لقاء مع المسرحي العراقي حازم كمال الدين
حاوره فاضل خليل: حازم كمال الدين فنان عراقي غادر وطنه الى المنفى عام 1979. بعد رحلة طويلة في عدة دول عربية استقر في بلجيكا حيث يفقيم ويعمل منذ عام 1987. وهو مدير محترف صحراء 93 المسرح سابقا والمدير الفني لجماعة زهرة الصبار المسرحية حاليا. من أعماله على صعيد الكتابة المسرحية: 1994 زرقة الرماد، 1997 سلالم الصمت بالإشتراك معالزه هايب ، 1998 ساعات الصفر، 2000عين البلح بالإشتراك معالزه هايب، 2000 الشجر الحزين، 2002 عاصفة من اللوحات، 2002 منفى بالاشتراك مع لوك نيس، 2003 العدادة، 2003 سيدة الوركاء. ومن أعماله على صعيد الاخراج: 1978 حكاية الرجل الذي صار كلبا، 1979الملك هو الملك ورشحت لجائزة أفضل إخراج في العراق للموسم المسرحي 1978 ـ 1979 لكن المخرج هرب حفاظا على رأسه، 1980 محاكمة الرجل الذي لم يحارب، 1994 زرقة الرماد وقُدمت في الندوة الفكرية المسرحية العالمية المنعقدة على هامش مهرجان المسرح العالمي ـ بروكسل ، 1995 ظلال في الرمال وشاركت في مهرجان المسرح العالمي ـ بروكسل ، 1996 دماغ في عجيزة شاركت في مهرجان المسرح العالمي في أوكرانيا وفي مهرجان AIDA في أمستردام ـ هولندا وكذلك في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي، 1997 سلالم الصمت، 1998 ساعات الصفر شاركت في مهرجان المسرح العالمي في ويلز ـ بريطانبا، 2000 عين البلح، 2001، رأس المملوك جابر، 2002 عاصفة من اللوحات، 2003 العدادة، 2003 المأتم، 2003 بيت القصب، 2004 الأسفار... * كيف ترى واقع الفن المسرحي في العراق الآن؟
- في تجربتي كمنفي عاد الى وطنه بعد قطيعة عقدين ونصف وجدت أن الفنان العراقي دافئ وحميم سواء كان من الشتات أو من الداخل. سواء كان قد تعامل (مجبرا) مع نظام صدام أم حكم عليه بالصمت. سواء باع صوته وجسده للمسرح التجاري تجنبا ل (بيع الروح) الى الجلاد أو تعامل مع المسرح الجاد الذي حاول (بعضه) الحفاظ على القيم المسرحية الجيدة. لقد أزالت تجربتنا خلال ثلاثة شهور حواجز بناها صدام حسين لعقود.
في تجربتي الشخصية التقيت بعقول مسرحية مبدعة في العراق، وكل ما تحتاجه هذه العقول هو وصلها عما انفصلت عنه. لقد أجهد صدام حسين نفسه في تغييب التجارب الفنية المعاصرة عن الفنان في الداخل، بيد أن الفنان العراقي، مع ذلك، لم يمت وهذا أمر ليس بالغريب لأنه حدث في التاريخ الانساني للكثير من المبدعين.
إن موهبة المتنبي لم تتأثر بحقبة تاريخية مظلمة أو مضيئة. كما أن الدعوة الاسلامية قد انتشلت مكة من الظلمات وأضاءت التاريخ. لقد أبدع ناظم حكمت في ظلام الزنزانة، عاش جروتوفسكي في عصر الستالينية البولندية المظلم، تبلور ابداع ستانسلافسكي ومايرخولد في عصر ستالين اللعين الذي منع كل أنواع المعارف! أنت تعرف أن الفنان الحقيقي قادر على الابداع حتى اذا ما وضعته في السجن، وحتى اذا ما فرضت عليه الجهل. المبدع لديه ميكانيزمات للحفاظ على معارفه وتطويرها وتحويل جحيم الظلمات الى ثورة من الضياء!
أما واقع المسرح العراقي اليوم الذي توفرت لي مشاهدته فهو واقع مسرحيين صامتين وعروض مسرحية متناثرة تقدم بناء على ثيمات محددة (الممثل الواحد، مسرح الطفل..) في أوقات غير مسرحية نهارا (يذكرني هذا الوقت أكثر ما يذكرني بزمان القرون الوسطى الاوربية حيث كان يقدم موليير اعماله المسرحية بعد الظهر خوفا من الوضع الامني لذلك الزمان). العروض المسرحية الخارجة عن سياق ثيمة محددة هي عروض قليلة جدا ومتناثرة بعضها يقدم في مراكز ثقافية غربية وبعضها يحضى بدعم غير مبرمج من وزارة الثقافة وبعضها لفنانين عادوا من شتات المنافي. يوجد في دائرة السينما والمسرح اكثر من 400 فنان وهم من الناحية التقنية عاطلون عن العمل اذا ما قورن هذا العدد الكبير بعدد الاعمال المسرحية المقدمة منذ سقوط صدام حسين حتى اليوم. لا توجد في العراق آلية توزيع افقي للمسرح بل ثمة مركزية عمودية تتمثل في حصر الفن المسرحي في عاصمة البلد وفي دائرة السينما والمسرح تحديدا! وهذا النقد مقصود به وزارة الثقافة التي تعاني من غياب سياسة ثقافية واضحة في شأن المسرح.
* ما هي رؤيتك لمستقبل المسرح العراقي؟
- لقد قيل الكثير حول هذا الموضوع وليس بودي أن أكرر. لهذا سأجيب الجواب التالي: حين عدت الى وطني لم أجد أي كلمة عن مسرح السلطة السابقة. لم نخض نقاشا واحدا لموضوع هبوط المستوى المسرحي الذي تسبب به نظام صدام في (المؤسسات التي انتجت وتنتج فنانين مسرحيين مثل الاكاديمية والمعهد) والفرق المسرحية وآليات عملها ومشكلة الاخلاق المسرحية المرتبطة باخلاقيات النظام السابق.
أكثر من ذلك أدهشني أن أرى حتى بعض من كان يشرّع لمسرح سلطة صدام وهو ينشط دون أن يتعرض لأي نقد أو مسائلة! هل هذا يعني صلح شامل مع غوبلزات الثقافة؟ أم هل ثمة حقا أرباب سوابق (من النظام السابق) فاعلين في قلب المؤسسة الثقافية الجديدة؟
لقد غاب منذ سقوط النظام القديم المسرح التجاري في العراق وهذا أمر يحسب لصالح الوضع الجديد، لكنني لا ادري ماذا سيحدث اذا ما تحسن الوضع الامني. ان حقيقة كون الفنانين يجلسون في (مسطر) على طاولات المسرح الوطني ستدفعهم من جديد، هكذا أعتقد، اذا ما تحسن الوضع الامني الى العودة للعمل في المسرح التجاري، وبخاصة في ظل غياب سياسة ثقافية وعدم دعم الوزراة لتأسيس مشاريع مسرحية مستقلة.
أنا أقرأ في الصحافة العراقية أمورا غريبة من مثل أن وزارة الثقافة غير معنية بتأسيس مشاريع مسرحية جديدة: (وقد نبه الوزير السابق "مفيد الجزائري" على ان المستقبل الحقيقي هو للفرق الاهلية لان عراق المستقبل هو عراق رأسمالي انتاجي ينحسر فيه الدعم الحكومي للانشطة الثقافية والحقيقة ان المستقبل قد يشهد نموا ثقافيا من دون عطاء حكومي وذلك بالاعتماد على مؤسسات المجتمع المدني ودعم الشركات مقابل الدعاية وتشجيع الحكومة بتخفيض الضرائب او تقديم التسهيلات للجهات التي تدعم الفعاليات الثقافية) هكذا كتب كريم شغيدل في جريدة الصباح.
في هذا الأمر مشكلة!! أنا لدي مؤسسة مسرحية مستقلة في بلجيكا تحظى بتمويل من وزارة الثقافة البلجيكية بشكل دوري، كل أربع سنوات، ودون أن تتدخل الوزراة لا بمضمون ولا بتوجهات فرقتي المسرحية. أما احتكام الوزارة الوحيد فيعود إلى المستوى الفني. والمستوى الفني يتحدد بناء على رد فعل المشاهدين، على تطور نوعية وكمية المشاهدين، رد فعل النقاد والصحافة، ردود الأفعال العالمية، رد فعل فروع الجامعة المختصة بعلم المسرح، ردود أفعال طلبة المعاهد المسرحية ومن ثم بناء على موضوعية تطور الفرقة قياسا بالدول المجاورة لبلجيكا مثل هولندا فرنسا المانيا انجلترا.. الخ.
ثمة موقف ذكي من الدولة البجليكية يركز على تمويل الفرق الجادة (تجريبية، تقليدية وطليعية) وعدم تمويل الفرق التجارية. في بلجيكا لا تعني الرأسمالية أن المشهد الثقافي يشهد نموا ثقافيا من دون عطاء حكومي!! أما دعم الشركات مقابل الدعاية فهذه تعتبر دعارة ثقافية في بلجيكا. الوسط الفني والثقافي يحكم على مصير الفنان الذي يعتمد التعامل مع شركات رأسمالية مقابل الدعاية أو مقابل شيء آخر بالنسيان!! إن المؤسسات الثقافية البلجيكية (وبلجيكا دولة رأسمالية) تحضى بدعم الدولة، وأنا أتحدث عن مؤسستي التي تحضى بدعم بقيمة 85% من مجمل ميزانية الفرقة المالية بشرط أن تثبت الفرقة في نهاية الفترة بأنها قد حققت مدخولا لا يقل عن 15% من مجمل ميزانية الفرقة! أي أن 85% من تمويل المؤسسات المسرحية المستقلة الأساسي هو تمويل من وزارة الثقافة.
مطلوب من وزارة الثقافة العراقية في ظل سياسة السوق المفتوح أن تتصدى للمسرح التجاري ليس عن طريق السياط وانما عن طريق تشجيع ودعم المسارح الجادة والتجريبية بأنواعها المختلفة والعمل على تعميم مفهوم (نسبية الجودة الفنية) وأن تحافظ على ارث المسرح العراقي الجاد والتجريبي وتسهم في دعم تأسيس مشاريع مسرحية معاصرة ترأب الصدع بين موهبة الفنان المسرحي الكبيرة وبين ما وصله من معلومات وممارسات عن المسرح المعاصر. هذا يعني دعم تأسيس فرق مسرحية مستقلة، دعم تأسيس مراكز بحوث مسرحية تعنى بالتجارب الجديدة المعاصرة اليوم وتعنى بموضوعة التفاعل الثقافي بين المثقف المسرحي في الداخل والمثقف المسرحي في الشتات، بين الفنان في الداخل والفنان غير العراقي، انشاء مسارح وطنية في المحافظات، تشجيع انشاء فرق مستقلة في المحافظات ودعمها ماليا، انشاء مراكز ثقافية تستقبل العروض المسرحية الوافدة من محافظات معينة إلى أخرى. هذا يتطلب تخطيط (اورغانوغرام organogram) واضح وشفاف لاسلوب انتشار العروض المسرحية أفقيا وعموديا، في العاصمة وفي المدن الاخرى.
العالم خارج العراق مكون من مسرح معاصر تلتقي فيه كل انواع التجارب المسرحية غير المعروفة لدى الفنان العراقي (المسرح الجسدي، مسرح الطقوس، الرقص المعاصر، مسرح ما بعد الحداثة، مسرح الشارع، السيرك، الكباريه، الأوبرا، مسرح الكلام، التوليف بين مختلف هذه النظم المسرحية...). هذه النظم المسرحية بحاجة الى ان تصل الى العراق عن طريق وسطاء، وبالطبع فأن أحد الوسطاء الهامين في هذا المجال هو الفنان العراقي الذي تعلم هذه التقنيات (بفضل صدام الذي نفاه عن أرضه!). أي أن الدعوة الى استقطاب المسرحيين العراقيين في الشتات يجب أن تتعدى كونها دعوة مجاملة أو تخلص من الاحساس بالذنب أو هدف للكسب السياسي وانما في احد جوانبها دفع دماء جديدة في المسرح العراقي المعاصر ومساهمة في التخلص من الاستلاب الذي وضعنا في مأزقه جميعا صدام حسين: استلاب البوابات المقفلة في الداخل واستلاب اقتطاع الجذور في متاهات الكآبة في الشتات.
كل ما تحدثت عنه حتى الان يجب أن يشيد الى جانب تشييد معرفة جديدة للنقد، معرفة تدرك المهنة المسرحية وتتمتع بوعي واسع ونقد معاصر. وهذا ممكن عن طريق استحداث فروع لعلم المسرح في الجامعات العراقية أسوة بالجامعات خارج العراق. إن استحداث هذا الفرع في الجامعة ضرورة لتطوير المسرح العراقي بمنهجية، والا بقيت العملية المسرحية أسيرة نقاد غير متخصصين بالعلوم المسرحية أو صحافيين يتحدثون بلغة أهل السبعينات دون أن يعرفوا الكثير عن خبايا المسرح اليوم. وأخيرا أود أن أستدرك بأنني رغم ذلك فقد قرأت هنا وهناك لبعض الكتاب مقالات ممتازة عن المسرح.
* آخر عمل لك على المسرح؟
- آخر عمل على المسرح كان مسرحية الأسفار التي قدمت في مهرجان المسرح العربي في عمان ثم في بلجيكا وألمانيا وهي انتاج بلجيكي عراقي مشترك بين الفرقة الوطنية العراقية للتمثيل وجماعة زهرة الصبار المسرحية البلجيكية.
* هل هناك مشاريع جديدة؟
- نعم توجد مشاريع جديدة في بلجيكا وفي بغداد. على صعيد الكتابة انتهيت توا من كتابة نص جديد يحمل اسم (صيف قائظ) أرسلت لك نسخة منه عبر الانترنت وثمة خطة لانتاج هذا العمل في بلجيكا خلال الأشهر الستة القادمة. في بغداد أبحث حاليا عن شريك لتقديم عمل يحمل اسم (سيدة الوركاء) وهو عمل يحكي عن رحلة وجه سيدة الروكاء الذي تعرض للسرقة ابان سقوط النظام. رحلة أزمانها مفتوحة على كل العصور، أما أماكنها فأروقة المتحف الوطني، عميقا في الطين، في صهريج المتحف، بين يدي ضابط، بين يدي لصوص، بين يدي جلجامش والى جانب أصنام مكة.
* ما هي قناعاتك بعملك المسرحي؟
- قناعاتي بعملي المسرحي نسبية. يحزنني أنني غير قادر على أن أرضى عن أعمالي المسرحية رضا كامل. لدي شعور دائم أن ثمة ماهو ناقص وكثيرا ما ارى ذلك النقص. كما إن لدي شعور دائم أنني بحاجة الى تمارين اكثر لكي اقدم العمل بطريقة تتوازن مع ما خططته في رأسي. أنا أعرف ما أفعل وأعرف أين يقف المسرح الذي انتجه في خارطة المسرح المعاصر وهذا هو أحد الأسباب التي تثير لدي دائما أسئلة جديدة ومنها: موضوع المشهد المختفي.
في عروض المنتدى لمسرحية (ساعات الصفر) تعاملت مع موضوع المشهد المختفي باعتباره مشهداً مرئيا وبحثت في تأثير المشهد المختفي على العملية المسرحية ومن ثم بعملية اللقاء مع المشاهد. كان ثمة مشهد يجري في شناشيل منتدى المسرح حيث لا نرى ولا نعرف ما يجري هناك، لا المشاهد ولا الممثلين. كنا نستقبل فقط مجموعة كودات صوتية باعتبارها حضورا صوريا للمشهد. استخدمنا بعض أصوات الفضاء واصداء الاصوات في المبنى القديم، بعض من صرير الابواب، فتح الشبابيك وغلقها، المشي في الممرات، بعض أصوات الفجوات السرية الحية: صدى فجوات ما تحت السلّم، الممرات العليا، داخل الغرف المغلقة ومع حديقة المنتدى. وكان سؤالي الدائم هو: هل يمكن أن تتحول منظومة الصوت الى منظومة صورية؟
أنا مشغول باسئلة من قبيل ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه أساليب العرض البدائية أو الما قبل مسرحية (الحكواتي كمثال) في مسرح ما بعد الحداثة؟ هل يمكن تحول الحكي من موضوعة سردية الى فعل دون السقوط في التصويرية والتشخيصية؟ هل يستطيع الحكواتي أن يتشظى فيستحيل كل منا الى حكواتي: المشاهد والممثل والمخرج.. الخ؟ هل يمكن لنا ان نوزع مراكز التركيز على الحكاية بطريقة أفقية تداعياتية وليس عمودية هيكلية؟ هل يمكن التعامل مع التكرار العربي بطريقة تأويلية وليس بطريقة تقليدية أو فولكلورية؟ بمعنى آخر، هل يمكن أن يتحول الحكواتي بمرونة، مستجيبا لوسائل التأويل الجديدة الى موضوع معاصر؟ موضوع حركي؟
هذه الأسئلة كما ترى تقودنا من الخاص إلى العام: إلى أي درجة يمكن أن يكون أسلوبا فنيا ما خالدا؟ هل من الممكن أن (يموت) أسلوب تمثيل أو طريقة عمل ما؟ هل تتقادم الأساليب ويتجاوزها التاريخ؟ من يحدد تقادم أسلوب ما وتجاوز التاريخ له؟ من يؤرخ لقوانين العمل الفني ويمنح هذه الطريقة في العمل لا تلك حق الخلود؟ من يحدد التطور الفني لفترة زمنية معينة؟
أنا مشغول كذلك بموضوع التوليف والتأليف بين الحركة والحوار بحيث لا يكرر أحدهما الآخر. موضوع العلاقة بين مسرح اللا سببية واللا نتائج بالاحساس العربي. تشغلني قضية الاختزال والطريق السلبي للبحث في العملية الابداعية، اللا انتاجية في المسرح....
* ما هو رأيك بتمثيل المسرح العراقي في المهرجانات العربية؟
- اشم في سؤالك رائحة! أولا المسرح لم يولد لكي يعيش في المهرجانات. المسرح اولا واخيرا لقاء حي بين المشاهد وفناني العرض المسرحي. اما تقديم العروض في المهرجانات المسرحية، على أهميته، فلا ينبغي ان يكون هو الهدف. عموما ليست لدي شخصيا مشكلة مع موضوع التمثيل هذا. لدينا في أوربا التقليد الآتي: اي عمل يشارك في تمثيل دولة ما في مهرجان مسرحي ما يتم اختياره بناء على اتفاق بين منظمي المهرجان وأصحاب ذلك العمل سواء كانوا فرقة أم شخص، ولا يتم بطريقة مركزية تحددها بيروقراطية الدولة او الوزارة. اما ما يحدد العلاقة بين منظمي المهرجان والفرقة فهي مجموعة من العلاقات التي بنيت خلال فترة من الزمن تكون قد سمحت بخلق مصداقية فنية ما بين تلك الجماعة الفنية ومنظمي المهرجان. أمامي الان برنامج منظمي مهرجان المسرح العالمي في بروكسل للدورة الحالية والذي استضاف عرض مسرحيتنا (الأسفار). السيدة فري لايزن رئيسة المهرجان تقوم بزيارات دورية لمختلف بقاع العالم لمشاهدة العروض المسرحية وبناء على تذوقها الشخصي تختار هذا العمل وتلك الفرقة. اما عروضنا الوطنية البلجيكية التي تشارك أيضا في المهرجان فيساعدها السيد كريستوف سلاخمويلدر دراماتورغ المهرجان كما يساعدهما عدد من النقاد في اختيار العروض التي تشارك في المهرجان.
لدينا في العراق والدول العربية تقليد غريب من نوعه هو أن الدولة ترشح عملا ما لاجل ان يشارك في مهرجان ما وليس منظم المهرجان!
إن اختيار الدولة لا يعطي صورة واضحة عن ملامح المسرح العراقي اليوم لانه باختصار خاضع لمعايير غير فنية في الكثير من الاحوال. معايير تحددها العلاقات في الكثير من الأحيان. إن اختيار الدولة للعمل الفني يخلق أجواء من النميمة والمحسوبية والبيروقراطية تحيط بالعمل المسرحي وهي أجواء تشابه موضوع الانتخابات في العراق اليوم حيث يتهم احمد الجلبي حازم الشعلان ويسوّد الشعلان وجه الجلبي في الصحافة.
هذا من الناحية التقنية أما من ناحية المضمون، فأنا لا أخفيك أنني أشعر بالمرارة من غياب وجوه كبيرة في المسرح العراقي عن تقديم عروض مسرحية في المهرجانات. لقد مضى زمن طويل على ذكر اسم قاسم محمد (جيل الرواد الأول) واسم صلاح القصب وفاضل خليل (الجيل الذي أصبح الان هو جيل الرواد) وفاضل الجاف وناجي عبد الأمير وشفيق المهدي وروناك شوقي (الجيل المعاصر) وكذلك أسماء كريم جثير وباسم عبد القهار ومناضل داود وكريم رشيد وهادي المهدي (الجيل اللاحق)
* كيف ترى التلقي العربي للمسرح العراقي، على مستوى الجمهور والنقد والصحافة؟
- التلقي العربي للمسرحيات العراقية هو تلقي حماسي تغيب فيه الاولويات الفنية وتتقدمه الاولويات السياسية. وهذه صفة ترسم ملامح التلقي بشكل عام بحيث يتردد الكثير من النقاد من ابداء آرائهم الصريحة خوفا من الاستهجان السياسي.
* هل ترى أهمية للمهرجانات المحلية والخارجية في تطور الظاهرة العراقية؟
- دعني أعترف لك بحقيقة انت تعرفها كذلك: إن أهم المسرحيات العراقية التي قدمت في المسرح العراقي لم تشارك في مهرجانات مسرحية. لقد كانت حاظنتها جمهورها الوطني. خذ على سبيل المثال مسرحية النخلة والجيران، خذ مسرحية هاملت لحميد محمد جواد، خذ ثورة الزنج لسامي عبد الحميد، خذ حفلة سمر لجاسم العبودي. المهرجانات المسرحية ما اضافت شيئا كبيرا للمسرح العراقي الا بقدر ضئيل. كذلك لم تستطع المهرجانات المسرحية أن تجلب مخرجين عرب كبار الى بغداد من مثل فاضل الجعايبي ورجاء بن عمار التونسيين وحسن جريتلي المصري. ورغم ذلك، نعم توجد اهمية للمهرجانات اذا كانت منهجية واذا استطاعت ان تنقل المعرفة لا ان تتحول الى منبر للجوائز والأشياء الأخرى.
* في أي جيل من الأجيال المسرحية تضع نفسك وما تأثير الأجيال السابقة على الجيل المسرحي القادم؟
- بالنسبة للشق الاول من سؤالك أنا أضع نفسي في جيل ما بعد صلاح القصب وفاضل خليل وعزيز خيون اذا صح التعامل بالاجيال. فأنا نشأت في السبعينات. أما بالنسبة للشق الثاني فإن تأثير الأجيال المسرحية السابقة بالأجيال الجديدة، بما فيهم أنا، هو تأثير بديهي الا اذا اشرعنا السيوف لنقطع رؤوس الرواد. مع ذلك، لاحظت أن ثمة قطيعة بين الجيل الجديد وأجيال الرواد أسبابها: تدمير كوادر المدارس المسرحية وقبول طلابها بناء على شروط لا تضع الموهبة أساسا، تغلغل المسرح التجاري في أوساط المسرحيين الجادين وظهور مسرح السلطة وسيطرته على الحياة المسرحية عبر انتاج أعمال من مثل زبيبة والملك. لذلك أعتقد أن الجيل القادم يحتاج الى ربطه مع الجذور، جذور ابراهيم جلال، حميد محمد جواد وقاسم محمد. أما اخلاقيات بهنام ميخائيل فنحن في أمس الحاجة لها الان في زمن ضاعت فيه الاخلاق. على كل، ورغم هذا، ما زال الفنان العراقي يتحدث باعجاب فائق عن الرواد. فلا يتم ذكر اسم ابراهيم جلال الا ويعم صمت الجلال.
إن تاريخ المسرح العراقي هو تاريخ يتوالد في نفس الحاضنة، ما عدا اطروحة مسرح الصورة للفنان صلاح القصب الذي تمرد على تلك الحاضنة، وخلق لنا أثرا وطنيا جديدا أو كنزا عراقيا.
* ما هو أفضل عمل مسرحي قدمته؟
- لا أدري! كل عمل مسرحي قدمته له نكهة خاصة. ولكن ثمة فارق نوعي بين الاعمال التي قدمتها في أواخر السبيعنات حتى أواسط الثمانينات وبين الأعمال التي قدمتها في مقر اقامتي بلجيكا. ثمة أعمال لم أكن راضيا عنها ومنها عملين قدمتهما في بلجيكا الاول عام 1993 والثاني عام 1995 وهي أعمال لم أعد أذكرها في البيبلوغرافيا، وهكذا أنت ترى يا عزيزي أن بامكاني أن اجيب على السؤال اذا قلبته فأصبح: ما هو أسوأ عمل مسرحي قدمه حازم!!
[email protected]
http://www.fadilkhalel.4t.com
الصور لقطات من عمل عنوانه "ساعات الصفر" (1998)




التعليقات