قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

مظاهرة
Getty Images
لا تبدي إدارة ترامب أي نية لرفع العقوبات عن إيران قبل إجبار طهران على الجلوس على مائدة المفاوضات

هل أن الاتفاق النووي مع إيران يحتضر جراء آلاف الجراح التي أُصيب بها، أم أنه ميت فعليا ولا أحد يقر بذلك بوضوح؟

انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الموقع مع إيران منذ أكثر من عام. وتمضي إيران قدما الآن في خرق شروط الاتفاق، إذ بدأت أولا في تخزين يورانيوم مخفض التخصيب أكثر من الحد المسموح لها به، والآن ترفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى مستويات تتجاوز نسبة 3.67% التي حددها الاتفاق.

وتعد إيران بمواصلة خرق بنود أخرى في الاتفاق حتى يحين الوقت الذي تُحل فيه القضايا التي تثير قلقها.

والرسالة القادمة من طهران بسيطة، ومفادها أن الإيرانيين يصرون على أنهم حتى هذا الشهر ملتزمون تماما بالاتفاق المعروف باسم "خطة العمل المشتركة الشاملة" ( JCPOA).

وهذه النظرة أكدتها جهة الإشراف الرقابي التابعة للأمم المتحدة ممثلة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، على الرغم من رواية البيت الأبيض التي تناقض ذلك.

بيد أن إعادة فرض العقوبات الأمريكية تعني إلحاق أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني. ويقول الإيرانيون إنهم لم يحصلوا على أي فوائد اقتصادية من الاتفاق، ويريدون من الأوروبيين أن يخففوا بشكل ما وطأة الضغوط الناتجة عن هذه العقوبات.

ويضع ذلك الأوروبيين، خاصة بريطانيا وألمانيا وفرنسا، في مأزق، إذ تجد هذه الدول نفسها عالقة بين موقفي واشنطن وطهران.

ويريد الأوروبيون استمرار الاتفاق. وقد أسسوا آلية، رغم البطء الذي تتسم به، لتسهيل مدفوعات مالية لطهران لشراء السلع الإنسانية بحيث لا تطالها العقوبات الأمريكية.

لكن ذلك لا يكفي بالنسبة لإيران، التي تريد أن تتخلص القطاعات الرئيسية لاقتصادها مثل النفط والتعدين من الضغوط التي تعانيها بسبب العقوبات الأمريكية، وهو ما لا يستطيع الأوروبيون تحقيقه، فجهودهم تصدر عن نوايا طيبة لكنها لا تتعدى ما هو أكثر بقليل من مناورة دبلوماسية لإظهار دعم الاتفاق النووي.

وفي النهاية يرجع الأمر إلى الشركات بحد ذاتها، فهي التي يجب أن تقرر أن تأخذ على عاتقها مخاطر المجازفة بالتعامل التجاري مع إيران، وليس الحكومات.

كيري
AFP
وقعت إيران الاتفاق النووي عام 2015 مع الصين وروسيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة

وكان الوصول إلى الموقف الراهن على صعيد الاتفاق النووي حتميا بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق. وعلى الرغم من الخلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها الرئيسيين في أوروبا بشأن التعامل مع "خطة العمل المشتركة الشاملة"، إلا أن الواقع إنهما يشتركان بالمخاوف ذاتها حيال إيران: وأنشطتها النووية، وبرامج صواريخها فضلا عن النهج الإيراني في التعامل مع القضايا الإقليمية.

وكانت الأحداث الأخيرة في منطقة الخليج، التي تضمنت هجمات على ناقلات النفط وإسقاط طائرة بدون طيار أمريكية بالقرب من مضيق هرمز، من العوامل التي أدت إلى تصاعد هذه المخاوف.

مع ذلك، ثمة استراتيجيتان مختلفتان، إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير، ما زالتا تعملان هنا.

لقد كان النهج الأولي هو ما اتبعته إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وحلفاؤها، إلى جانب روسيا والصين، والتي توصلت للاتفاق النووي مع إيران في المقام الأول.

في غضون ذلك، يستمر العمل في البرنامج النووي الإيراني. وربما توقف العمل في بعده العسكري، لكن لا تزال لدى إيران الخبرة والقدرة لإعادة تنشيط هذا المكون بسرعة.

وكان الهدف من الاتفاق هو الحد من الأنشطة النووية الإيرانية لبعض الوقت. ولم يكن الاتفاق مثاليا لكن كان يُنظر إليه في وقته على أنه أفضل من عدم وجود اتفاق في الأساس، وتلك ما زالت وجهة نظر جميع الموقعين عليه باستثناء الولايات المتحدة.

وكانت الفكرة وراء الاتفاق، إذا استطعت أن تركل بعيدا البرنامج النووي يمكنك أن تمهد الطريق لتأخير لحظة الأزمة، (ولنتذكر هنا أنه قبل إبرام الاتفاق النووي، كانت هناك مخاوف جدية من شن ضربات أمريكية أو إسرائيلية لتدمير البنى التحتية النووية في إيران)، وفي غضون ذلك كان ثمة أمل في أن يتغير شيئ ما في إيران.

أما بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فكان مجمل الاتفاق (اتفاق الرئيس أوباما) لعنة، يريد التخلص منها، وقد اختار بدلا عنه ممارسة سياسة "الحد الأقصى من الضغط" التي يبدو هدفها غير واضح.

كما تعالت أصوات بعض صقور إدارة ترامب مرحبة بتغيير النظام في طهران. وثمة أصوات أخرى رأت أن الهدف من الضغط هو إجبار إيران على الجلوس على مائدة المفاوضات وقبول اتفاق نووي جديد ينطوي على المزيد من القيود.

ترامب
Reuters
كان ترامب معارضا للاتفاق النووي مع إيران قبل توليه الرئاسة

وبخلاف الولايات المتحدة، يتساءل حتى حلفاؤها عما يدور في رأس الرئيس دونالد ترامب. ففي وثائق سُربت مؤخرا أرسلها السفير البريطاني لدى واشنطن السير كيم داروك، وصفت إدارة ترامب بأنها "غير متسقة، وفوضوية"، وهو ما يلقي المزيد من الضوء على تلك التساؤلات.

ويثير ما سبق تساؤلات أخرى بشأن عدد الانتهاكات التي يمكن تطال الاتفاق، قبل أن تفقد هذه الوثيقة قيمتها؟

ولنعيد صياغة السؤال السابق بطريقة مختلفة، متى نتوقف عن التظاهر بأن الاتفاق النووي له مستقبل ونبدأ في التصدي للنتائج المحتملة حال انهياره؟

ويكافح الأوروبيون من أجل الحفاظ على الاتفاق النووي قائما، ربما تكون إيران قد أساءت تقدير قدرتهم على تعوضيها عن الضغط الأمريكي.

وقلل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ببراعة من شأن الخرق الإيراني الأخير للاتفاق من خلال الإعلان عن بدء مشاورات تستمر لأسبوع في محاولة لجمع كل الأطراف المعنية بالاتفاق النووي على مائدة المفاوضات من جديد. وحتى إيران، أبدت استعدادها لمشاركة الولايات المتحدة في هذه المفاوضات حال وقف العمل بالعقوبات الأمريكية.

بيد أنه ثمة فرص ضعيفة، إن لم تكن منعدمة لتحقيق ذلك.

وفي تحديدها موعد 60 يوما لإتخاذ فعل ما، تحاول إيران السيطرة على المسار الذي تتطور فيه الأزمة. ومن الصعب أن نرى أي فوائد يمكن أن تعود على إيران إذا ما انسحبت كلية من الاتفاق.

على الرغم من ذلك، لا نرى أي تغيير كبير يلوح في الأفق. فالنهج الأوروبي يشبه إلى حدٍ بعيدٍ قصة فيلم أطفال بريطاني مشهور نرى فيها قطار لعبة يندفع بقوة نحو نهاية خط السكك الحديد الخاص به، بينما تحاول إحدى شخصيات الفيلم وضع قطعة إضافية في السكة أمام القطار لتأجيل الكارثة.

وبالنسبة للأوروبيين، المسألة هي متى ينتهي المسار (أمام القطار)؟