كيف نتمكن من صناعة (بطل) حقيقي؟ وهل تنصع البطولة وتكتسب أم أنها حالة متعافية مكتملة الشروط تأتي هكذا بجلال كالموت والطوفان والحياة بكل كمائنها واشتراطاتها؟ ربما تبدو الإجابة صعبة ومؤجلة في ظل هذا الاستخفاف اليومي بكل شيء وفي ظل الفوضي والخرائب وشفرات القسوة، وسباق الحيل والأحابيل والالتفات لمكاسب الذات بعيداً عن مكاسب الوطن... وفي ظل العنف العشوائي وضجيج النعوش وتكالب الأسي، والاستخفاف بإرادة الحياة، وتتفاقم صعوبة الإجابة في ظل (حضارة الفراغ) تلك الحضارة التي تحضر (السوبرمانات) في المعامل وتنتج ثقافة ماكرة تخلق الأشباه والنظائر وتعيد تركيب الهندسة الوراثية، دعوني أقول: ان ما من شيء ينزل من السماء، كل شيء من هنا... من الأرض، حتي البطولات الحقيقية، تلك التي تدعوك للحيرة والجدل من فرط مفاجأتها ووقعها الأشبه بحكمة طفل صغير تنهبك نهباً.... إنما تجيء عرضاً بينما الخوذة هي نفسها الخوذة والبكاء لا يزال نفسه..... تمنيت لو ازدحمت مقالتي هذه بالشعر.... وتمنيت وبشكل غير مسبوق أن يكون لي اقتدار علي تمجيد البطولة التي تسكن طفلاً لم يتجاوز عامه الحادي عشر... والنفخ بمشهده الذي خلفه داحراً كل الفتن الطائفية، غير عابيء إلا بالجسارات الكبيرة المنادية بالتفاني والفداء.... (عثمان علي عبدالحافظ) هو اسمه، فهل نتبني موقفه الخارق جميعاً ونضع صورته علي قمصاننا وحقائب أطفالنا المدرسية ومقالمهم؟

هل نستطيع تمرير جريمة (جسر الأئمة) التي راح ضحيتها أكثر من ألف مواطن عراقي والتي تمثل حالة العجز التام وقلة الحيلة ضد مروجي الموت والدمار لتقابلها وفي نفس الوقت تلك المواجهة افلفدية مع تبني الحب و التضحية والتفاني من طفل صغير؟ هل نستطيعع فعلاً إيصال هذا الدرس لأطفال عالمنا العربي المتشبع بقيم كاذبة وبطولات خرافية وأبطال وهميين مستوردين؟

هل يتمكن (إعلامنا) العربي من النفخ في شخصية عثمان علي والضخ فيها بكل صنوف القوة والفحولة فيصبح مثالاً عربياً للبطولة ونسخة قابلة للترويج والتصدير للعالم أجمع؟

أم أن زماننا هذا زمن البطولات المستعارة والوهمية التي علي شاكلة (رامبو) طالما نعايش نظاماً عالمياً جديداً يؤسس لامبراطورية تدير العالم وفق ما تراه وما تريده لتضعه من تصورات ومخططات و أفكار وقيم...

هل نتمكن نحن المشتغلين بالكتابة (العزل) والمترعين ببتبني حالة الحب كحالة دائمة ومستمرة من الوقوف ضد الخدع المبجلة والأكاذيب الوقحة والضخ في عقول قرائنا العرب تماماً كما ضخت أمريكا عبر السينما شخصياتها الوهمية التي تخلق الانتصارات المزيفة الكاذبة لبعث الانتشاء والإحساس بالقوة من خلال مقاتل جديد عجنته (هوليود) بمجموعة شخصيات قديمة مثل طرزان وجيمس بوند وسوبر مان ليظهر البطل الأسطوري المخلّص (رامبو) الذي اقتحم معسكرات الجيش الفيتنامي فيخلص الأسري الأمريكان.... وليتحقق سلفستر ستالوني انتصاراً ساحقاً علي الشاشة تعملق عبر سنوات بعيد في ذاكرتنا (ليس الذاكرة الأمريكية وحدها) ذاك الانتصار الأسطوري البديل ليعوض هزيمة حصلت علي أرض الواقع وبقدر حقق فيها الفيلم إيرادات هائلة وبقدر دعا النجاح للتأثير علي دونالد ريجان للاعتراف عام 1985 قائلاً: لقد شاهدت فيلم رامبو وسأجيد التصرف في المرات القادمة.... (باستقباله رهائن الطائرة المخطوفة في بيروت).

فهل نستطيع بأقلامنا الضعيفة تحويل الطفل (عثمان علي) لبطل سوبرمان يقهر الخوف ويتحدي الدوَّامات النهرية ليخلص رجالاً من الغرق ليلقي بعدها حتفه؟

وهل أنماط الإنتاج التي تتحكم فيها العولمة بما فيها الإنتاج الثقافي والفكري والإعلامي تسمح لنا بصناعة بطل عربي؟ خاصة بعدما تم القضاء علي آخر ما تبقي من ذلك الحلم بعد إلقاء القبض علي صدام حسين وانتشاله من حفرة وتوزيع صوره علي (الميديا) بسرواله الداخلي..... وهل نتمكن بثقافتنا المستلبة الوقوف في وجه ثقافة الصدمة والترويع؟ أظن أن البطل الصغير عثمان سيظل قصة صغيرة جميلة كتبتها سلالة شعب ما زال يحمل كثيراً من صفاته الخارقة.... حتي لو لم تضخ فيها الملايين التي ضخت (لتعضيل) مؤخرة رامبو.

[email protected]