الأربعاء: 10 . 08 . 2005

القرضاوي والسباعي والبكري و"أبو قتادة" و"أبو حمزة" والفقيه والمسعري على لائحة "فقهاء الارهاب"

شاكر النابلسي لـ"الحرة": تفسير القرآن موجَّه لمصالح سياسية ويجب وقفه

القمني لم يتحدّ الارهاب والأفكار ليست عقاراً أو حساباً مصرفياً

حملت المقابلة مع المفكر الليبرالي الأردني الدكتور شاكر النابلسي والتي أجراها الاعلامي حسين جرادي في برنامج "الحرة تقدم" الذي تبثه قناة "الحرة" مساء كل جمعة، مواقف وآراء عديدة مثيرة للجدل أبرزها دعوة النابلسي إلى وقف تفسير القرآن "كون التفسير يخضع لمصالح سياسية واجتماعية واقتصادية (...) وهو تفسير لا أسميه تفسيراً خاطئاً ولكن أسميه تفسيراً موجَّهاً" من قبل رجال الدين. وإضافة إلى ما سبق ونشرته "إيلاف" عن إعلانه في المقابلة عن لائحة بأسماء من وصفهم بـ"فقهاء الارهاب" ستُقدّم إلى الأمم المتحدة ومنهم الشيخ يوسف القرضاوي، تطرق الحوار تفصيلاً إلى موقف النابلسي الرافض للموقف الذي إتخذه المفكر الليبرالي المصري سيد القمني باعتزال الكتابة وتراجعه عن أفكاره بعد تهديدات بالقتل تلقاها من أصوليين عبر بريده الإلكتروني. وعن ضعف الخطاب الليبرالي العربي وعجزه عن اكتساب الشارع قال النابلسي: "الشارع ليس من اهتمامنا. نحن لسنا نخبة جماهيرية" واصفاً المثقف الجماهيري بـ"الفاشل" لأنه "يخضع لرغبة الجماهير الغرائزية ولتشنّج الجماهير".

وهنا النص الكامل والحرفي للمقابلة:

حسين جرادي: الدكتور شاكر النابلسي الكاتب والباحث والمفكر الليبرالي الأردني أثار الكثير من الجدل في إطار الصراع بين الاسلاميين والليبراليين. الدكتور شاكر النابلسي يثير هذه المرة الجدل داخل البيت الليبرالي نفسه. أهلاً بك في "الحرة تقدّم"، قبل أن نتطرق إلى ماذا يجري داخل البيت الليبرالي العربي، الارهاب يغزو العالم، أين المشكلة؟

شاكر النابلسي: أولاً مرحباً بك. ويسعدني ان أكون في الواقع على شاشة "الحرة" التي هي بالواقع حرة وتستطلع كافة الآراء، الرأي والرأي الآخر حقيقةً وصدقاً. ما يجري الآن في العالم العربي هو موجة من موجات ما زرعناه نحن في السنوات الماضية، ومنذ أن استقلّ العالم العربي في الخمسينات والستينات، وما حصل بعد ذلك مما أسمّيه بـ"كوارث الاستقلال". ما حصل في العالم العربي بعد الاستقلال لم يكن استقلالاً حقيقياً نتمتع به نحن الشعوب العربية، سياسياً واقتصادياً. ولكن ما تلقاه الشعب العربي على كافة الأصعدة وفي معظم البلدان العربية هو عبارة عن مجموعة من الكوارث السياسية حين تولى الديكتاتوريون الحكم في العالم العربي ونشروا الفساد ونشروا السرقة واللصوصية وزيادة معدلات البطالة، إلى آخر هذه الأمراض التي نعرفها جميعاً.

س: هم يفعلون ذلك منذ وقت طويل، أين صوت الليبراليين؟ أين صوت العقلاء؟ أين المشكلة تحديداً؟ نتحدث اليوم عن إرهاب يجوب العالم من لندن إلى شرم الشيخ إلى بيروت إلى العراق، وليس ثمة أفق لحلّ الأزمة التي تتفاقم... الارهاب يتفاقم ومكافحة الارهاب تتراجع... ثمة مشكلة في مكان ما، أين هي تحديداً؟

ج: أتفق معك في أن الارهاب أصبح لا يخصّ بلداً معيّناً وبأن الارهاب أصبح ضدّ البشرية، ضدّ الانسانية، ضدّ القيم الانسانية بشكل عام. ما حصل مثلاً على وجه الخصوص في شرم الشيخ ضدّ منتجع سياحي هو ضدّ قيمة إنسانية. السياحة هي قيمة إنسانية. أنتَ لكي تصل إلى مستوى أن تكون بلداً سياحياً من الطراز الأول وتستقطب مئات الآلاف أو عشرات الآلاف من السياح في موقع ما، هذا يعني بأنّ خدماتك السياحية قد أصبحت في مستوى الاستقطاب، استقطاب الآخرين. وبالتالي هناك قيم صناعية، قيم إنسانية، قيم خدماتية وراء كل هذا. إذن، الارهاب هو ضدّ القيم الانسانية، سواء أكانت قيماً أخلاقية أو قيماً اقتصادية أو قيماً حتى إنسانية. يعني عندما يُضرَب برجا نيويورك، ماذا يعنيان هذان البرجان؟ يعنيان القوة الاقتصادية لدولة ما كأميركا. هم لم يضربوا معسكراً للجيش. هم لم يضربوا قاعدة عسكرية. هم لم يضربوا رمزاً من رموز السلطة الأميركية الحقيقية. هم في الحقيقة ضربوا برجي نيويورك...

س: ... لكن هؤلاء الذين ضربوا لديهم مشكلة سياسية مع الولايات المتحدة، مع الغرب عموماً، هؤلاء يقولون إنهم يتحدثون باسم الاسلام، مسلمون آخرون يقولون إنّ هؤلاء لا يعبّرون عن الاسلام، ثمة مؤسسات دينية مطلوبٌ منها أن تفعل شيئاً... لنحدّد الأمور بأسمائها، كيف يمكن حلّ المشكلة... هل المشكلة تحديداً هي في الاسلام كما يرى البعض، أم أنها في تطبيق خاطئ للاسلام، أم في من يدّعون أنهم ناطقون باسم الاسلام؟

ج: قبل الاجابة عن هذا السؤال أريد أن أنبّه إلى نقطة اساسية. وهي أن الارهابيين الأصوليين الوصوليين – أنا أسمّيهم الوصوليين لأنّ كل الحركة التي تقوم في ما يتعلق بموضوع الارهاب الأصولي هي للوصول إلى كراسي الحكم. بمعنى أن حارث الضاري لو عُرِضَ عليه غداً أن يترأس الجمهورية العراقية لفضّ "هيئة علماء السنّة" وتولى رئاسة الجمهورية وانتهى ما يُسمى بالمقاومة العراقية. "الأخوان المسلمون" لو تولوا أيضاً الحكم في مصر، لانتهى كلامهم عن الفساد والرشوة والتسيّب الاداري...

س: ... يعني أنتَ تنفي عنهم أنّ لديهم مشروعاً سياسياً واضحاً؟

ج: ليس هناك مشروع سياسي على الاطلاق. ما هو المشروع السياسي يا سيدي الذي يتلخص في أن ينادي عمر البكري زعيم المهاجرين في لندن بأنّ مشروعهم السياسي في بريطانيا هو إقامة الخلافة الاسلامية ورفع علم الخلافة الاسلامية على قصر باكنغهام! أي مشروع سياسي هذا؟ أي مشروع سياسي يمكن أن يخضع للمنطق ويمكن أن يخضع للعقل ويمكن أن يخضع للواقع السياسي... أيّ خلافة إسلامية تريد أن تعلنها في بريطانيا؟ هذا هو مشروعهم السياسي! أيّ خلافة إسلامية يريد أيمن الظواهري أو يريد اسامة بن لادن أن يعلنها في الجزيرة العربية... إنتهى موضوع الخلافة الاسلامية...

س: إذن تضعون مختلف التيارات الاسلامية في سلّة واحدة... تتحدث عن "الأخوان المسلمين" في هذا الاطار وفي الوقت نفسه تتحدث عن بن لادن وعن الظواهري، عن اشخاص آخرين... يعني هل كلّهم لديهم التوجه نفسه والغاية نفسها والهدف نفسه؟

ج: يا سيدي تاريخياً كافة الجماعات الاسلامية التي ظهرت في الستينات والسبعينات والثمانينات خرجت من عباءة واحدة وهي عباءة "الأخوان المسلمين". وخطاب "الأخوان المسلمين" خطاب واضح جداً منذ عهد الملك فؤاد الأول ملك مصر عندما أراد أن يكون خليفة المسلمين بعدما أطاح كمال أتاتورك (1924) بالخلافة الاسلامية. ولذلك كتب علي عبد الرازق كتابه المشهور "الاسلام وأصول الحكم" وهو ردّ على "الأخوان المسلمين" في أن لا دولة في الاسلام ولا خلافة بعد ذلك... وأنّ الاسلام هو دين فقط وليس دولة... و"الأخوان المسلمون" كانوا هم الذين يتبنون إقامة الخلافة الاسلامية، وظهرت الجماعات الاسلامية في ما بعد... ولّت سيّد قطب أو ما يسمى بالحركة القطبية في المرجعيات الأصولية الدينية، وطالب بإقامة خلافة إسلامية وبالحاكمية لله، وهذا شيء معروف.

س: دعيتم في إطار مكافحة الارهاب إلى إنشاء محكمة دولية للارهاب، أخذتم تواقيع كثيرة بالآلاف (4 آلاف توقيع) من مثقفين مختلفين ربما أغلبهم في المهجر... أين اصبح هذا المشروع لدى الأمم المتحدة وهل لديكم خطوات إستكمالية لهذه الخطوة؟

ج: "البيان الأممي ضدّ الارهاب" كما أطلقنا عليه في ذاك الوقت هو واحد من الجهود التي يقوم بها الليبراليون الجدد الآن... وهو جهد المثقفين. المثقفون لا يملكون سلاحاً ولا يملكون سلطة ولا يملكون حزباً ولا يملكون مؤسسة سياسية ولا يملكون بوارج ولا حاملات طائرات لكي يقاوموا الارهاب. الليبراليون الجدد أو كل المثقفين الذين يتضامنون مع الليبراليين الجدد، ليس لديهم إلا الكلمة كسلاح. وهذه الكلمة استُعملت في إعداد "البيان الأممي ضدّ الارهاب"، وفعلاً وقّع عليه أربعة آلاف أو يزيد، علماً انّ أحد الأخوان من جريدة "الأهرام" أصدر لنا إيميلاً يحوي فيروساً وقضى على حوالى 1500 إسم ولم نستطع استرجاع هذه الأسماء. وحقيقةً عدد الموقعين هو أكثر من ذلك وربما تجاوز الخمسة آلاف. طبعاً رُفِعَ إلى الأمم المتحدة في مارس الماضي، وردّت الأمم المتحدة علينا بخطاب من قريب يقول بأنّ البيان في أيدي أعضاء مجلس الأمن ووُزِّع على كافة أعضاء مجلس الأمن والقرار هو قرار أعضاء مجلس الأمن...

س: لو أنّ هؤلاء الأعضاء قالوا لكم: سمّوا لنا من هم الارهابيون؟ من الذين يحرّضون على الارهاب؟ أنتم تتهمون بعض المشايخ، تتهمون بعض المفتين، تتهمون ربما فضائيات عربية بتأجيج النزعة الارهابية وبتأجيج العنف والحضّ على الارهاب... ماذا تقولون لهم؟

ج: نحن لا نؤجج. الارهاب مؤجَّج أساساً. نحن نكشف عن أنّ هذا هو الواقع القائم الآن في العالم العربي في ما يتعلق بالارهاب. نحن لا نؤجج ولا نثير. الارهاب هو مؤجَّج...

س: ...أنا أتحدث عن أنكم تتحدثون عن أناسٍ يؤججون الارهاب. في حال طُلِبَ منكم تسمية بعض الذين يؤججون هذه النزعة الأصولية المتطرفة وبعض الذين يحضّون على ما يسمّونه "الجهاد" في العراق، هل أنتم جاهزون لتسمّوا الأمر بأسمائها، أم ستكتفون بإصدار هذه البيانات التي يبدو كما يقول بعض منتقديكم أنكم تهدفون منها ربما إلى إثارة الجدل فحسب، وليس للوصول إلى اي نتيجة؟

ج: لا على العكس، إنّ ما توصل إليه "البيان الأممي ضدّ الارهاب" واهتمّت به الأمم المتحدة واهتمّ به الأمين العام للأمم المتحدة، ثم يعني تمّ تصويره وتوزيعه على كافة أعضاء مجلس الأمن وتُرك القرار لأعضاء مجلس الأمن في هذا الموضوع ونحن ننتظر قرار مجلس الأمن... هذا اهتمام كبير جداً بهذا البيان. نحن خطوتنا التالية، ولأوّل مرة أنا أعلنها على شاشة "الحرة" في الواقع، أننا في الأيام المقبلة سوف نُعِدّ بياناً جديداً بعنوان "هؤلاء هم فقهاء الارهاب" بالأسماء، وسوف نأتي بموجز لأقوالهم في ما يتعلق بموضوع الارهاب وتشجيع الارهاب والفتاوى، إذا كان هناك فتاوى، وموجز للفتاوى التي صدرت منهم لتشجيع الارهاب وحثّ الشباب المسلم، العاطل عن العمل، الفقير، المعدَم، الضائع، الفاقد للأمل في المستقبل... للانضمام إلى مواكب الارهاب التي تتم الآن في العراق وغير العراق...

س: ... عمّن تتحدثون تحديداً؟ تتحدثون عن فتاوى، عن فقهاء الارهاب... سبق أن سمّيتم الشيخ يوسف القرضاوي بأنه "فقيه الدم" أو ما شابه ذلك، أو أنهم مروجون لثقافة القتل...؟

ج: يعني انت تعلم يا أخ حسين أنّ مجموعة من فقهاء الارهاب الآن موجودون في لندن. وأصبحت لندن الآن هي عاصمة زعماء الارهاب في العالم، وأنا كتبت هذا الكلام صراحة. لندن الآن تجمع أكبر عدد من زعماء الارهاب في العالم. ليس هناك عاصمة في العالم العربي تضمّ زعماء إرهاب كما تضمّ لندن، ولا يوجد أيّ عاصمة غربية تضمّ زعماء إرهاب كما تضمّ لندن. وهم معروفون للعالم كلّه. عندك ياسر اليسري، هاني السباعي الذي قال صراحة وفي التلفزيون زعلى فضائية من الفضائيات بأنه لو أنّ "القاعدة" اعترفت يوم 7 يوليو بأنها هي التي فجّرت في لندن، تكون بذلك قد مرّغت أنف بريطانيا بالتراب! هذا اعتراف صريح وواضح جداً من واحد كهاني السباعي بأنّ الارهاب عمل مشروع وأنّ "القاعدة" لو اعترفت لكانت مرّغت أنف بريطانيا بالتراب! هذا اعتراف موجود وموثّق وحتى موجود على موقع من مواقع الانترنت وهو موقع المقريزي سنتر الذي يترأسه هاني السباعي.

إضافة إلى ذلك، عندك "أبو قتادة"، وأبو حمزة المصري، عمر البكري زعيم المهاجرين الذي أعلن أكثر من مرة أنّ الخطاب الأساسي لجماعة المهاجرين التي يتزعمها في لندن هو إعلان الخلافة الاسلامية ورفع علم الخلافة الاسلامية فوق قصر باكنغهام! هذا لن يتم إلا بعمل إرهابي.

س: ... لكن ربما الأكثر للجدل بين المشايخ حالياً هو الشيخ يوسف القرضاوي وسبق لكم أن انتقدتموه، وسبق لكم ولعدد من المثقفين عبر كتابات متعددة أن وصفتم الشيخ القرضاوي بأنه "فقيه الدم" ومروّج لثقافة القتل، البعض ينتقدكم ويقول إنّ هذا الهجوم ربما سببه أنكم ترددون مقولات الغرب وترددون مقولات المعادين للعالم الاسلامي وأنكم تحرضون من الغرب على العالم الاسلامي؟

ج: والله إذا كان هناك ترديد لأقوال ناس عن ناس فالغرب هو الذي يردّد أقوالنا ولسنا نحن الذين نردّد اقوال الغرب. والدليل على ذلك أننا نقرأ الواقع العربي قبل أن يقرأه الغرب. بكل بساطة قصتنا مع الشيخ القرضاوي – نحن نحترم الشيخ القرضاوي كفقيه إسلامي وكمرجعية عليا للفقه وأستاذ كبير للفقه – ولكننا ننتقده في موقفه من الارهاب. يعني في شهر أغسطس الماضي وقف الشيخ القرضاوي في نقابة الصحافيين المصريين ليعلن أمام الملأ جميعاً أنه يجوز شرعاً قتل العسكريين والمدنيين في العراق، وهذا الكلام لم يكن نشرة سرية صدرت من تحت الأرض...

س: ...ولكنه قال إنّ كلامه حُمِلَ على غير محمله؟

ج: ... على العكس من ذلك. هذا البيان صدر عن مكتب القرضاوي ايضاً، وبقي على موقع "إسلام أون لاين" الذي هو الموقع الالكتروني الذي يشرف عليه القرضاوي نفسه، بقي اسبوعاً كاملاً، وذهب القرضاوي إلى السودان في ذاك الوقت لملاقاة حسن الترابي ولمحاولة حلّ مشكلة دارفور... ثم رجع إلى الدوحة وكانت الدنيا قد اشتعلت وتناقلت وكالات الأنباء هذه الفتوى وانتشر صداها في كافة أنحاء العالم على مستوى الاعلام والصحافة والمستوى الرسمي في دول العالم... ثم كتبنا نحن أثناء ذلك وكان هو في السودان وعندما رجع بعد اسبوع، وجد الدنيا قد اشتعلت فعقد مؤتمراً صحافياً تحت ضغوط معيّنة والكل يعلم هذه الضغوط من أين جاءت وكيف جاءت، وأعلن في مؤتمر صحافي بأنه لم يقل هذا الكلام! الواقع أن الشيخ القرضاوي لولا هذه الضغوط الكبيرة ولولا الحملة الاعلامية الكبيرة التي قادها الليبراليون العرب وأيضاً الاعلام العالمي لما كان تراجع عن هذه الفتوى.

س: إذاً... تحدثت قبل قليل عن أنكم تُعدّون في الأيام القليلة المقبلة لائحة بأسماء من يدعمون الارهاب ستقدّمونها إلى الأمم المتحدة. بوضوح، هل إسم الشيخ يوسف القرضاوي على هذه اللائحة؟

ج: نعم سوف يكون على هذه اللائحة نتيجة لهذه الفتوى ونتيجة لفتاوى أخرى سوف نذكرها في هذا البيان. وهناك أسماء أخرى كياسر السرّي وهاني السباعي وعمر البكري و"أبو قتادة" وأبو حمزة المصري وسعد الفقيه ومحمد المسعري... كل هؤلاء سوف يُذكَرون وسنأتي بموجز لفتاواهم وتصريحاتهم لقتل المدنيين الذين لا علاقة لهم لا بموضوع إحتلال ولا بموضوع استعمار جديد كما يقال ولا بأي موضوع آخر.

س: د. نابلسي ننتقل إلى ماذا يجري داخل البيت الليبرالي العربي. انفجرت قبل نحو شهر من الآن قضية المفكر المصري الدكتور سيّد القمني. سيّد القمني هو أحد أبرز الكتّاب الليبراليين وله كتابات كثيرة في هذا المجال. تراجع عن أفكاره وأعلن تبرؤه من كل هذه الأفكار وقال أيضاً إنه سيعتزل الكتابة تحت ضغط أصوليين هدّدوه عبر بريده الالكتورني. في وقتٍ كان كثيرون ينتظرون تضامناً من مختلف البيت الليبرالي مع الدكتور سيّد القمني، خرج الدكتور شاكر النابلسي بمقال يقول: "سيّد القمني: بئس المفكّر الجبان أنت"...؟

ج: الواقع ما حصل في البيت الليبرالي كما عبّرتَ عنه الآن هو مظهر صحة وليس مظهر مرض. بمعنى أنّ هذا الاختلاف في الآراء وهذه المغايرة في الآراء وعدم وجود، كالأحزاب السياسية في العالم العربي، زعيم يقول نعم والكل من ورائه يقول نعم، أو وجود قائد يقول لا والكل من ورائه يقول لا، أثبتت هذه الواقعة على أرض الواقع وبالدليل القاطع بأنّ الليبراليين الجدد هم فئة ديموقراطية من الدرجة الأولى بحيث أن كثيراً من الليبراليين يمكن أن يعارضوا كاتباً ليبرالياً بسيطاً مثلي نظر إلى حالة معيّنة نظرة مغايرة للآخرين...

س: ...لكن ما يؤخَذ عليكم، أنتَ والذين ردّوا عليك، أنكم ربما استخدمتم لغةً قاسية تجاه بعضكم، وصفتَ سيّد القمني بالجبان في عزّ أزمته مع الأصوليين، ولم يقتصر انتقادك على خطوته بالتراجع عن أفكاره، إنما طعنتَ بهذه الأفكار تحديداً ووصفتَ ثقافته الاسلامية بالسطحية؟

ج: يا سيّدي ليس سيّد القمني هو (وحده) من يتعرّض لما يتعرض له الآن. كلّنا نتعرض لما يتعرض له سيد القمني. بل هناك من الليبراليين في العالم العربي من يتعرّض إلى أكثر من ذلك. هل هناك أكثر مما يتعرض له العفيف الأخضر الآن في باريس؟ بالجوع والمرض والحاجة والشلل والتهديد اليومي بالقتل من جماعات إرهابية وإسلامية مختلفة...

س:... من الشيخ راشد الغنوشي...

ج: ... راشد الغنوشي وغير راشد الغنوشي. إنما الرجل لا يزال ثابتاً على مبادئ وعلى قيم ولم يتخلّ عن حرفٍ واحد. القمني لا يملك أفكاره. القمني لا يملك كتبه. القمني لا يملك القيم التي نادى بها. هذه القيم ملك للتاريخ وليس لسيّد القمني. هذه القيم وهذه الأفكار وهذه الكتابات ليست عقاراً وليست حساباً في بنك بحيث يستطيع التخلي عنه في أي وقت من الأوقات ويعطيه لمن يشاء أو يقول أنا لا علاقة لي بهذه الأملاك...

س: ... لماذا إذاً لم تفهموا هذه الخطوة على أنها صرخة احتجاج من سيّد القمني ضدّ هذا الواقع العربلي المستهدَف فيه المثقف والسياسي الحر، والمستهدَف فيه كل صاحب فكر ليبرالي، هو تحت ضغط شديد، أنتم في الغرب تنعمون، أنتَ في الولايات المتحدة الأميركية، العفيف الأخضر في باريس، ييتلقون تهديدات ولكنكم بعيدون عن التهديد الفعلي...

ج: يا سيدي، يا حسين، نحن حتى لو كنا في القمر مهددون. أنا في دنفر مهدّد وكسِّر بيتي وهناك تقرير لدى الشرطة الأميركية واضطررت للرحيل من البيت... لا اريد أن افتح ملفات الآن. ما اريد أن أقوله لك أنه كان أمام القمني عدة حلول. نصر حامد أبو زيد ألم يتعرّض في مصر لأكثر من هذه المحنة؟ ألم يصدر حكم في نصر حامد أبو زيد بالتفريق بينه وبين زوجته باعتباره كافراً ومرتداً وزوجته لا تزال مسلمة ولا يجوز له الاستمرار في زواج زوجته الستاذة في جامعة القاهرة للأدب الفرنسي؟ واضطر أن يترك بلاده وأهله وأخذ زوجته وذهب إلى هولندا وهو الآن استاذ في إحدى جامعاتها. لماذا لم يلجأ القمني كما لجأ الشيخ أحمد صبحي منصور إلى الهجرة... كان هناك حلول كثيرة...

س:... هم يعني ينجحون إما بالقتل وإما بالتهجير؟

ج: كان يمكن أن يلجأ القمني إلى حلول كثيرة جداً. ولكن الحلّ المتوقع كان من القمني هو أن يصدر بياناً على خلاف هذا البيان، ويقول إني هُدِّدت... يعني أنتَ الآن أخ حسين تطلب منّا أن نكون إلى جانب القمني... هذا صحيح وكان يمكن...

س:... أنا لا أطلب... أنا أنقل ما كُتب...

ج: ... الناس أو الآخرون الذين سمعوا أو شاهدوا أو تابعوا حكاية القمني كانوا يطلبون منّا أن نكون إلى جانب سيّد القمني في هذه المحنة... صحّ. كان يجب أن نقف إلى جانب سيّد القمني ولكن هذا الوقوف كان يشترط أن يقف في البداية سيّد القمني ويقول أنا تلقّيت تهديداً من الارهابيين، يريدون قتلي، يريدون تشريدي، ويريدون تيتيم أولادي... ولكنني لن ارضخ لهؤلاء، ولن أتنازل عن كلمة واحدة كتبتَها، ولن أتنازل عن حرف واحد أعلنته بالمسموع أو بالمرئي أو بالمكتوب... لو وقف هذه الوقفة الاعتزازية ضدّ الارهاب وتحدّى الارهاب، لكنا نحن وقفنا معه هذه الوقفة التي ينادي الآخرون بأن نقفها معه.

س: يعني أنتَ دعيتَ سيّد القمني إلى أن يكون "استشهادياً" في الدفاع عن افكاره، في وقت تعارض هذا المبدأ ربما في أماكن اخرى ولأناس آخرين... ربما كبعض الفلسطينيين الذين يفجّرون أنفسهم دفاعاً عن مبادئهم، أنتَ تعارض هذا الأمر وفي الوقت نفسه تحرّض سيّد القمني على أن يكون شهيداً لأفكاره ولآرائه رغم كل التهديدات؟

ج: لا، القياس هنا يا سيدي ما يسميه أهل المنطق قياساً فاسداً. بمعنى أن الحالة هنا لا تنطبق على الحالة هناك. هذا هو المعنى. وضعُ الاستشهاديين أو ما يُسمى بالاستشهاديين في غزة وفي العراق وفي أماكن أخرى مختلف عن وضع القمني نهائياً. القمني رجل مفكّر وصاحب خطاب سياسي وصاحب خطاب ديني وصاحب خطاب إجتماعي. هذا الخطاب منذ بدأ القمني يكتب، ومنذ بدأنا نكتب أول حرف، نحن نعلم بأن ما نكتبه لن يلقى ردّ الفعل الحسن في العالم العربي، ولن نُجزى عليه الجزاء الحسن، لن يُضرَب لنا سلام مربّع في العالم العربي...

س: ... لأنّ ثمة مشكلة في الثقافة العربية؟

ج: لأن ثمة مشكلة في الثقافة العربية ولأنّ الشارع العربي شارع متشنج وشارع غرائزي وشارع يجري وراء الشعارات غير الحقيقة وغير الواقعية من الناحية السياسية. شارع منذ 1947 إلى الآن وهو مشبَع بالشعارات التي لا تُطعم ولا تغني من جوع. فلو نحن وقفنا هذا الموقف مع القمني كان يجب أن يكون هذا الموقف مبنياً على موقف القمني من الساس وهو تحدّي الارهاب. القمني لم يتحدّ الارهاب.

س: ولكن بإعلانه ذلك أعيد نشر نتاجه، بعض تصريحاته انتشر أكثر من ذي قبل. ربما البعض فهم الموضوع على أنه صرخة احتجاج كما أسلفنا سابقاً، أتاحت لفكاره أن تنتشر بطريقة أكبر، وهو انزوى إلى أمانه الخاص، إلى أمان عائلته ربما؟

ج: صرخة الاحتجاج لا تكون بهذا الشكل. صرخة الاحتجاج تكون بالتحدي. نحن أمام خطر كبير جداً في العالم العربي وهو خطر الارهاب. إن لم نكن اقوياء وإن لم نكن اشدّاء تجاه هذا الخطر، وإن لم نكن مصممين ومؤمنين تمام الايمان بأنّ ما نقوله هو الصحّ وهو الطريق السليم وهو طريق المستقبل للأجيال القادمة... لن يتحقق شيء. لو فرضنا بأنّ كل ليبرالي وكلّ مفكّر في العالم العربي تعرّض إلى مثل هذا التهديد وجاءته رسالة على بريده الالكتروني أو البريد المسجّل أو بأي وسيلة كانت، ونتيجة لهذه الرسالة قال أنا سلّمت وانتهيت ولن أكتب حرفاً واحداً... وكل ما كتبته "كلام فاضي" ولا أؤمن به وأتخلى عنه تخلّياً تاماً... ماذا سيحصل في العالم العربي؟ سنصير مضحكة العالم.

س: دكتور نابلسي، لننهي هذا الموضوع، أُخِذ عليك في مقالك الثاني حول موضوع سيد القمني أنّك استشهدتَ بآراء إسلاميين ضدّ شخص ليبرالي. استشهدت برأي السيد منتصر الزيات وهو محامي الجماعات الاسلامية، استشهدت برأي السيد كمال حبيب نائب المرشد العام للأخوان المسلمين، أليس عجباً أن يستشهد الدكتور شاكر النابلسي، الليبرالي العربي، بآراء إسلاميين سبق كثيراً أن عارضتهم وانتقدتهم وهاجمتَ بعض طروحاتهم في معركة ضدّ ليبرالي آخر يتعرض للتهديد؟

ج: هذا صحيح ولا غبار أن تقوق الحقيقة وأن تستنبط الحقيقة وأن تستدعي الحقيقة من اي مكان، سواء كنتَ على عداء مع هذا المكان أو كنتَ على صداقة معه، ما دامت الحقيقة هي الحقيقة أينما كانت، فيجب أن تُستقطَب وهذا أيضاً دليل آخر على مدى انفتاح الليبراليين...

س:... ولكن لماذا اعتبرت أنّ الحقيقة هي عند منتصر الزيات وليست عند سيّد القمني؟

ج: أنا في مقالي لم اقل هذه هي الحقيقة. أنا قلت إنّ منتصر الزيات يقول كذا وكذا وكذا... وأنّ كمال حبيب أحد زعماء "الجهاد" المصري يقول إنّ تنظيم الجهاد المصري قد انتهى منذ عام 1996 وانفضّ... هذه ردود دالّة على أن دعوة القمني هي دعوة يبدو أنها غير حقيقية، وهي للاثارة، إثارة الدخان وإثارة الغبار وللشهرة... إلخ... وهذا ما هو مستبعد عن الواقع.

س:... ولكن بعد ذلك بأسبوعين تقريباً كانت هناك تفجيرات شرم الشيخ. ضرب الارهاب في مصر مجدداً، ألم تُعِد النظر في موقفك من سيد القمني؟ يعني تلارهاب ضرب على مستوى كبير جداً، ربما يضرب أشخاصاً... لماذا تفصل بين الأمرين، بين تهديد مفكّر وتهديد أمن بلد بكامله؟

ج: أنا لا استبعد، يا أخ حسين، أنا لا استبعد أن ينال الارهابيون من أي مفكّر... سواء كان ليبرالياً أم غير ليبرالي...

س: ... إنما تريد أن يثبت المفكرون على آرائهم، الفكرة واضحة. وننتقل إلى جانب آخر. ثمة مِن معارضيكم في العالمين العربي والاسلامي مَن لا يعرفون مع من هي مشكلتكم تحديداً. يقولون إن مشكلتكم هي مع الاسلام وليست كما تقولون مع بعض فقهاء الدين الذين يختلفون في تفسيراتهم للاسلام. يستشهدون ربما بالسيد العفيف الأخضر، أحد ابرز الكتّاب الليبراليين، يتحدث مثلاً عن "ضرورة تجفيف ينابيع ثقافة الاستشهاد، أي النحر والانتحار" كما يقول في أحد مقالاته، "بتطهير التعليم من مادّتَيْ الجهاد والاستشهاد". هذان العنوانان هما في الاسلام، وفي القرآن تحديداً، موجودان بشكل رئيسي. الجهاد تحديداً هو أحد ابرز المكوّنات الأساسية في الدعوة ربما للاسلام... يبدو أنّ مشكلتكم تحديداً هي مع الاسلام كدين؟

ج: أنا بصراحة أرفض هذه المقولة جملة وتفصيلاً. نحن لا مشكلة لدينا على الاطلاق مع الاسلام كدين. مشكلتنا الأساسية، إذا كانت هناك مشكلة، فهي مع التأويل ومع التفسير الخاطئ للاسلام. ولذلك تنبّه بعض الفقهاء إلى هذا الموضوع ومنهم الشيخ جمال البنا عندما نادى بإيقاف التفسير. إيقاف تفسيرات القرآن، لأنّ التفسير أصبح يخضع لعوامل سياسية وعوامل إجتماعية وعوامل إقتصادية وعوامل إيديولوجية كثيرة جداً وضغط من الحكام وضغط من السلاطين، وهذا لم يحصل في العصر الحديث فقط...

س:... وقف التفسير ما المقصود به تحديداً؟

ج:... بمعنى أنّ على المسلم أن يقرأ القرآن ويفهمه بموجب ثقافته ومستوى تعليمه وألا يخضع لتفسيرات المفسّرين. تفسيرات المفسّرين خضعت طوال عصور سابقة من 1400 سنة إلى الآن لضغوط الحكام لكي يُفسّر القرآن كما يريد هؤلاء الحكام، ولضغوط بعض الفقهاء لكي يُفسّر القرآن كما يريد هؤلاء الفقهاء، ولضغوط عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية كثيرة جداً. إذن نحن مشكلتنا ليست مع الاسلام، ليست مع القرآن، ولكن مشكلتنا مع التفسيرات الخاطئة والتفسيرات المتجنية في القرآن والتي يراد من خلالها تحقيق أهداف سياسية واجتماعية ومالية أيضاً واقتصادية من قبل رجال الدين الذين يقومون بهذا التفسير الذي لا أسميه تفسيراً خاطئاً، ولكن أسمّيه تفسيراً موجّهاً...

س:... موجّهاً من قبل بعض المؤسسات الدينية؟

ج: من قبل الأحزاب السياسية الدينية، من قبل الجماعات الاسلامية، من قبل مؤسسات رجال الدين...

س:... يعني بمعنى آخر، المجتمعات الاسلامية والمؤسسات الدينية لم تفرز بعد طوال هذه القرون والسنوات من هو قادر على تفسير القرآن تفسيراً عصرياً وصحيحاً... أنتم لديكم مشكلة ربما مع مجمل المفسّرين، ألا تتابعون الآراء المعتدلة في هذا الموضوع، بعض المعتدلين يطالبون بإعادة تفسير القرآن وفق ظروف العصر الحالية؟

ج: هناك آراء معتدلة، ولكن هذه القضية أثيرت عندما استُعمِلَت الايات التي تحض على كراهية الآخر وعداء الآخر وتكفير الآخر... هذا الآخر وُجد قبل 1400 سنة! وليس الاخر الآن! الآيات الموجودة في القرآن لتكفير الآخر والعداء للآخر وحرب الآخر هي آيات نزلت لظروف سياسية وظروف إجتماعية وظروف اقتصادية كانت سائدة في ذلك الوقت، وكان هناك صراع سياسي بين هذه الفئات وبين المسلمين. هذه الفئات انتهت واندثرت، والمسلمون ايضاً الذين تصارعوا في ذلك الوقت اندثروا وانتهوا. نحن الآن في مرحلة جديدة. ما يُقال عن هؤلاء وهؤلاء لا ينطبق علينا نحن مع الآخر. إذاً أي تفسير وأيّ إسقاط لهذه الآيات على الواقع السياسي والواقع الاجتماعي العربي هو من الخطأ بمكان. ثمّ، لا يوجد في القرآن آية واحدة تقول بأنّ كل الآيات التي نزلت لتحديد علاقة المسلمين مع الآخر هي آيات عابرة للتاريخ، وهي آيات صالحة لكل زمان ومكان، وإنما هذه الآيات كما يقول كثير من رجال الدين، نزلت لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية كانت قائمة في ذلك الوقت ولم تعد قائمة الآن، ونحن أمام وضع جديد.

س: هذا جدل مفتوح على كل حال بينكم وبين علماء المسلمين. بالانتقال إلى موضوع التغيير في العالم العربي يسألكم كثيرون: متى يخرج الليبراليون العرب من الاطار التنظيري لأفكارهم إلى أن يشكلوا مشروعاً تغييرياً حقيقياً وفعلياً؟ يعني كثيرون يعتبرون أنكم "تنظّرون" وأنكم لا تقدّمون مشروعاً تغييرياً حقيقياً بحجة أن الليبرالية طوال تاريخها كانت لدى النخبة، وبالتالي تركتم الشارع العربي، انعزلتم عن الشارع العربي وتركتموه عرضةً للتيارات الاسلامية التي سَهُلَ عليها اختراق هذا الشارع بفقره وبحاجاته اليومية وربما ببعض خطب الجمعة... وأنتم لا زلتم تتحدثون عن الحرية والديموقراطية من دون أن تكسبوا شيئاً من هذا الشارع؟

ج: أنا أعارضك أخ حسين في بعض النقاط في ما يتعلق بهذا الطرح، أننا لم نكسب جانباً أو شيئاً من هذا الشارع، علماً أنّ الشارع ليس من اهتمامنا. نحن لسنا نخبة جماهيرية ونحن لا نسعى وراء الجماهير لكي تصفّق لنا ولكي تردّد شعاراتنا...

س:... إلامَ تسعون إذن؟

ج:... أنا أعتبر أن المثقف الجماهيري هو مثقف فاشل. لماذا؟ لأنّ المثقف الجماهيري يخضع لرغبة الجماهير الغرائزية ولتشنّج الجماهير غير الواقعية، والعاطفية...

س:... لنوضح هذه الفكرة. عندكم شارع عربي، وهناك أنتم الليبراليون، وهناك من يتوجهون إلى الشارع العربي بخطاب غرائزي... هم مفتوحة أمامهم كل المجالات ليخاطبوه ويسهُل عليهم اكتساب هذا الشارع... لماذا لا تقدرون على اكتساب هذا الشارع بخطابكم؟ هل لأنّ الخطاب الليبرالي هو أقل قدرة على اختراق الشارع العربي؟

ج: لا شك أنّ الخطاب الليبرالي هو أقلّ قدرة. نحن لسنا حزباً سياسياً. يعني الجماعات الاسلامية وراؤها أحزاب سياسية أنشئت من 1928، منذ حوالى خمسين سنة تقريباً، وتُجَيِّش مئات الآلاف من الدعاة والخطباء والمبشّرين... ووراؤهم أموال والوسائل الاعلامية من الانترنت إلى الفضائيات إلى الصحف... نحن لا نقاس بالنسبة إليهم، نحن نخبة ننادي، أو ندّعي أننا نخبة، ننادي بأفكار مستقبلية في ما يتعلق بالحرية والديموقراطية وحرية المرأة ومساواتها بالرجل، وفي ما يتعلق بإقامة اسس المجتمع المدني الحقيقي، في ما يتعلق بنقد التراث نقداً علمياً...

س:... يعني تريدون من ذلك الاصلاح. أنتم من القائلين إنه لا يمكن التعويل على مقولة أن لا إصلاح إلا من الداخل وبالتالي لا بدّ للاصلاح من ضغط خارجي أو دعم خارجي، ولكن عليكم ربما واجب أن تقوموا بدور تهيئة المجتمعات الداخلية والمجتمعات المدنية العربية لأن تكون جاهزة لاستقبال الاصلاح وللسير قدماً في موضوع الاصلاح وعدم التعويل بالكامل على الاصلاح من الخارج. يعني يُؤخَذ عليكم ربما أنكم تحاورون الغرب أكثر بكثير مما تحاورون مجتمعاتكم المدنية؟

ج: أولاً، رداً على هذا السؤال، خطابنا موجّه بالدرجة الأولى إلى الشرق وليس إلى الغرب. إذا كان الغرب يردد من ورائنا ما نقوله فهذا لا يعني أننا صدى للغرب أو لأفكار الغرب. إذا كنا نلتقي مع الغرب في بعض الأفكار، فهذا لا يعني بأننا صدى للغرب. النقطة الثانية التي أثَرْتَها، موضوع الاصلاح من الداخل أم من الخارج. هذا هو الجدل الدائر الآن في العالم العربي. لكن علينا أن نعلم جيداً أنه عندما تتقاطع المصالح وعندما لا يجد الشعب معيناً له في تغيير أنظمة الحكم الاستبدادية الطاغية في العالم العربي، فلا بدّ له إلا الاستعانة بالخارج. يا سيدي، هارون الرشيد استعان بشارلمان ملك فرنسا لكي يطيح بحكم الأمويين المسلمين في الأندلس. تشرشل في الحرب العالمية الثانية تحالف مع ستالين لكي يهزم هتلر النازي، وهو الرأسمالي وستالين هو الشيوعي. يعني التقى الضدّان التقاءً مفاجئاً جداً على مصالح معيّنة. الاستعانة بالخارج ليست عيباً. نحن استعنّا بالخارج طوال عهود مختلفة من العصر الراشدي حتى الآن. عم ربن الخطاب عندما أراد أن يقيم ما يسمى بالديوان أو وزارة المالية بما فيها التنظيم الاداري، استعان بالبيزنطيين في ذلك الوقت. عندما هاجر المسلمون إلى الحبشة استعانوا بملك الحبشة المسيحي في ذلك الوقت وفي عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم. والأدلّة كثيرة...