في العشرين من شهر مايو 2005، ذات صبيحة باريسية غائمة، حيث السماء واطئة جداً، وحيث هدْأة أوقات الصباح الأولى لا يعكرها سوى هديل يمامة متسكعة من غصن إلى غصن، ومن شرفة إلى شرفة، أو أطفال يلهون بحَرَدٍ على "صهوات" دراجاتهم الهوائية النزقة. في خلسة من الوقت، وباعة حليب الصباح، ومحصلي الضرائب، وحتى سعاة البريد، والعيون الطائرة المترصدة من كل شكل ولون، وفي مأمن من الكاميرات الحشرية، والآذان المتدلية من الحيطان، وبعيداً عن "بابارازي" المجلات الأدبية، جمع المفكر الفرنسي الكبير بول ريكور على عجل، في إحدى ضواحي باريس، أشياءه، وفتافيته، وذكرياته المريرة، وانسلَّ على رؤوس الأصابع، مودعاً عالمنا، دون جلبة أو ضجيج. ودَّع على طريقة الحكماء القدامى، متخففاً من أعباء الرحيل، ومضى هكذا كمسافر بلا أمتعة، بسكينة وهدوء لم يفسدهما سوى بيان موجز من قصر الأليزيه، أو إشادة إعلامية جاءت خجولة من هنا أو هناك وتاهت وسط هرج الزحام الإعلامي الفرنسي الخانق، بوجوهه الكثيرة وأقنعته المتبدلة، وألسنته الطويلة المتهدلة في المدى كألسنة السحالي. 93 ربيعاً انطفأت مرة واحدة. رجل عاش سحابة القرن العشرين كاملة تقريباً، بشرورها وآلامها وآثامها، وحروبها العالمية، وغير العالمية. رجل عانى شرور الآخرين وجحيمهم في سنوات عمره الأولى، فنذر حياته، لمقاربة/ مقاومة "الإثم" والشر. قارع النازية والفاشية بمعناهما الحقيقي لا المجازي، ووقع في أسرهما حقيقة لا مجازاً. وعاش في خضم ثوروي/ سوقي/ إلحادي/ باريسي... إلى آخر القائمة، ولكن دون أن يضطره ذلك إلى أن يتخلى عن ثوابت "دوغمائيته الدينية"، الخاصة جداً، والطهرانية جداً، والبروتستانتية أولاً وأخيراً. وحين أسفر ظلام الحرب العالمية الثانية عن ظلامية النظريات والإيديولوجيات المتعصبة التي يخطئها العَدُّ، تمكن هو من أن يحافظ دائماً على مسافة أمان مناسبة منها جميعاً. فعاش عصياً أبياً على التصنيف، في حين انقسم الآخرون في اصطفافاتهم الإيديولوجية إلى يمين ويسار، و"صقور" و"حمائم"، وظلت نظرياتهم الفكرية والأدبية تتوالد من بعضها بعضاً وتنسرب كما تنسرب العفاريت من القماقم. لم يستقطبه أحد، ولم يصنـِّفه أحد، ولم ينصِفه أحد، بل ظل على الدوام تقويماً فلسفياً ونظرياً قائماً بذاته. وحين رحل انطوت معه صفحة فكرية وأدبية أودع فيها القرن العشرون ندوبه. وسجل فيها بإزميله القاسي، وذكرياته المرة الزؤام، كل شيء تقريباً.
والقراءة السريعة التالية تؤرخ لأعمال بول ريكور، وتسعى إلى وضع جهده النظري، بالغ التعقيد، في أطر مبسَّطة تقريباً، وحسبها أثناء ذلك من الغنيمة أن تفتح مجال التأمل فقط، في سيرة هذا الرجل وأعماله.

أن يكون المرء بروتستانياً في فرنسا:

ولد بول ريكور سنة 1913م في مدينة فالنس بجنوب شرقي فرنسا، وقد عرف اليتم مبكراً حين فقد والده في الحرب العالمية الأولى، فعاش طفولة بائسة رسخت لديه التفكير بعمق في مسألة الشر والإثم، وتجربته مع الحياة لم تتجاوز سنواتها الأولى، وأثناء دراسته المنتظمة كان معروفا أيضاً بانجذابه الشديد نحو الدين، وسعيه للبرهنة على أن الإيمان هو الحل الوحيد للمسائل الأخلاقية والاجتماعية التي كانت تشغل حيزاً كبيراً في الوجدان الغربي ما بين الحربين العالميتين، أي أثناء فترة ظهور وارتقاء الفاشية والنازية على المسرح الأوروبي وما ارتبط بهما من رؤى انعزالية وعنصرية، وما أنذرتا به من آثام وشرور.
وحين اندلعت الحرب العالمية الثانية استدعِيَ بول ريكور، المتديِّن، داعية السلام، لأداء الخدمة العسكرية، (ويمكننا أن نتوقع أنه لم يكن محارباً جيداً)، فوقع بسرعة في أسر الألمان، وظل طيلة فترة الحرب متنقلا، ويداه خلف ظهره، بين معتقلات الأسر في منطقة بوميرانا حتى سنة 1945م. وعندما أطلق سراحه كان مجرد "أسير سابق"، إذ لم يسبق له نشر أي عمل وبالتالي لم يكن معروفاً كمبدع كبير، غير أنه استفاد من فترة الأسر هذه حيث تعمق خلالها في دراسة الوجودية الألمانية، ووقع خاصة في "أسر" أعمال كارل ياسبرز (1883م ـ 1969م) الذي اشتهر بنزعته الإيمانية، كما ترجم أهم أعمال رائد الظاهراتية أدموند هوسرل (1859م ـ 1938م) وأبرزها كتاب "أفكار".
وقد جذبته الظاهراتية أولا، فأصبح منذ أواخر الأربعينيات أحد أهم المبشرين بها في فرنسا، مع الاحتفاظ بنوع من الإخلاص للوجودية المؤمنة، خاصة بعد ارتباطه بزعيمها في بلاده جابريل مارسيل "1889م ـ 1973م"، وفيما بعد انتظامه في مجلة "فكر" التي كان يمتلكها إيمانويل مارسيل، وهكذا نشر كتابه الأول "كارل ياسبرز وفلسفة الوجود" 1947م، وهي نفس السنة التي بدأت تصدر فيها سلسلة كتبه عن "فلسفة الإرادة".
وقد استمرت هذه السلسلة مع "الإرادي واللاإرادي" 1950م، "النهاية والجرم" 1950م، "الانسان الواهن"، "رمزية الشر" 1960م، لكنه بهذا الكتاب الأخير رسا على تخوم أرض جديدة، هي النظرية الفرويدية، إذ تأدّى به البحث في رموز وطقوس المسألة الأخلاقية إلى أبعاد التحليل النفسي، وذلك لما تعد به أعمال فرويد من قدرة على التأويل الرمزي للأفعال خاصة اللاإرادية، ولنتذكر كتاب "تفسير الاحلام" لسيغموند فرويد نفسه. وعلى هذا النحو ظهر كتاب بول ريكور المهم "نظرية التأويل: محاولة في فرويد" 1965م، ليشكل قطيعة بمعنى ما مع الوجودية التي كانت وقتها لا تزال تمارس تأثيراً عظيما على المشهد الثقافي الفرنسي العام بفعل جهود جان بول سارتر وألبير كامو، وقطيعة أيضا مع اتجاهات المدرسة الفرويدية السائدة خاصة منها الاتجاه السائد في فرنسا الذي كان يقوده جاك لاكان وأتباعه. ولم تكن المدرستان متسامحتين مع تنظير بول ريكور خارج سربيهما، كما يقال، فشنتا عليه حملة نقدية شديدة لامست حدود التشهير الشخصي الصفيق أحياناً، وأدت به إلى أن يبقى فترة طويلة بعيداً عن الأضواء و"النجومية" الفكرية "الإعلامية"، إن جاز التعبير، هذا مع تسليم الجميع بنباهة وأصالة أعماله ورصانتها الشديدة.
في هذه الأثناء كان ريكور مطلع الستينيات ينتقل مهنياً من جامعة إلى أخرى في فرنسا، ومع أنه لم يكن راديكالياً كما كانت الموجة- الموضة العامة آنذاك، التي امتطاها الجميع بما فيهم سارتر وميرلوبونتي ومالرو، وأيضا فوكو ودريدا إثر ازدهار البنيوية. إلا أن ريكور مع ذلك كان "ثورياً" معارضاً على طريقته الخاصة، فقاد المظاهرات منذ أحداث الجزائر. ولكن حين اندلعت ثورة الطلاب مايو 1968م، في عموم أوروبا وأميركا، حرَّض خصومه الطلاب ضده باعتباره داعية تديـُّن، وكان وقتها عميداً لجامعة نانتير الناشئة، فعمد أحد أشقياء الطلبة الشيوعيين الماويين إلى إفراغ سلة قاذورات مليئة على رأس ريكور، وسبَّه بأنه "قط عجوز" و"كاهن رجعي"، فاضطر بعد هذه الواقعة إلى الاستقالة. وبعد فترة عمل وجيزة في السوربون، حمل حقائبه وهاجر إلى أميركا محاضراً في مختلف جامعات بلاد "العم سام"، وبقي لفترة طويلة مرتبطاً بجامعة شيكاغو بوجه خاص، وكانت لهذه الهجرة أكثر من دلالة، فريكور البروتستانتي المتديِّن، في بلاده الكاثوليكية غير المتسامحة، يجد دون شك في أميركا "فردوساً بروتستانياً مفقوداً"، خاصة أن الحياة الأكاديمية الأميركية بمدارسها السلوكية النفسية الرائجة آنذاك كانت تعِد بتعميق رؤيته الفرويدية الخاصة.
ومنذ منتصف السبعينيات بدأت أعمال ريكور تبشر بنظرية هرمنطيقية (تأويلية) جديدة، هي ما تأدَّت به إليه تجربته العميقة مع مسألة التأويل، إذ توصل إلى إسقاط فريد من نوعه للنظرية اللسانية الديسوسيرية على التحليل النفسي للرموز، وكانت هذه الرؤية تمارس ـ في الواقع ـ نوعاً من التناص والمشاكلة مع المدرسة البنيوية وتقاليدها النصية التي كانت ـ وقتها ـ لا تزال حديث اللحظة. إلا أن عنصر الطرافة الآخر الذي ميز هذه القراءة النبيهة هو أنه طبقها على النص الروائي من خلال كتابه "حياة الاستعارة" 1975م، والذي أوضح فيه أن الاستعارة ليست كما تزعم البلاغة القديمة منذ أرسطو، "مجرد صورة أسلوبية شكلية تتجسد في الكلمة". وإنما هي في رأيه "انزياح خلاق للغة، علينا أن نبحث عنه في الجملة لا في الكلمة"، ومفهوم أن هذه الرؤية تخفي رؤيته محايثة للبلاغة بصفة عامة، ولمكانتها الرمزية في نظريته التأويلية، فهي "مفتاح فهم الأفراد داخل محيطهم، وذلك في التباسها الأفلاطوني، بوصفها بحثاً عن الحقيقة، ومقدرة على انتهاك اللغة في نفس الوقت".
ومنذ كتابه المهم جداً "صراع التأويلات" 1969م، بدأ في الواقع ـ منهجياً ـ يؤسس لنظرية هرمنطيقية جديدة تستدعي وتستفيد من كل موروثه النظري الذي أشرنا إليه أعلاه، وإن ظل يستبطن دائما المنطلقين الأخلاقي والديني اللذين أقلع منهما أصلا، وعمّقهما أكثر في كتابه الآخر "التاريخ والحقيقة" 1955م.
وفي هذه النقطة من المسار النظري لريكور فاجأ المشهد الأدبي في بلاده بواحد من أمتع كتبه هو "زمن السرد والحكاية" 1975م مطبقاً نظريته التأويلية على ثلاث روايات لمارسيل بروست، وفرجينيا وولف، ومان، وقد ركز على هذا الموضوع منذ بداية الثمانينيات، في ثلاثيته "الحبكة والرواية التاريخية" 1983م، و"الشكل والعمل الخيالي" 1984م، و"الزمن المحكي" وهذه الكتب الثلاثة جاءت ضمن مشروعه المتعلق بزمن السرد والحكاية، وهي سلسلة هرمنطيقية عن الرؤية التأويلية لمفهوم النص انتهت بكتابه "من النص إلى الفعل: محاولة في نظرية التأويل" 1986م.
في منتصف الثمانينيات عاود ريكور الاهتمام بالمسألة الأخلاقية مجدداً، وخاصة نظرية العدالة، فأصدر كتباً عديدة من أبرزها "الشر باعتباره تحدياً للفلسفة والدين" 1986م، و"الذات كآخر" 1990م، و"الحب والعدالة" 1990م، ثم جاءت ثلاثيته "قراءات" التي شملت "حول السياسة" 1991م، و"أرض الفلاسفة" 1992م، و"على حدود الفلسفة" 1994م، كما تزامنت مع هذه العودة لمنطلقات ريكور التأسيسية، استعادة أخرى موازية مثلتها كتبه "سيرة ثقافية" 1995م، و"الصحيح" 1995م، وأخيراً وليس أخراً "الذاكرة، التاريخ، والنسيان" 2000، الذي هو في الواقع آخر كتبه المهمة.

المفكـــر ناقداً

ومشروع بول ريكور الفكري والأدبي يعد مدخلا مهما، وفريداً من نوعه لمعظم المدارس والنظريات التي عرفها القرن العشرون، وعنصر الأصالة لديه ربما كان يكمن، على نحو خاص، في قدرته على دمج هذه الفسيفساء من النظريات المتباينة، وتطويعها ضمن رؤيته هو النظرية ومشروعه الأخلاقي الديني الذي لم يتزحزح عنه، قيد أنملة طيلة حياته، وهو المعروف بقدرته على تجربة ملكاته النقدية والفكرية كافة، وانتقاله من منهج إلى آخر عبر مسيرته الفكرية الممتدة على فترة سحابة قرن من الزمان. هذه المسيرة التي بدأها من منطلق الإيمان الديني محاولا الاستفادة من مقولات الوجوديين المؤمنين، ومن أجل ذلك ارتأى أنه لابد لهذه المقولات من منهج علمي، تتأسس عليه، فوجد ضالته في فينومينولوجيا هوسرل، والحقيقة أن الظاهراتية لفتت انتباه الكثير من الوجوديين، مثل سارتر، وأيضا ميرلوبونتي إذ وصلا بين فكرة هوسرل عن "عالم الحياة" وفكرة "الوجود في العالم" الأنطولوجية التي نادى بها هايدجر. ومفهومٌ أن هذه الرؤية تختلف عن فهم ريكور الذي عرضه في عمله "عن المدرسة الظاهراتية" 1986م، إذ أن الفينومينولوجيا برأيه ليست فقط مسألة وعي بالوجود، وإنما تكمن أيضاً في "العلامات التي تتوسط علاقة الوعي بالأشياء، كتلك العلامات المعبر عنها في ثقافة منطوقة ما، فالفعل الأول للوعي هو المعني.. والإرادة هي تحديد هذا المعنى خاصة أكثر من علم اللغة البنيوي" وما دفعه في هذه الرؤية لدور الرموز والعلامات هو اهتمامه كرجل متدين بمسألة الشر والإثم، إذ "لا يمكن مناقشة الشر والخطيئة دون وضع الرمزية في اعتبارنا، لأنه إذا كانت لدينا لغة مباشرة تتحدث عن الغرض والدافع والاستطاعة، فإن هذه اللغة لا تستطيع أن تتحدث عن الشر إلا بواسطة استعارات"، فالاستعارة إذن هي اللغة الرمزية التي يسمح تفكيكها والحفر فيها بتكوين فهم متعدد ثري للعالم وللمعرفة الإنسانية به. لكن ريكور مع كل ذلك تعامل مع الرمزية كوسيلة منهجية حصراً فقط. لماذا؟ لأن "الاهتمام الوحيد للفلسفة بالرمزية، يتصل بفكرة أن الرمزية ـ بما تنطوي عليه من بنية مزدوجة للمعنى ـ تكشف عن التباس الوجود" إن "الوجود يتحدث بطرائق عدة" وبالتالي فإن "المبرر الأساسي للرمزية هو أنها تفتح تعدد المعنى على التباس الوجود" نفسه.
وهكذا دفع ريكور اهتمامه بتأويل العلامات والرموز إلى إنجاز نظرية تأويلية (هرمنطيقية) بالغة التعقيد، تستشير الأسطورة التي بذل معاصره كلود ليفي شتراوس جهداً كبيراً لمقاربتها من منظور بنيوي. إلا أنه أوضح أكثر من مرة أنه "حاول أن يقصر تعريف الهرمنطيقا على تفسير اللغة الرمزية في بادئ الأمر، ولكنه حاول بعد ذلك أن يربط الهرمنطيقا بالنصوص المكتوبة، مركزاً على مشكلة اللغة نفسها، بعد أن كان يصب اهتمامه على أبنية الإرادة أو رمزية الأسطورة فحسب". ولم يكتف باستشارة الأسطورة مع شتراوس فقط، بل وجد تشابهاً بين الأسطورة، والحلم، والخيال الشعري، فلتجأ أولا إلى الفرويدية لتنمية تأويل علمي منهجي لدلالة الأحلام، والموقع الذي تشغله من مسألة الإرادة، وهكذا دخل نظرية فرويد من الباب العريض، ولكنه دخلها أيضاً على طريقته الخاصة جداً، والنبيهة جداً، والأصيلة جداً. ذلك لأن فرويدية ريكور منهجية وليست مذهبية، كما أنها مطعَّمة بمسحة سيميولوجية علاماتية فيها من من نظرية ديسوسير اللغوية بعض الملامح، إذ صب اهتمامه على المنظور الفعال لعلم اللغة، وذلك ليكشف عن الثنائيات المتعددة، مثل العلاقة البنيوية بين العلاقة الحسية والدلالة التي تحملها، أو الثنائية القصدية بين العلاقة والموضوع الذي تشير إليه، وهذا يتجاوز بأشواط كبيرة الفهم الساذج الذي درج جاك لاكان وأتباعه الفرويديون الفرنسيون على إشاعته في تفسير آلية التأويل أو بالأحرى التحليل النفسي وعلاقتها باللغة.
وبموازاة الاستعارة والحلم وقف ريكور في دراسات متعمقة أمام ملكة أخرى هي الخيال الشعري مؤكداً أنه "أصعب الثلاثة فهما.. بقدرته على تشكيل الصور، ولأن الخيال الشعري لا يمكن أن ينحصر في القدرة على تشكيل الصور الذهنية لما ليس واقعاً. إن التصوير الحسي يؤدي دوراً، بوصفه إطاراً ومادة للنشاط اللغوي الذي يواجهنا بعده الحقيقي في الحلم والأسطورة"... والاستعارة كذلك. وقد كانت دراسات ريكور في بعدها النقدي الأدبي على جانب كبير من الأصالة والنباهة، والتعقيد أيضاً، بشكل لا يوصف.

يوم غطس ريكور في النهر مرتين:

في آخر كتب ريكور المهمة: "الذاكرة والتاريخ والنسيان" لا يشذ المفكر عن مجمل المنظومة الفكرية والأخلاقية التي تعود بقرّائه إلى مِهاد تفكيره خلال الثمانينيات، ونعني محاولة نبش الذاكرة وحدود الملكات لإزاحة لغز الغموض، وخلخلة الكثير من مسلمات ما يسميه "شرط الممارسة التاريخية" وأثناء ذلك ينتقل منهجياً، مرة أخرى، من الفينومينولوجيا إلى فلسفة العلم، ويؤطر لأواصر ممكنة بين نظرية التأويل (الهرمنطيقا) والفكر العلمي.
وفي حين يركز في الجزء الأول من ذلك الكتاب الذي يقرب من 700 صفحة على "فينومينولوجيا الذاكرة" يركز في الجزء الثاني على ثلاثية الظاهرية، وفلسفة العلم، ونظرية الوجود، ويعمد أخيراً إلى مساءلة أخلاقية لمعاني الشر والتسامح من منظور تأريخي، أي من وجهة نظر علم التاريخ الذي يجب أن يتخلص من محدودية أدائه المنهجي، لكي لا يصبح تشكيل رؤية غائمة للعالم، للماضي، تراوح بين الذاكرة والنسيان لا أكثر.
والحقيقة أن هذا الكتاب رغم بعده الفلسفي المحض، وعلى رغم صهيل سنوات العمر، وتكاليف السبع وثمانين حولاً وقتها، إلا أنه فتح من جديد مجال التأمل واسعاً في معظم القضايا التي نذر بول ريكور حياته للدفاع عنها أصلاً، وهي قضايا أخلاقية، وجودية، إيمانية، وأيضا تأخذ من الأدب أعز ما عنده، أي بعده المجازي الاستعاري وقدرته اللامحدودة على تسمية العالم، وفهمه، ومن ثم امتلاكه.
ولئن كان أصدر أيضاً في نفس الفترة كتيباً آخر عن نظرية التأويل، ذي صبغة دينية بعض الشيء، فإنه ختم بدراسة عن مفهوم "الصدق" في العمل التاريخي، وكأنه يحيل إلى أن بعض ما يجري الآن، هنا وهناك، أقرب إلى مفهوم "الخطأ" حتى لا نقول "الكذب" في الممارسة التاريخية، بما هي سياسة، وفي النص التاريخي كذلك، بما هو نص: أي استراتيجية في التسمية، وأيضاً... مكيدة من مكائد التأويل.

كاتب المقال قاص موريتاني
[email protected]