ليس الهدف من استخدام الاسطورة في المسرح أن نجعلها مقبولة واقعيا، وانما الهدف هو ان تغني المسرح حتى يكون اكثر شاعرية وحلمية وخيالا، لان المسرح الاكثر تطورا وطليعية هو الذي يساهم في ان يجعل عالمنا المعاصر اكثر احتمالا وأقل عنفا. فكما تمر أزمنة غير مفهومة، كذلك يمر الانسان بالمكان الغامض، الملئ بالاسرار، فيبدأ لغز الحياة، وكما يمتلك الزمن اسطورته، كذلك المكان غني باسطورية الزمان. وبما ان المسرح هو مكان مكتظ بالزمان و زمان مكتظ بالمكان، اذن ليس لغزا ان يكون المسرح واقعا اسطوريا، وان تكون الرؤياالاخراجية رؤيا مثيولوجية بصرية.
فقبل نشوء الفلسفة شكلت الأسطورة ـ التي فسيرت العالم والكون أبان طفولة الانسان ـ الأسس الفلسفية للحضارات القديمة كحضارة وادي النيل والرافدين والحضارة اليونانية وحضارات الأبيض المتوسط، فامتلأت ساحات المدن ومعابدها بالطقوس البدائية والنصوص الأسطورية و الدينية واللتورغيات التراجيدية. التي لها امتداداتها وانعكاساتها في حياتنا المعاصرة، فيدهشنا الان العقل المشاكس لإنسان الحضارات القديمة الذي اعتمد السؤال كمنهج لتفسير الظواهر. ويدهشنا ايضا البعد الاختراقي لهذا الفن الأسطوري ـ الطقوسي. وقد امتزج الفكر الاسطوري بالتاريخي منذ البدء وحتى الوقت الحاضر. ولهذا فان مارسيا إلياد يؤسس ايضا بان الفكر الاسطوري لم يزول نهائيا في مكونات الفكر الانساني عموما بل مازال موجودا ولكنه تغير بشكل جذري.
وعندما امتزجت أسطورة الإنسان وأحلامه العجائبية المدهشة بالحياة الاجتماعية، تشكل الفضاء الطقوسي ـ الأسطوري والحلّمي والواقعي للمسرح. لذا فان المسرح كفضاء ابداعي... هو طقس مثيولوجي له علاقة بالحاضر دائما، هذا الزمن الذي تتلامس فيه ازمنة الماضي والمستقبل لتخلق زمنا ابداعيا رابعا هو البعد الرابع للزمن والفضاء في الطقس البصري المسرحي.
وبالرغم من ان المسرح كان ومازا ل مرتبطا بالمثيولوجيا والطقوس الدينية لمختلف المجتمعات القديمة، إلا انه يعبر بشكل بصري عن التصورات والأسس الفكرية والفلسفية والمشكلات الاجتماعية للمجتمع والانسان كفرد وذات ديناميكية متفاعلة. ولهذا فان أي تفكير بجوهر وماهية المسرح هو بحث قوامه وطبيعته اجتماعية فلسفية وجمالية وفينومينولوجية ـ ظاهرا تيه ـ ومثيولوجية أيضا..

وتأسيسا على هذا هل يمتلك المسرح المعاصر وخاصة في عمل الممثل والمخرج مثيولوجيته المعاصرة ؟ اذن ماهي الاسس التي تكّون هذه الفرضية؟
ان أهم الوسائل التي تجسد مثيولوجية المسرح المعاصر هو النص البصري، والفضاء الابداعي للمخرج الرائي، ومن ثم جسد الممثل كذاكرة ابداعية مطلقة وخزين مثيولوجي وهذا يعني تحقيق فن الأسرار والنوايا الخفية للمستحيل المسرحي، انه رؤيا السر المباح لتكامل مثيولوجية و بصرية العرض الطقسي.
وهذا يدفعنا للتركيز على الذاكرة المثيولوجية لجسد الممثل وايضا على ذاكرة الاشياء الموجودة في الفضاء الابداعي للممثل والمخرج المعاصر.
فيمكن التأكيد على أن جسد الممثل يشكل لغة بصرية في الفضاء، وهو ذاكرة وخزين حركي وبصري مثيولوجي، لان الممثل يتعامل دائما مع الزمن الفني والإبداعي. ان وجود الممثل في الفضاء في علاقة ديناميكية مع الآخر ومع المادة او الشئ من اجل انتاج الصورة الشعريةـ البصرية غير الكلامية التي تمس الزمن الميتافيزيقي، لان جسد الممثل يمتلك طاقة ابداعية تعبيرية يمكن اطلاقها من خلال مفاهيم انتونين آرتو وغروتوفسكي ومايرهولد وطقوس الوجدالديني ـ الصوفيالاسلامي.
ولهذا فان فضاء الطقس المسرحي يكون مُعَبِراً فقط من خلال لغة الهذيان الابداعي للجسد وارتباطه بالمادة او الاشياء التي يتعامل معها. ان هذيان الجسد التعبيري يؤدي الى هذيان الاشياء المحيطة، فيعديها ويحدث نوع من التحول في وجود الاشياء التي يتعامل معها الممثل(كما هو الحال مكونات فضاء مسرحية الكراسي ليونسكو) وعندما تدخل هذه الاشياء في العملية الفنية او في المملكة التعبيرية للمخرج و للممثل فانها تفقد وظائفها الحياتية الواقعية ويمنحها الممثل والعرض معاني ووظائف جديدة لها ايقاعها ومكانها في الفضاء والزمن.
ان غروتفسكي ومايرهولد و بيتر بروك والامريكي روبرت ولسن و Pina Bausch واريان منوشكين ويوجين باربا وبعض عروض المسرح العربي وخاصة عروض المخرجين التونسيين مثل فاضل الجعايبي ومحمد ادريس والجبالي والمنصف الصايم وعز الدين كنون وحاتم دربال وصلاح القصب وغيرهم يتعاملون مع الممثل كجسد له ذاكرة وبعد مثيولوجي بصري ينتج لغة بصرية للتواصل مع الجمهور.
ولو استخدمنا جسد الممثل (وليس المقصود ذاكرة الممثل) باعتباره ذاكرة حية لها امتداداتها المثيولوجية والتاريخية للتعبير عن تكامل الزمن الابداعي، لفرضَ هذا الامر ان يكون الممثل وجسده مهيئا للتعبير بصريا عن تلامس الازمنة الثلاث الماضي والحاضر والمستقبل، لينتج بعدا رابعا هو البعد الابداعي كما أشرت توا.

دائرية اللحظة الابداعية وكينونة الممثل المتوهجة
وتحقيقا لهذا يمكن ان نورد مثلا من المأساة الاغريقية المعقدة اوديب الملك لسوفوكليس باعتبار ان الزمن الابداعي الذي يرغب الممثل من خلاله للتعبير عن ابعاد هذه المأساة هو زمن يتلامس ويتداخل فيه الحاضر (انتصار اوديب على وحش المدينة وزواجه من الملكة ـ امه ـ) بالماضي (التاريخ الذي يجب ألا ينساه الممثل، وهو محاولة قتل اوديب الطفل و التخلص منه برميه في العراء ليموت خوفا من تحقيق النبوءة التي تفترض ان يقتل أباه ويتزوج امه) بالمستقبل (ا أي لذي يحتم اصرار البطل لملاقاة قدره عندما يكتشف الحقيقة حتى وان ادى ذلك الى انهياره المأساوي المريع،لان البطل من خلال هذه الحقيقة ينقاد كالذبيحة المدنسة الى مصيرها الجحيمي).
إن هذا التحليل يربط المأساة وبعدها المثيولوجي بالمعاصرة ويخلصها من كونها ميثاق تنبئي كتبته الالهة ضد الا نسان متمثلا بالملك أوديب فقط فتتحول الى مادة دراسية لعلم النفس (فرويد)لدراسة سايكولوجية الانسان المعاصر. وفي المسرح فان الممثل في الوقت الذي يفكر في حاضر الحدث والشخصية (الان) (كنتيجة) عليه ان يبني أبعادها وان يستمد لغته البصرية التعبيرية ارتباطا بتأثير الماضي المأساوي (لأوديب) ممتدا للمستقبل الذي هو الاكثر رعبا ومأساوية (كما هو الحال مع مصير البطل). لان سعادة الحاضر القصوى بالنسبة لأوديب، نتيجة لانتصاره وتتويجه ملكا بعد زواجه من الملكة ممزوجة بتلك اللعنة التي اطلقتها الالهة بحقه في الماضي (النبوءة) عند ولادته ومرتبطة أيضا بالانهيار المأساوي المستقبلي.
اذن حاضر الممثل والشخصية هو في ذات اللحظة ممتد الى الخزين االتاريخي والاسطوري للماضي وما ستكشف عنه الحقيقة في المستقبل الذي يعتبر ألتحام بالماضي وعودة للنبوءة. اذن اللحظة الابداعية تبدأ لدى الممثل من الحاضر وتلامس الماضي والمستقبل لتعود الى الحاضر مرة اخرى بحركة دائرية. وهذا يدفعنا الى الافتراض بدائرية اللحظة الابداعية التي يتحرك فيها الممثل في فضاءه الوجودي والسينوغرافي، وعلاقته بالأشياء التي تمتلك كينونتها الديناميكية في فضاءها الطقسي البصري أيضا الذي لا يتكامل الا بوجود الممثل ككينونة مبدعة انطلاقا من الحقيقة التي يوردها كارل يسبرز والتي تؤكد على ان (كل وجود يبدو في ذاته مدورا) وكذلك ماكتبه فان كوخ (ألا غلب هو ان الحياة مدورة). فلو تصورنا دائرية اللحظة الابداعية بهذا الشكل لاكتشفنا بان اللحظة الابداعية تكتمل عندما تحمل صور ومكونات الحاضر لترتد الى الماضي وتغتني به وتحمل تنبؤات المستقبل ومرة اخرى تدور نحو لتعود الى الحاضر. ان هذه الحركة تؤدي الى غنى حقيقي لفعل الممثل الابداعي والى التلامس الزمني (للأزمنة الثلاث) الذي من خلاله يتحول جسد الممثل الىذاكرة وخزين مثيولوجي ومن ثم الى تكاملية اللحظة الابداعية.
وبالتأكيد فان مثال الملك أوديب يوضح الاسلوب الذي سيتبعه الدراماتورج في المستقبل لكتابة نصهالبصري المستقبلي، وكذلك بالنسبة الى الممثل الذي سيكتب نصه البصري في المسرح الذي يمكن ان نطلق عليه مسرح البعد الرابع البصري والرؤيوي. وهذا المفهوم يمنح غنى وامتلاء للزمن في العرض المسرحي
البصري (الان) لانه في الوقت الذي يؤكد فيه على حاضرية العرض الذي يحدث أمام المتفرجين ويضج في دواخلهم، وحاضرية اللحظة الابداعية، فان زمن الطاقة التعبيرية للممثل يتلامس مع الماضي والمستقبل في ذات الوقت.

مخرج وباحث مسرحي
كوبنهاكن شمال الكوكب