مسرحية quot;صح النومquot; في دمشق عام 75
زياد الرحباني يعيد إحياء صح النوم في بعلبك
مهرجانات لبنان بين النخبويّة والعودة إلى القديم

إيمان إبراهيم من بيروت:
لطالما كان لمهرجانات لبنان موقعها بين المهرجانات العربيّة، بصفتها ثقافيّة وحضاريّة، أكثر منها فنيّة وترفيهيّة، فصفة النخبويّة التصقت بها، منذ أن أدخلت هذه المهرجانات فنون الباليه والأوبرا، والأمسيات الموسيقيّة في صميم نشاطاتها السنويّة، فنون وإن أنكر البعض، هي الأقل شعبيّة في العالم العربي. صّفة النخبويّة هذه التي يحاول القيّمون على مهرجانات لبنان نفيها عنهم، تقابلها في الجانب الآخر انتقادات بالابتعاد عن الفن اللبناني والعربي، لصالح فنون عالميّة، ميزتها الوحيدة أنّها عالميّة، فمهرجانات بعلبك وبيت الدين، حلم أي فنّان لبناني وعربي، غير أنّه يبدو حلم بعيد المنال، في ظل تعمّد القيّمين على هذه المهرجانات إضفاء الطّابع الثقافي النخبوي، مع بعض الاستثناءات، وإن كانت هذه الاستثناءات لا تخرج عن الإطار الغربي.
فمهرجانات بعلبك استضافت العام الماضي الفنّان العالمي ستنيغ، حيث غلب على الحضور الطّابع الشّبابي، لتعود وتستضيف بالتنسيق مع مهرجانات بيت الدين وجبيل المغنّي العالمي فيل كولينز في حفل عاد ريعه إلى مركز quot;سانت جودquot; الذي يعنى بسرطان الأطفال، واستضافت مهرجانات بيت الدّين هذا العام وقبل انطلاقها، الفنّان ريكي مارتن، الذي أعدّت لحفتله طائرة خاصّة حمّلت بمعدّات تجاوزت السبعة أطنان من تقنيات الصّوت والإضاءة.
فيروز في مسرحيّة quot;صح النومquot;
المسؤولة الإعلاميّة في مهرجانات بعلبك السيّدة ليلى البساط، ترى أنّ ثمّة عودة هذا العام إلى الموضوع اللبناني والعربي في بعلبك، بعد تغيّب في السنتين الماضيتين، رغم أنّ الفنّانة وردة غنّت في حفل ناجح على أدراج القلعة الأثريّة العام الماضي في ظروف أمنيّة صعبة.
هذا العام تعود مهرجانات بعلبك إلى التقليد السّائد، وهو الليالي اللبنانيّة، المخصّصة للفلكلور اللبناني، في احتفاء بالعيد الخمسين للمهرجانات، الذي تأجّل عاماً كاملاً بسبب الأحداث الأمنيّة التي عصفت بلبنان، حيث ستطل السيّدة فيروز في مسرحيّة quot;صحّ النومquot; برؤية جديدة لزياد الرّحباني.
الاتفاق مع الفنّانة الكبيرة على الاحتفال باليوبيل الذّهبي للمهرجانات بدأ منذ مدّة طويلة، والسيّدة فيروز كانت ترغب في العودة إلى أدراج بعلبك من خلال مسرحيّة غنائيّة وليس من خلال ريسيتال غنائي، خصوصاً أنّ هذه القلعة الأثريّة عرّفت على مدار سنوات طويلة بأهم أعمال السيّدة فيروز وإنجازاتها.
لماذا مسرحيّة quot;صحّ النومquot; بالذّات، التي تعتبر الأقل نجاحاً في تاريخ الرّحابنة؟
تقول السيّدة البساط quot;المسرحيّة لم تكن الأقل نجاحاً، لكنّها عرضت لمدّة قصيرة جداً في مسرح البيكاديللي في بيروت عام 1975، واندلعت بعدها الحرب فتوقّف عرضها، والقلّة من اللبنانيين شاهدوها، وهذه كانت آخر مسرحيّة لفيروز في بيروت. وأود أن أذكر أنّ السيّدة فيروز نفسها اختارت هذه المسرحيّة، التي سيشرف عليها زيادquot;.
المسرحيّة تتضمّن انتقاداً للحاكم، وعمقاً سياسياً يشبه الواقع الذي نتخبّط فيه، هل اختيرت المسرحيّة على هذا الأساس؟ تقول السيّدة البساط: quot; كل مسرحيّات الأخوين رحباني تحتوي على مضمون سياسي ينطبق على المنطقة في كل زمان ومكان، خاصّةً أن التغييرات على الساحة السياسيّة قليلة جداً، لذا ما كانوا يطالبون به في الأمس، هو نفس ما يطالبون به اليوم، لم تتغيّر المعادلة منذ ثلاثين عاماً إلى اليوم، فدلالات مسرح الرحباني تتعدّى الزمن، مسرحيّة quot;المتنبّيquot; مثلاً، رغم أنّها قصّة تعود إلى التّاريخ، لكنّها تتضمّن دلالات سياسيّة تبدو معاصرة وتنطبق على واقع اليومquot;.
في بعلبك عام 98
المهرجانات التي تبدأ مع الفن اللبناني، تختتم مع فن لبناني مع فرقة كركلا، التي بدأت تحضيراتها للاحتفال باليوبيل الذّّهبي منذ سنتين، فمهرجانات بعلبك كانت بمثابة نقطة الانطلاق للفنّان المبدع عبد الحليم كركلا، الذي يقدّم هذا الصيف عملاً فنياً يحمل عنوان quot;كلنا من لبنانquot;، وهو تحيّة إلى بعلبك والدبكة في بعلبك، وهو عبارة عن 12 لوحة راقصة، ويشارك في العمل الفنّانون عاصي الحلاني، هدى حداد وألين لحود.
إلى أي مدى سيعطي عاصي للعمل زخماً جماهيرياً لا سيّما أنّه الأكثر شعبيّة بالنسبة للجيل الشاب من باقي نجوم العمل، تجيب السيّدة ليلى البساط بتحفّظ quot;أحب أن أضم صوتي إلى صوت السيّد عبد الحليم كركلا، لأنوّه أنّ عاصي ليس وحده نجم هذا العمل الفنّي، لأنّ أعمال كركلا تضمّ عادةً مجموعة نجوم، والنجوميّة للمجموعة والفرقة، وعاصي سيضم صوته إلى صوت هدى وألين لحود، وغابرييل يمّين، لا شك أنّ عاصي يملك جماهيريّة لكنّه ليس النجم الوحيد، فالأهميّة في مسرح كركلا للرقص إلى جانب الأصواتquot;.
بين فيروز وكركلا، أربع نشاطات فنيّة تتراوح بين الأوبرا والباليه، وأغاني الرّوك، التي لم تصل لمستوى يؤهّلها لتكون فنون ذات شعبيّة في العالم العربي لأسباب تتعلّق بثقافة المجتمعات العربيّة، ما يخلق نوعاً من الانفصام بينها وبين الجمهور العربي، مع استثناءات قليلة تدخل في خانة النخبويّة المثقّفة، ما يدفع بالكثير من الفنّانين إلى التساؤل quot;لماذا لا نأخذ فرصتنا في مهرجاناتنا، عوضاً عن تحويلها إلى ثقافيّة نخبويّة، ذات مردود مادي منخفض؟quot;.
فرقة كركلا في بعلبك
الإجابة جّاهزة دوماً لدى إدارة المهرجانات، أنّها لم تتوخّ يوماً الرّبح المادي، رغم أنّها تعمل جاهدة على إرضاء كافّة الأذواق، لتخرج من إطار النخبويّة نحو أطار أكثر شعبويّة، إرضاءً لكافّة التيارات الثقافيّة والفنيّة، مع الملاحظة إنّ الفنون الشعبيّة قد تكون راقية، عكس ما يعتقده البعض، وتبقى مهمّة مهرجانات رائدة، هي التثقيف ونشر الفن الراقي، لأنّ الحفلات الصاخبة موجودة على مدار السنة.
مقارنة مع مهرجانات قرطاج وجرش التي تستقطب أهم نجوم الساحة الغنائيّة في العالم العربي، يبقى لمهرجانات بعلبك وضعها الخاص، تقول السيّدة البساط quot;مهرجاناتنا خطت خطواتها الأولى منذ نصف قرن، ومهرجانات قرطاج وجرش تحتاج إلى ثلاثين سنة لتغربل نفسها وتصل إلى هوية خاصة بها، لا ننكر أنّ مهرجاناتنا قبل سنوات كانت نخبوية، لأنّها كانت موجّهة إلى جمهور معين من المثقفين جداً، لكن اليوم اختلف الوضع، إنما بقي الهدف اطلاع الجمهور على نوعية معينة من الفنquot;.

عاصي الحلاني
لماذا مهرجانات بعلبك الدوليّة وليس العربيّة؟
كي تأخذ المهرجانات هذه التسمية، كان لزاماً عليها أن تستضيف فرقاً عالميّة لتدخل على المستوى العالمي.
وعن ما يقال عن انحدار مستوى المهرجانات في السنوات الماضية تقول السيدة ليلى quot; العام الماضي مرّ لبنان بظروف صعبة جداً، ولم نكن نعرف أصلاً إذا كنّا سنطلق المهرجانات أم لا، كما أنّنا نعمل في ظروف صعبة جداً، نحن عرضة لتغيرات متعلّقة بالمنطقةquot;.
ومع الاستقرار الأمني الذي يشهده لبنان مقارنةً بالعام الماضي، بدأ بيع البطاقات قبل شهر من موعد الحفلات، ما يؤشّر على موسم سياحي حافل هذا الصيف.