الصادق المهدي


إن لي مع الرئيس العراقي السابق قصة اختلاف شهيرة، فقد أدنت حربه على إيران عام 1980، وأدنت غزوه للكويت في 1991، ولدي زيارتي لبغداد في 1987 في مبادرة لإنهاء حرب الخليج الأولى، اشتبكنا على مرأى ومسمع من وفدينا، لأنه عتب عليّ كرئيس لبلد عربي laquo;السودانraquo; الا أقف مؤيدا لحربه التي يقودها باسم كافة العرب. ورفضت منطقه إنه يحارب باسم كافة العرب، فبعضهم يقف في الجانب الآخر. ورفضت منطقه الممجس للطرف الآخر بأنهم أهل قبلة، ودافعت عن موقفنا بأننا بصرف النظر عن رؤيته إنما ننطلق من توجيه رباني: laquo;وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَاraquo; سورة الحجرات الآية (9)، وبالمثل كان موقفنا من حزب البعث واضحا ولدى لقائي بمؤسسه الأستاذ ميشيل عفلق في بغداد، أثناء نفس الزيارة لخصت له مآخذنا على البعث وهي:

أولا: إن مقولة laquo;أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدةraquo; ناقصة، ما لم تربط تلك الرسالة بالإسلام. ثانيا: إن شعار البعث: laquo;وحدة حرية اشتراكيةraquo; إذ أهدرت الحرية أطاحت الهدفين الآخرين. ثالثا: أن الشعار القومي العربي، إذا لم يستطع استيعاب حقوق الجماعات غير العربية في المحيط العربي، فإنه يخلق استقطابا حادا ويمزق الوحدة الوطنية، لا سيما في بلد كالسودان. وافقني الأستاذ على بعض ما ذهبت إليه، وقال لي إنه بصدد إجراء مراجعات على ضوء التجربة ربما laquo;برسترويكاraquo; بعثية، ولكن الأيام لم تمهله وقد ذكرت هذه الحادثة في نعيه عندما توفي. ونتيجة لهذه الخلفية كان للبعث العراقي تدخل اعتبرناه غير حميد في الشأن السوداني، وامتدت يدهم بالدعم المادي لأكثر الأحزاب السودانية الأخرى.

وكنت اعتبر ممارسات البعث الشمولية من عثرات التجربة القومية العربية الحديثة، وعندما سمعت في المذياع السيد عزة إبراهيم، يقول في أكتوبر 2002 الآتي:

11.445.68عدد العراقيين الذين يحق لهم التصويت. 11.445.68 عدد الذين حضروا لصناديق الاستفتاء. 11.445.68 عدد الذين صوتوا للرئيس صدام.

كتبت في مفكرتي: هؤلاء خارج التاريخ ويخاطبوننا باعتبارنا بلا عقول! رغم هذا فإنني وقفت رافضا للغزو الأمريكي للعراق، وأعلنت ذلك بكل الوسائل وكتبت خطابا للرئيس الأمريكي جورج بوش قبل الغزو، أقول فيه إنك حتما سوف تتمكن من هزيمة القوات العراقية عسكريا، ولكنك سوف تحصد هزيمة سياسية، وتحقق عكس مقاصدك المعلنة في العراق، لذلك لا تقدم على هذا الغزو. ولكنه لأسباب كثيرة ذكرناها في مقام آخر أقدم على الغزو، وحقق عكس مقاصده المعلنة في العراق، وحصد خيبة سياسية تاريخية. ليس هذا فحسب، بل ان ما فعلت الولايات المتحدة وما فعلته إسرائيل حليفتها في المنطقة من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية منذ أبريل حتى يومنا هذا، تتساوي في كثير من الأحوال مع جنايات النظام العراقي السابق وفي حالات كثيرة كما شهدنا في لبنان، وما نشهد اليوم في بيت حانون تفوقها.

ولا أجد تعبيرا أصدق مما قاله نيكولاس كريستوف في صحيفة الهيرالد تربيون (18/10/2006) laquo;هذه لا تبدو حربا على الإرهاب، بل هي حرب على قيمناraquo;. قال ديفيد أوباي المتوقع بعد فوز الديمقراطيين أن يصير رئيس لجنة المخصصات في مجلس النواب عن حرب أمريكا على العراق، إنها أغبى حرب خضناها منذ عام 1812. ورغم مخاوف الأمريكيين الأمنية ومحاولة الإدارة الأمريكية التباهي بأدائها في العراق لدرجة توقيت إعلان النطق بإعدام صدام يوم الأحد الماضي، أي قبل 48 ساعة من الانتخابات الأمريكية بهدف التأثير على الناخبين الأمريكيين، أكدوا أنهم كسائر الشعوب الغربية صاروا يدينون غزو العراق وما صحبه من خطايا وأخطاء. صورة لخصها قبل الانتخابات رتشارد بيرل أحد صقور الإدارة بقوله: لو كنا نعلم حقيقة ما يجري الآن في العراق لما أقدمنا على غزوه، ولا على إسقاط صدام حسين.

العراق اليوم مسرح جرائم مركبة: فيه حرب بين بعض الشيعة والسنة، وحرب فيما بين بعض فصائل الشيعة وآخرين، وكذلك بين بعض فصائل السنة. والعراقيون اليوم مشهد حرب أهلية داخلية، ومقدمة لحرب إقليمية موسعة، ومرحلة أولى من حرب أممية. ما لم تجر وبسرعة، مراجعة جذرية للسياسة الأمريكية في العراق وللسياسات داخل العراق بين الأطراف الوطنية، فإن المسرح العراقي سوف يودي بأمن الخليج وسلام العالم،

الحروب الداخلية العراقية في ظل الاحتلال فتحت الباب واسعا لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وفي أوائل الغزو كان العراقيون خاصة، والعرب عامة، مستبشرين بإطاحة نظام لا ينكر مفاسده وجرائمه إلا مكابر. ولكن السياسات الخاطئة داخل العراق وحولها، خلقت لدى بعض العراقيين وكثير من العرب والمسلمين، تعاطفا مع صدام حسين:

عتبت على سلم فلما هجرته
وجربت أقواما بكيت على سلم!

هذا كله لا يمحو ما ارتكب صدام حسين من جرائم، ولكنه يدخل الأمر كله في معادلة جديدة من الناحية القانونية ومن الناحية السياسية. ما يجري في العراق الآن لا يمكن علاجه في الإطار القانوني وحده، يمكن للقانونيين أن يجادلوا حول صحة إجراءات المحكمة، كما يجادلون حول شرعيتها في ظل الاحتلال. ولكن من الناحية القانونية الصرفة، فإنها مهما قيل عنها تفوق أضعافا مضاعفة المحاكمات في ظل النظام السابق. لكن المجادلة القانونية مهما كانت لا تكفي بل توجب إطاراً أوسع لا يلغي الجرائم المرتكبة في حق الإنسان العراقي، ولكن يوازن بينهما في معادلة مصارحة ومصالحة ومساءلة عامة على نحو ما فعلت جنوب أفريقيا عام 1993. نعم صدام حسين مذنب ومهما اختلت الإجراءات القانونية تحت الاحتلال، لا يمكن لعاقل أن ينكر ذلك، ولكن التصرف في الأمر من دون مراعاة المستجدات يجعل القانون معولا لهدم العدالة. العراق الآن يحظى بنظام دستوري تجعله الحرب الأهلية والاحتلال ناقص الشرعية. لكي يحقق شرعيته كاملة، فإن أمامه ثلاثة انجازات مطلوبة: أولاً: إجراء مصالحة شاملة لا تستثني أحدا لا سيما المقاومة. ثانياً: إجلاء قوات الاحتلال. ثالثاً: إشراك جيران العراق في برنامج استقراره ونقل المهام الخارجية من الولايات المتحدة للأمم المتحدة. إعدام صدام حسين في الظروف الحالية، سوف يعقد هذه المهام الضرورية.

يقضي على المرء في أيام محنته
حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن