ثمة ما يجعلنا نقف بترو أمام تجربة الشاعر منعم الفقير،ليس لخصوصية هذه التجربة في تمثل أسئلة الوجود والاغتراب وفي كتابة الرؤيا أوالتشيؤ عبر انزياحاتها.. قدر ما هو انحياز لنمط من الكتابة الشعرية الواعية في ذاتها و لقصيدته مشروعها في أنسنة الوجود واللغة والكون، إذ تقارب ما هو حسي،بالقدر الذي تمارسه وكأنه كتابة في التجريد العقلي.. وأظن إن هذه الكتابة هي أشبه بكتابة المكتشف لذاته المر آوية والمسحورباسرارها وعوالمها والرائي الذي يحوز على عدة العارف والحلولي، صاحب الحضور وصاحب المرآة وصاحب الرؤيا.. هذه الحيازة هي اختيار وجودي استمرأه الشاعر عبر طقوس أناه الوجودية إزاء عالم مغلق، عبرايهامات جسده القديم إزاء فضاء يمنحه حكمة التأمل وسيولة اللذة، لذا تبدو كتابته في (نص التأمل) وكأنها محاولة في اكتشاف الأنا عبر تمظهرات الجسد في لغته وتصريحه مثلما هي محاولة في اعادة تأهيل تلك (ألانا) إزاء (الاغتراب) في المكان والزمان و باتجاه عالم تطهيري خلاصي، اعترافي اكتشفه أخيرا !! فبدا بتفكيك انواته القديمة إلى (أنا) حاضرة محمولة على حدوس وأسرار وايهامات ومراث وكأنه يجوس عبر هذا التفكيك إلى تلمس السر الكينوني في تحوله و الذي يحيل الأشياء إلى جوهرها ويمنح الحضور قوة الخصب و فاعلية الرؤيا..
في تلك الشعرية نجد منعم الفقير مغامراً حالماً، قلقاً مثلما هو صانع تفاصيل ومثلما هو الكاشف والرائي والمتعري.. يجد في نص (ألانا) ونص (المرآة) ونص (الجسد) مداخل ومفاتيح للكشف عن مستورات انواته القديمة على المجاز والتوافق مع القوة والفردوس وعدم اكتراث الكائن إزاء أسئلته وصراعه وموته.. عبر إنتاج هذا المكون الثلاثي الإشكالي بدأ الشاعر ممارسة حريته في إعادة صياغة علاقاته مع الأشياء عبر حركية الانفلات والتحقق،، الحضور والغياب.. ألانا المكتشفة تبدو وحيدة أمام المرآة وهي مجذوبة إلى لحظة اشتباك عاتية مع نصها المرآوي، ربما هي محنة الجسد أمام اعترافه... ما بين ألانا والمرآة والجسد حوار مقطوع ورغبات تتكثف عند أناه المركزية الوحيدة وهي تمارس الفجيعة والانكشاف على العالم وترشو الألم بالضحك في محاولة للنزوع إلى الخلاص الكينوني...
"يا قدمي
هيا اسبقاني
أما أنا
فساتاخر قليلا
لانزع عن قلبي
مخاوفه القديمة..

انه يقترح عالمه وقدره ويؤسس لهما عبر اكتشاف حريته وجسده واناه ما يجعله متعاليا يملك قوة الروح وسيولة اللغة... وفداحة الرؤيا..يحاول أن يصنع فردوسه الآخر،، فردوسه الاستعاري،،، ينزع عبر طقوس استعادته ثيابه القديمة لغته الثقيلة باتجاه عري طاعن في اللذة ولغة حميمية وبسيطة لها طراوة البوح وأناقة الإغواء ووحشة الافتراس...تحدس باللذة وكأنها أخر ما يمارسه الكائن الشعري عبر حدوس أناه،، إذ يمارس الشاعر عبرها حلولا إلى ما تحت الجلد الأرضي / الحسي يلوح وينكشف أمام مرآته لأنها الوحيدة التي تقاسمة التجاعيد والاعتراف وتهتدي إلى أسراره وانكساره....أن قراءة منعم الفقير هي قراءة في شعرية مغايرة، تقف عند لحظة وجودية عارمة بين الجوهر القديم المجذوب الى الامكنة الطفلية واللذات الهاربة، وبين لحظة عارمة لم تتشكل اشباعاتها بعد !! قراءة في جلبة صراعية بين عوالم متناقضة تفقد جانبها الايقوني عبر مهيمنة الوعي الذي يجعل حساسيته مزاجا تطهيريا ينزع عن اللغة/ التصريح/ البوح وعن المرآة وعن ألانا القديمة مواصفات الألفة السالبة إلى حضور كينوني يمارس حريته وكأنها قوته الوحيدة في القبض على خوفه وطفولته وانكسارا ته... ولعل هذه القوة تجد تعويضها واستغراقها عبر اتساع بنية الانزياح في لغته.. فهو يكتب نصا مكشوفا تتداخل فيه تقنيات التصريح / التعويض الصوفي مع تقنيات التقطيع الصوتي والصوري..وهذا التركيب الأسلوبي الذي يجعلنا أمام نص تركيبي يستدعي كل ما يمنح البنية اللغوية لمعانا وتكثيفا و يجعل من هذه الكتابة هي الأصعب...لأنها نص في النص ورؤيا في الرؤيا.. وانزياح في كسر مالوفية التلقي إلى ما يشبه التأمل... والى محاولة الايهام بجسدانية الحرية من خلال ايهامية توظيف بنيات تقليدية في كتابة النص الحسي، اللغة الصوفية عبر صورها ومزاجها، نص الرقية، نص الرؤيا....
إن شعرية منعم الفقير هي حيازة على الفكرة والصورة والرؤيا والعبارة مثلما هي محاولة لتحريك (الانا) الوحيدة الباسلة إزاء العالم المحتشد بالأكاذيب والتجاعيد والتناهي العقلي والتجريدي... أناه التعويضية تلك تمارس تعاليها من خلال لغة باهية أنيقة وساحرة نابضة بحيوية اللهفة والانثيال والاعتراف تبرزخ علائقها مع استيهامات نص الجسد الشهواني والحلولي..إذ يصير الجسد أحيانا هو القوة الايروسية المقابلة للانا.. " جسدك بيت ماهول بنظرتي ولمستي " الجسد هنا يتعالى عن لحظته الفيزيائية الى لحظة صوفية يتبادل فيه الشاعر إشباعه بين الجسد / البيت وبين النظرة واللمسة وبين القلب والعقل وهذه الصورة المتحققة تتكشف عبر دفق من التواليات الحسية والعرفانية والمداخل الصوفية التي ترى في الحاضر ما يراه الغائب من خلال ما يقوله في كتاب الرؤيا.
" لا مقام لمقامي
ولا زمني الزمن
لا حدود لحدودي
وفضائي روحي
حاجة الحاجة جسدي
ومن حاجاتي تعرف سيميائي "

إن دالة ألانا لا تكفي بحضورية الجسد كمصدر للذة، قدر ما تجعله مصدر إيحاء دائم يجعله الفقير مصدرا للتأويل والقراءة والرؤيا، اذ تأخذ هذه الرؤيا قوة المحبس وطاقة الكشف وبالشكل الذي يجعل نصها / كتابها محاولة في تدوين موفق من العالم والجسد والعقل والقلب والأرض والروح، لان الرؤيا هنا هي الوجود متشيئا ومتورطا في نوبة عري أو نوبة انزياح...يأخذ التصريح بالكتابة شكل الاعتراف الذي يواجه الخطيئة وخطيئة العالم مغتربا وفاقدا لحريته ولذته وكينونته وتحققه
رأيت أن الروح متاهة الجسد
رأيت أن الجسد وطن
رأيت أن الجسد هم الروح وهم الجسد الروح
رأيت أن لا نزهة لروح من وحشة الجسد
رأيت إن فضاء جسدي فضاء الكون وفضائي
ان كتاب الرؤيا هو كتاب (ألانا)العالية التي تؤسس لما بعد اغترابها اذ يجعل نصها نصاً محوريا، نصا صانعا ، نصا كونيا يوظف تقنية الكشف والتصريح بالعبارة والرؤيا في المباهاة عن قوة هذه ألانا، القوة الفلسفية التي تتجوهر عبرها الروح والجوهر والمعنى إن منعم الفقير برشاقة لغته وكثافتها يجعلنا أمام نص يملك الحياة والدهشة بامتياز، يحيلنا إلى اصل اللغة في الإيحاء وفي أن تكون جسدا.. قصائده مليئة بالتفاصيل الحسية والمحمولات الصوفية.. والجمل المقطوعة التي تكتفي بذاتها.. وكأنه يمنحنا إحساسا بان لغته هي كتابة في التعويض ونزوع نحو الإشباع.. وهذا الإيحاء الايروسي يجعله يتعاطى مع بنية الجسد وحضورية المرآة باعتبارها تأويلا في اللذة والمعرفة ، يتكامل بهما الموقف من العالم.. انه يصنع جسدا لايمكن إقصاؤه ويقترح امرأة هي الساحرة والباعثة على اللذة.. الجسد فضاء فلسفي جوهري يحرضه على التوليد والانثيال في لعبة الوجود.. والمرآة هي سيولة (أناه) نحو الإشباع لذا يبدو الطريق إلى تلمستهما قيد التشكن دائما قيد صناعة الحضور واستدعاء التفاصيل الحسية بدءا من الثوب والنافذة والغرفة والغبار والحقل والحائط والشمعة والسرير وصولا إلى الحلول الذي يجعله في نوبة عاتية من التماهي والتبادل والإفراغ.. منعم الفقير يأخذنا إلى عوالمه إلى زمنه إلى لغته بغواية من يذهب إلى لحظة الأنثى.. ليتكشف العالم عاريا طفليا، باحثا عن توافق قديم مع الطبيعة..

كاتب المقال شاعر وناقد عراقي مسئول الشؤون الثقافية في الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق
[email protected]