لم أعلم أبدا إن كان نادر قد قرأ قصيدة نزار قباني quot;من قتل الإمامquot; يوما لكنني أحسسته يعيش لحظة مماثلة حينما كانت عمامة الشيخ تطير وتطير لتسقط أرضا متبوعة بصاحبها وكأنّ المشهد يتباطأ كالإعادات التلفزيونية في المباريات. كانت عين الشيخ آخر ما قد لُكم ذلك النهار الذي صبّت أبواب السموات والأرض غضبها فيه على نادر.

من لكم الإمام!!؟ من لكم الإمام!!؟ من طيّر العمامة عن رأسه!!؟ لا أحد غير نادر الذي لم ير بعدها إلاّ الأرض ولم يتمسك بسواها وهو يتلقى الركلة تلو الأخرى بعدما تسارع حاملو صكوك غفران الشيخ والحائزون على مفاتيح جنانه إلى ساحة العار. ولكلّ منهم لسان حال يقول: ألا فاشهد لي عند الأمير بأنّي أول من رمى.

نادر لم يكن ليفعل ما فعله لو علم بنهايته مع المغضوب عليهم. ولم يكن ليشتري سيارة حتى، لو علم بذلك. هي ليست سوى لحظة تخلّ جعلته يشتم زوجة الشيخ المصون عبر ابنها الذي نفذ ركلة حرة ناجحة كسرت مساحة زجاج سيارة نادر وجعلت لسانه يخرج من عقاله على مسمع من شقيق quot;الإمامquot;.

quot;... تقولها عن زوجة الشيخ!!!!؟ يا شيخ يا شيخ إنزل عرضنا يشتم....quot;.. طار الشيخ ليجد شقيقه المدافع عن العرض المنتهك أرضا ونادر تلعلع شتائمه في الأجواء وتصدح لتطال الشيخ وضيعة الشيخ وحزب الشيخ ولا تتوقف عند حدود عمامته أبدا.

لم يُعرف عن نادر يوما أنه يصلي أو يصوم أو يؤدي أيّا من فرائضه الدينية، لكن ذلك لم يمنع أهل الحي من التودد إليه والتقرب منه ونسج الصداقات العديدة معه رغم اختلافه المذهبي عنهم وعن زوجته كذلك. فنادر خدوم للغاية يقوم بحمل الأغراض والحاجيات للعجائز، وتصليح الدراجات النارية للشبان، ويعطي للأطفال ما يمكنهم من الحج إلى الدكان، ويؤمن سرقة الكهرباء لآبائهم. هو شاب ممتاز للغاية بالنسبة إليهم وquot;لا يسبقه أحد بصباح أو بمساءquot;.

نادر شاب لم يتعد الثلاثين بعد بوظيفة متواضعة للغاية وزوجة وطفلين وحياة صعبة تخفف من وطأتها معشوقته الأولى والأخيرة؛ سيارة الغولف الصغيرة التي حصل عليها بعد تأمينه لقرض من وظيفته كاد يقصم ظهره.. يباركها كل صباح بمعسول الكلام، ويمسح فوق أهدابها ماءاً معطرا ببركات الفاتحة والمعوذتين وآيات الكرسي، ويشتم ويتعارك كل من يتعدى عليها أو يحاول من الصغار والكبار، ويعلّق في خلفيتها حذاء صغيرا ضاق على أقدام طفليه منعا لحسد الحاسدين وما أكثرهم.

يمارس نادر طقوسه ويمضي كل يوم إلى وظيفته دون غاليته التي يوفرها لأوقات quot;الصياعةquot; بعيدا عن زوجته وطفليه حين يعود من العمل. تستقبله العروس النائمة غالبا بكرة طبعت فوق خدها المربعات، وقشور بزر وفستق هطلت كأمطار كانون على سطحها، وضربة من هنا، ومسمار يشطب الطلاء من هناك، أو كسر لإحدى الإشارات الضوئية ومرآة خلع عنقها حين يكون نهارا غارقا في الحلاوة. وككل يوم يعزف نادر سيمفونيته المعهودة شتائم لا تنتهي يتهادى صداها في الأسماع جميلا ومنسابا لدى الجميع.

هي إذاً عادة يومية تؤسس لنوع من الحركة في ذلك الحي الهادئ الرتيب، لكن سيمفونية نادر هذه المرة لم يقدّر لها أن تكتمل...

طارت العمامة وطار صواب المدافعين عنها وطارت معهما كرامة نادر تحت وطأة الأحذية تتكاثر وتتهاوى على رأسه ورقبته وجسمه فكأنّ حروب الردّة اتخذت سبيلها مجددا إلى الذائدين عن رمز الدين وقلبه النابض.

في مثل هذه الأجواء لا بدّ أن يتضح مباشرة وquot;لا جدال في الدينquot; أن سيارة نادر حين تأتي الشرطة لإستلامها مسروقة.. من يجرؤ على مخالفة العمامة!!!؟ أم تريد مصيرا كمصيره!!؟ ويتضح كذلك أنّ نادر يقوم بأفعال مخلّة بالآداب حين يجلب فتيات إلى منزله مع غياب الزوجة والأطفال!!؟ ولا بدّ من توقيع الأهالي على عريضة تطالب برحيله صونا للعرض ومنعا للعار وإنزالا بمخالف شرعة الدين العقاب.. رغم أنّ أحدا لم ير شيئا أبدا.. لكنّ العمامة تحدثت فهل تريد أن تكذّبها مجددا!!؟

لا طبعا لا أحد يجرؤ على مخالفة العمامة وتكذيبها، ولا أحد يجرؤ على الإعتراض تجاه طرد نادر من منزله وسرقة سيارته التي زعم أنها مسروقة. لكن أحدا قي المقابل لن ينسى تطاير العمامة ومعها صاحبها على وقع تصاعد صوت طفلي نادر يلحّنان الصرخات ويجوّدانها؛ quot;هييييي هييييي بابا ضرب الشيخ.. بابا ضرب الشيخquot;.

عصام سحمراني
[email protected]
http://essam.maktoobblog.com/