قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لا أخفي أني على وعي تام بكل هذا الجدل الدائر حول مدى وجود أسلحة دمار شامل بالعراق ، وبما وصلت اليه لجنة الاستخبارات بالكونغرس الأميركي ، ولحد قال فيه بعض أعضائها إن المعلومات حول تلك الأسلحة منقوصة ومعيوبة ، وأنهم لو علموا بذلك قبل الحرب لما صوتوا لصالح قرار الحرب على العراق ، ولا أخفي أن السؤال الحيوي الذي ظل يلاحقني هو : ما هو موقفي إذا كان لي أن أقف على حقيقة أن المعلومات الاستخباراتية منقوصة ومعيوبة أو لو كنت في مكانهم..!
في إجابتي أقول إن الرئيس بوش اتخذ القرار الصحيح ، ومع ذلك دعوني أعترف أن الإعلان عن تلك الأسلحة وبالصورة التي تم تقديمه بها الى الأمم المتحدة افتقد الدقة وكان ناقصا ، أو قل وهميا ، وأن الأمم المتحدة نفسها قد راوحت دورانها حول 17 قرارا لأقول إن الصحيح يبقى هو تطبيق تلك القرارات على النحو الذي فعله التحالف الدولي في غزوه للعراق ، ومن هنا جاء تأييدي لقرار الحرب باعتباره صحيحا .
ولمزيد من الإيضاح دعونا نقول بداية إن قضية أسلحة الدمار الشامل بصورة عامة من شاكلة القضايا المثيرة للاهتمام ، وقد علمنا الآن أن الإعلان عن وجودها في العراق لم يكن صحيحا ، ولكن أناسا آخرين كانوا يتدافعون حولها لإثبات عدم وجودها ، وقادت الحكمة والتحري الى أن ذلك هو ما تمت برهنته ، بمعنى أنه لا وجود لترسانة أسلحة دمار شامل. ومن جانبي ، وبرغم تلك المعطيات ، لا أزال أقول إن من الصعب التسليم بمثل ذلك الاستنتاج .
وأقول بذلك اعتمادا على فذلكة تذهب الى أننا ظللنا نجد أن هناك دائما أمورا لا نعرفها بحسابات اليوم أو اللحظة ، ولكن لا يزال هناك احتمال أن نجدها يوما كلما تقدمنا في بحثها ، ولا أخفي أنني الآن في مثل هذه المرحلة ، وقوامها ، أنه صحيح أننا لم نجد كميات كبيرة من أسلحة الدمار الشامل ، ولكني أعتقد أن الصحيح أيضا هو أن الدليل الذي رآه الكونغرس هو نفس الدليل الذي رأته الأمم المتحدة والدول الأخرى ، وقد جاءت القناعة به منهما جادة في مساندتهما لنصل الى عالم اليوم من دون صدام حسين ، وهو بكل المقاييس عالم أفضل من وجوده حاكما على ظهره ، لأن ذلك الرجل كان يقطع الرؤوس والأيدي ويلقي بالبشر من أسطح البنايات ، إنه طاغية قمعي ، وبذهابه امتلك شعب العراق الفرصة لاستعادة حريته وصياغة عراق حر سيصبح شريكا بناء في تلك المنطقة من العالم.
السؤال الآخر الذي ظل يلاحقني يتجه الى ما يشبه الاستنتاج بأن الزلة الاستخباراتية التي صاحبت أسلحة الدمار الشامل بالعراق إنما جاءت كناتج لعقيدة الاستباق التي تقول بالحصول على الخصم قبل أن يحصل علينا متى ما كان يشكل خطرا . ويهمني أن ألفت الانتباه هنا الى أن العالم كان سيصبح من غير عقيدة الاستباق أكثر صعوبة ، ففي القرن الحادي والعشرين هناك أسلحة دمار شامل جاهزة للحصول عليها ، إضافة الى أسلحة كيماوية وبيولوجية ونووية وإشعاعية ، فيما لدينا متطرفون منتشرون في العالم سبق لهم أن قتلوا أناسا أبرياء من الرجال والنساء والأطفال في بالي واسبانيا والسعودية وأميركا ، وتوالوا في مهمتهم تلك من دولة الى دولة . ومن هنا وإذا ما كان لهم أن يحصلوا على تلك الأسلحة ، فإنهم لن يقتلوا فقط 3000 بريء كما حدث في 11 سبتمبر بنيويورك وإنما 30000 وربما 300000 ، ومن هنا كان على الحكومات أن تصل الى الحكم القاطع لجهة ما يمكن عمله أمام هذه المعادلة القائمة ومخاطر عدم الفعل والتفاعل معها ، سواء بحساب المخاطر عليها وعلى شعوبها أو على الانسانية قاطبة.
وفي هذا الاتجاه تطوف بالذهن أحداث العراق الأخيرة ، وأعني قرار الحكومة الفلبينية بسحب قواتها من العراق استجابة لإنذار من خاطفي أحد رعاياها ، وأقول هنا إنه ما من شك في أي تفاوض أو إذعان لمطلب من الإرهابيين يشجعهم على سلوكهم لسوء الحظ ، ومصدر سوء الحظ هنا أن مثل ذلك التشجيع يصب في خانة مضيهم في خطف البشر وحز رؤوسهم وذلك ليس بالأمر الذي يثير الإعجاب ، ولذلك أتمنى أن تقف معظم دول العالم على الجانب الآخر ، وأعني هنا إثناء الدول التي تذعن لمطالب الإرهابيين بأن تظهر لها بأن ذلك ليس بالموقف الناجح والصحيح .
وقد يقول قائل إن عكس ما أتمناه هو الذي يحدث ، بمعنى أن موقف الحكومة الفلبينية جاء تاليا لقرار اسبانيا بسحب قواتها من العراق على خلفية حادث ارهابي ، وقد يتساءل آخر ما إذا كان الموقفان نهاية المطاف، أم أن التنازلات أو شاكلة هذه القرارات ستتوالى مستقبلا، وأقول بداية إن للدول سيادتها وهي تتخذ قراراتها كدول ذات سيادة ، ولكن وفي المقابل ، فأميركا وبريطانيا ومعظم الدول التي لها عدد ملحوظ من القوات ، والدول التي لا تملك أعدادا ملحوظة من القوات ولكنها موجودة بقوات نعتبرها بأهمية باعتبار المدلول السياسي للمشاركة والالتزام، قد أعلنت سلفا أنها لن تذعن ، وأنها لن تقدم على صناعة سلام آخر مع الإرهابيين.
وفي هذا السياق أيضا لا أقبل ما يقول به مرشح الرئاسة الديمقراطي جون كيري في أنه سيزيد من تشاوره مع الحلفاء والأمم المتحدة اذا ما تم انتخابه كرئيس ، وذلك لأن الرئيس بوش ووزير الخارجية كولن باول ، وجميعنا ، ومنذ البداية ، شرعنا في تصميم تحالف ربما يكون الأكبر في تاريخ الانسانية بنحو 80 أو 90 دولة في حرب عالمية ضد الإرهاب ، وأحسب أن نحو 26 الى 36 دولة مشاركة الآن في أفغانستان والعراق وقرارات الأمم المتحدة . والحقيقة الساطعة هنا هي وجود هذا التحالف على أرض الواقع . ولكن المشكلة التي نواجهها هي أن هناك عددا ضخما ومخيفا من دول العالم ليست لديها مؤهلات كثيرة من مؤهلات القرن الحادي والعشرين، كما أن هناك عددا آخر ضخما ، لا تمتلك ، لسبب أو لآخر ، قوات حفظ سلام ، فيما هناك دول أخرى تبدو متباطئة ، لسبب أو لآخر أيضا ، في التجاوب مع مثل هذه المهام حينما تكون هناك حاجة. وكل ذلك لا يلغي بالطبع الحقيقة القائمة بأن الصفقة تبدو رابحة مع الحصول على مشاركة الدول في هذه المهمة التاريخية . وتقديري أننا قد قمنا بعمل شاق لجهة تلك الأهداف.

* وزير الدفاع الأميركي والمقال مأخوذ من مقابلة أجراها معه الصحافي كال توماس مقدم برنامج «بعد ساعات» بقناة «فوكس» الإخبارية