الأربعاء: 23. 11. 2005
صلاح الدين حافظ
** تونس: حضرنا قبل أيام انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات, التي استضافتها تونس الخضراء.. وكما توقعنا فقد تحولت أيام القمة إلي ساحة جديدة للصراع الدولي المحتدم, خصوصا فيما يتعلق بالمعلومات التي أصبحت سر التقدم في هذا العصر..
فهذه ساحة صراع بين الانسان والتكنولوجيا, بين العقل البشري والعقل الالكتروني, صراع بين العلم الحديث والجهل المقيم, بين التقدم والتخلف, بل بين الأغنياء المتقدمين والفقراء المتخلفين, بين الحكومات ومنظمات المجتمع المدني, ثم هو صراع بين الولايات المتحدة الأمريكية المهيمنة علي تكنولوجيا المعلومات والاتصال والاعلام, وبين باقي دول العالم الأكثر تخلفا في هذا المجال الحيوي, إنه إذن صراع الحاضر والمستقبل علي كل المستويات وفي كل المجالات..
لذلك لم يكن غريبا أن تضم هذه القمة أضخم تجمع دولي في مكان واحد, يشمل نحو25 ألف مشارك مابين ممثلي173 دولة ومئات من المنظمات الأهلية وغير الحكومية, فضلا عن جيش من التونسيين الذين تفوقوا حقا في دقة التنظيم وصرامة الاجراءات الأمنية, مما أضاف انجازا لرصيد هذه الدولة الشقيقة الصغيرة المساحة المحدودة السكان نحو تسعة ملايين مواطن الشديدة الطموح..
ولكي تستضيف تونس هذه القمة العالمية, فرضت عليها الأمم المتحدة مجموعة من الالتزامات منذ قمة جنيف للمعلومات عام2003, أهمها اتخاذ اصلاحات سياسية واسعة خصوصا فيما يتعلق باطلاق الحريات العامة واحترام حقوق الانسان وحرية الصحافة والرأي والتعبير, وذلك لكي تكون المكان المناسب لانعقاد مثل هذه القمة ذات الأهمية العظمي, خصوصا أن العالم الأول الأوروبي الأمريكي دائما مايعتبر ان دول الجنوب, وفي مقدمتها الدول العربية والأفريقية غير مؤهلة لذلك!
وأظن أنه رغم الحضور الرسمي أكثر من خمسين رئيس دولة وحكومة والحضور الأهلي المكثف, إلا أن سبعة من الناشطين السياسيين في تونس, لفتوا أنظار الجميع, حين ظلوا طوال أيام القمة في حالة إضراب عن الطعام تحت عنوان الجوع ولا الخضوع, وهو عنوان أرادوا به تلخيص الموقف الرسمي التونسي, متهمين إياه بأنه لم يوفر الشروط الرئيسية لانعقاد القمة باجراء اصلاحات سياسية كما كان متفقا عليه, وهاهي الأحزاب السياسية المعارضة وعديد من الناشطين الحقوقيين والصحفيين المختلفين يبلغون ممثلي العالم بأن الأوضاع السياسية في تونس لاتزال علي ماهي عليه..
لذلك لم يكن غريبا أن يحتج الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وبعض المنظمات الدولية علي هذه الأوضاع, بل هذا مادفع كوفي أنان السكرتير العام للأمم المتحدة إلي التصريح علانية بعد حضوره للقمة, بأنه ناقش مع الرئيس التونسي قضية التضييق علي الحريات خصوصا حرية الرأي والتعبير في وقت تستضيف فيه تونس قمة المعلومات التي جوهرها حرية الرأي والتعبير!!.
والحقيقة أن تونس لم تشذ كثيرا عن الطباع الرسمية العربية, ولم تخالف أعراف قبيلة الأنظمة الحاكمة, وازدواجية المعايير التي تطبقها علينا نحن الشعوب, فهي تتحدث إلي العالم الخارجي بلسان حلو وكلام منمق عن الديمقراطية التي تؤمن بها, وحقوق الانسان التي تحترمها والحريات التي تصونها ليل نهار لتتمتع بها الشعوب, لكنها حين تأتي إلي حديث الداخل فهي غالبا ماتفعل العكس, اللهم إلا عبر صراخ ميكروفونات الدعاية الفجة, وتلفت في كل اتجاه عربي تجد مالايسرك من كبت وقهر سياسي واجتماعي وثقافي, لكن إياك إياك أن تشكو أو تتوجع.. فأنت أدري بالعقاب!
ومن سوء حظ هذا السلوك المزدوج, أن ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال, قد كسرت أسوار السرية وفضحت أمام الجميع كل ما هو مخبأ, ولم يعد العالم يصدق الدعايات الفجة, لأن الحقائق تتدفق والمعلومات تنساب من كل اتجاه وفي كل اتجاه, بفضل هذه الثورة الغلابة وامكاناتها التكنولوجية المبهرة, وفي مقدمتها الفضائيات وشبكة الانترنت العملاقة, ومنها إلي الصحف والاذاعات ووسائل الإعلام التقليدية الأخري التي تتكاثر بسرعة فائقة..
وملخص ذلك أن الفرز صار واضحا للعيان, النظام الديمقراطي معروف, والنظام الديكتاتوري مكشوف, واللعب عي الحبال مفضوح..
حين نعود الي صلب جدول أعمال القمة ومداولاتها, نجد أن موضوعين رئيسيين تصدرا الاهتمام, هما أولا سد الفجوة الرقمية بين دول الشمال المتقدمة ودول الجنوب المتخلفة, وثانيا كسر احتكار الولايات المتحدة الأمريكية لقيادة الانترنت والتحكم فيها دون شريك أو منافس..
والحقيقة أن مناقشات القمة علي مدي ثلاثة أيام سبقتها سنتان من التحضير والاعداد, لم توفر عناصر النجاح أمام هذين الموضوعين, مع التقدير الكامل لما أصدرته القمة في ختام أعمالها من أجندة والتزامات قمة تونس..
إذ أن سد الفجوة الرقمية ـ التكنولوجية ـ بين المتقدمين الشماليين والمتخلفين الجنوبيين من أمثالنا, دونها الموت, فلا الشمال سيسمح بالتنازل عن تقدمه المتزايد ورفاهيته الخيالية, ولانحن نستطيع التخلص من فقرنا وجهلنا وفساد نظمنا واستبدادها, التي تفضل الجهل علي العلم والغيبوبة علي الصحوة, وكل ما أسفرت عنه القمة في هذا المجال ـ مجال سد الفجوة ـ هو وعود متكررة بأن تقدم دول الشمال المنح والمساعدات وليس الالتزامات للدول الفقيرة!!
أما موضوع فك الاحتكار الامريكي للانترنت فهذا من سابع المستحيلات, ليس فقط لأن امريكا لن ولم تسمح بفتح هذا الموضوع بجدية, ولكن لأن الآخرين أيضا, بمن فيهم الاوروبيون واليابانيون المتقدمون مازالوا عاجزين عن فهم هذا اللغز وفك شفرته المعقدة, برغم أنهم شركاء في استخدام شبكاته والاستفادة من مميزاته والتحكم في بعض مساراته..
وفي الموضوعين اللذين طرحا علي قمة تونس, نكتشف أن ازدواجية المعايير ظلت هي الحاكمة, فالغرب المتقدم أو الشمال الغني يعير الجنوب المتخلف بتخلفه وجهله, ويطالبه باعتناق الحرية مبدأ, حرية القول والفعل والعمل والايمان وفق القيم المتحضرة, لكن هذا الشمال أو الغرب, هو نفسه الذي يحتكر مصادر القوة والعلم والتنمية والمعرفة, وهو الذي يستغل تخلف المتخلفين ليزدادوا فقرا وجهلا, ويزداد هو ثراء وتقدما, وآخر الأدلة هو ما شهدته قاعات قمة المعلومات في تونس بندواتها العديدة!!
وبقدر مسئولية الغرب المتقدم عن تخلفنا بسبب النهب الاستعماري مثلا بقدر مسئوليتنا نحن عما نعانيه ونكابده, واقرأ إن شئت بعضا من التقارير الثلاثة للتنمية في العالم العربي, تكتشف أن الفجوة ليست فقط فجوة رقمية وتكنولوجية كما شاع في قمة المعلومات بتونس, لكنها فجوات عدة, فجوة التنمية, وفجوة الحرية, وفجوة المعرفة, وهي معا كل متكامل, تسألنا شعوبنا عنها وتحاسبنا عليها, لماذا نحن علي هذا القدر من التخلف والجهل والاستبداد, ولماذا خضعنا لها وخنعنا أمامها!!
قضيتنا الأساسية, ليست فقط كفالة انسياب المعلومات للمواطنين واستخدام الانترنت بحرية في بلادنا, والغاء الرقابة الحكومية الخبيثة عليها وهذا هدف مهم للغاية, ولكن قضيتنا الأصل والأساس تكمن في شيوع الفقر والبطالة وتدني المستوي الاجتماعي الاقتصادي, وفي الأمية الأبجدية والتكنولوجية, وفي مصادرة الحريات العامة والتحكم في حرية الصحافة والرأي والتعبير, وفي تخلف البرامج التعليمية والاعلامية والثقافية, وفي عبادة الحكام وتقديس كرسي السلطان, وأخيرا في مواجهة الاحتكار الدولي للعلم والمعرفة..
فهل نبذل مجهودا جادا لمواجهة هذه القضايا المحورية وسد فجواتها الرهيبة, باتباع العلم والعقل, والتنمية والحرية, والعدالة والمساواة.. أم نعقد المقارنات!!
صحيح أن20% من سكان العالم يتمتعون بنحو80% من ثرواته, وأن15% من سكان العالم يسيطرون علي85% من استخدامات الانترنت مثلا, عنوانا للتقدم والمعرفة.. لكن الصحيح أيضا أن العرب الذين يشكلون5% من سكان العالم, لاتصل نسبة مستخدمي الانترنت بينهم إلي نسبة خمسة من عشرة في الألف في معظم الدول العربية, قد ترتفع إلي5% في دولة واحدة أو دولتين علي الأكثر, عنوانا لفجوة التخلف والجهل!!
وهذا يدفعنا إلي سؤال محوري آخر.. هو كم ينفق العرب علي البحث العلمي, الذي هو مفتاح التقدم.. إنهم ينفقون0,2 في المائة من الدخل القومي, وللمقارنة فقط, فإن اسرائيل تحتل المرتبة الرابعة عالميا بعد اليابان وامريكا وفنلندا في استيعاب منجزات التطور التكنولوجي, وهي الثانية بعد امريكا عالميا في الانفاق علي الأبحاث العلمية وانجازها والاستفادة منها ولكم أن تتخيلوا.. وتقارنوا!!!
شيء مذهل أن تتجول في قاعات قمة المعلومات بتونس, تستمع إلي المناقشات الساخنة التي إن كان موضوعها علميا وتكنولوجيا, فإن سياقها العام سياسي وفكري بحت, وشيء بديع أن تزور أجنحة المعرض المصاحب, وقد عرضت به373 شركة عالمية أحدث منتجاتها الخاصة بالمعلومات والاتصال والاعلام, فتري عجبا بل سحرا... يطلق العقل نحو الخيال البعيد, ويطلق الروح نحو الحرية المفتقدة في دواخلنا, حتي في ساحة عالمية كهذه تزدحم بتجارة الحرية والمعرفة...
شيء موجع أن تعود آخر النهار بعد طول تجوال بقلب كسير وعقل متعب, حين تضطر أن تعقد المقارنات.. أين نحن من هؤلاء, ومتي وكيف ولماذا!!!
** خير الكلام: يقول المتنبي:
تصفو الحياة لجاهل أو غافل
عما مضي فيها وما يتوقع













التعليقات