، بالبداهة الفنية، أنها لم تولدْ من عدمٍ في عدم. فكلّ ما تقولُه الظروفُ تكتبه الذاتُ. وفي الذات عظَمةٌ غامضة، هي جوهر اللغة الشعرية. إنّ هذه العظَمة هي التي تباشرُ ترهينها الوسيلةُ في إثر تأمّل الذات في الأداة. وهو الأثر الذي يسمح دائماً، لعمليات التلقي بأن تتوسع في عملها داخل النصّ الشعري، باعتباره وجوداً يشغّلُ أدواتِ العالم الخارجي لمصلحة الشعر. ترى جوليا كريستيفا "أن النصّ يُخلّصُ الذاتَ من تطابقها مع الخطاب الموصول ويُهشّمُ، عبرَ نفْسِ الحركة، كونها مرآة عاكسة لبنياتِ خارج معين، إذ النصّ وليد خارج واقعي ولا متناه في حركته المادية(ليس"بأثره" العلِّي)، حيث يدمج متلقيه في تركيبة ملامحه، ويبني بنفسه منطقة تعددٍ للسمات والفواصل تمكّن كتابتها، غير المتمركزة، من ممارسة تعدد لا يقبل الوحدة أبداً"(34) أما جاك دريدا فإنه" لا يعتبر النصّ، أي نصّ، كمجموع متجانس. ليس هناك من تجانس، هناك في كل نصّ، حتى في النصوص الميتافيزيقية الأكثر تقليدية، قوى عمل هي في الوقت نفسه قوى تفكيك النصّ.. إنّ ما يهمّهُ في القراءات التي يحاول إقامتها هو ليس الناقد في الخارج، وإنما الاستقرار أو التموضع في البنية غير المتجانسة للنص، والعثور على توتراتٍ أو تناقضاتٍ داخلية، يقرأ النصُّ من خلالها نفسَه، ويفكّك نفسَه(35) لكننا سنحاول في الوصول إلى واحدة من حقائق "تجانس الآثار" في النصّ، ويبدو ذلك مخالفاً لـ ج. دريدا، وذلك بعملنا داخل ناحيةٍ خاصّةٍ من نصّ شعري كانت قد طرحته الشاعرة العراقية دنيا ميخائيل في "مزامير الغياب". نذهب، إذن، داخل نصّ "آثار الممحاة" لنستقر أو لنتموضع هناكَ في بينة (زجاج/ حجر)؛ لنكشف عما ينشأ من آثار متبادلة بين الطرفين، لنتأمل في هذا الشاهد:
وأنا أشهد انكسارَ الظلّ في المرايا
وأعرفُ أنّ في الخلفِ ثمةَ زُجاج وحجر
الحجرُ لا يكسرُ الزجاجَ/ إنما كان يبادله الانكسار(36)
نلاحظ احتواء رسالة "الآثار" على أداة منكسرة، تُبادل مثيلةً لها- بوصف الأولى "مادة"- في الانكسار؛ إذ يبدو (الحجر) لا يمارس سلطته في كسر (الزجاج). إنّ هذه السلطة الفاعلة على نحو سلبي نجدها في نصوص عدّة، مثلاً- نجدها، عند شاعر فلسطيني: ناصر عطاالله، كان قد أرسل لنا بعضاً من نصوصه عبر e-mail:
حجرٌ يكسر زجاجَ صدري
أسمع صوته داخلي لا أفسر ما يحدث
والهدهد كعادته لا يأتي بيقين النبأ
إن الشعرَ عند دنيا ميخائيل مليء بالموضوع، أي أنّ الذات في حركة نحو العالم الخارجي، فيما نرى العكس، في الشاهد، عند ناصر عطا الله، أي أنّ العالم الخارجي في حركة مُؤثرة على نحو سلبي في داخل الذات. ولكن بالرغم فاعلية أداة النفي، في الخطاب، عند ناصر عطاالله: "لا أفسّر ما يحدث" و" لا يأتي بيقين النبأ" بما هي الـlt;لاgt; تقوم على النفيّ وتشتغل باعتبارها أداة الغياب الملفوظة، كأثر خطي حاضر في الشاهد، وكصوتٍ غنائي مسموع في فضاء الحدث- بالرغم من ذلك المنظور؛ إلا أننا نرى عند عطاالله هذا الحضور الأداتي التسجيلي التقليدي لثنائية (حجر/زجاج)، حيث تقوم أو، تتورّط، لحظة الكتابة بملء أو بربط ذاتها بالخارج، ربطاً مادياً يتأسس، تأسيساً معتاداً، بعناصر أو أدوات الموضوع المادي، دونما الارتفاع عنه برافعة العظمة الغامضة المخلِّصة الفردية؛ بما تعنيه متواليات الصفات من ترفّع وزهدٍ عن تقاليد وعادات التصوير والتمثيل والإقران العاطل شعرياً أحياناً، جراء اعتيادية الاستثمار في موجودات الواقع الأداتية. أما "أداة" أو "سلطة" الحجر، عند ميخائيل، فإنها لا تفعل، أي تغيبُ في النفي، فيما هي تحضر في الشاهد (الحجر لا يكسر الزجاج) .إنّ الأداتين عند ميخائيل في تبادلٍ لانكسارهما م




التعليقات