فؤاد الهاشم


عشت في القاهرة خلال الغزو العراقي والى ما بعد التحرير بحوالي ثلاثة اشهر وعندما نصحتنا الحكومة الكويتية بعدم الدخول اليها مباشرة والانتظار لمدة 90 يوما حتى يتم تطهيرها من الالغام والاسلحة وجثث الجنود العراقيين الذين كانوا مثل اسياخ الشاورما raquo;الناشفةlaquo; داخل آلياتهم ومدرعاتهم ودباباتهم!! كنت اسكن في شقة في الدور العاشر في عمارة مكونة من 20 طابقا بشارع raquo;جول جمالlaquo; الموازي لشارع raquo;البطل احمد عبدالعزيزlaquo; بالمهندسين، ولان مصر raquo;بوتقةlaquo; ـ مثل امريكا ـ تصهر كل من فيها فيتطبع بطباعها ويتحدث بمفرداتها ويفكر بطريقتها، فقد نزلت ـ ذات يوم صباحا ـ ومعي raquo;سلطانيةlaquo; او raquo;بادية ـ بالكويتيlaquo; متجها الى محل الفول المواجه لمدخل العمارة ووقفت بالطابور لشراء الفطور، ونظرا لعدم معرفتي بـ .. raquo;مقاسlaquo; الجنيه المصري بالنسبة لهذه الوجبة المصرية الصميمة، فقد طلبت من البائع ان يعطيني فولا بـ raquo;جنيهlaquo; لاكتشف ان الكمية التي حصلت عليها تكفي.. ستة اشخاص! raquo;الفولlaquo; الذي تشتريه بهذه الطريقة يباع لك ـ كما يقال باللهجة الكويتية raquo;مفصخlaquo; تماما ـ اي عليك ان تضيف بقية المكونات التي تريدها في المنزل وهي raquo;الزيت والكمون والملح والبصل والطماطمlaquo; ثم تلتهمها هنيئا مريئا، وقد حدث ذلك، لكنني ـ بعدها ـ نزلت مرة اخرى ولكن الى raquo;الاجزخانةlaquo; ـ او الصيدلية ـ لاشتري raquo;دواء فوار ومهضمlaquo; بعد ان وصل raquo;الحارجlaquo; الى مستوياته العليا في المسافة الممتدة من raquo;البلعومlaquo; وحتى ما دون raquo;الحجاب الحاجزlaquo;!! في منتصف شارع raquo;جول جمالlaquo; كان هناك raquo;الفاكهانيlaquo; وraquo;الخضريlaquo; وraquo;الجزارlaquo; وraquo;الفرارجيlaquo; و.. مقهى صغير اجلس في احد زواياه اقرأ الجرائد المصرية واشرب raquo;سحلبlaquo; وraquo;فنجان قهوة مضبوطlaquo; و.. raquo;اطالع الرايح والجايlaquo; ومتابعا اخبار الحشود الامريكية التي تصل تباعا الى منطقة raquo;حفر الباطن السعوديةlaquo; التي وصل عددها ـ وكنا في شهر اكتوبر عام 1990 ـ الى ثلاثمائة الف جندي، ومن اجل الوصول الى رقم نصف مليون مقاتل امريكي وحوالي مائة الف مقاتل من عدة دول عربية زائد بوارج وسفن قتال وسفن امداد وسفن طبية من اوروبا الشرقية وامريكا اللاتينية.. الى اخره!! اجدت الحديث باللهجة المصرية الى درجة يستحيل على اي مصري ان يعرف انني كويتي، وكنت انسى احيانا ـ واندمج في الحديث بهذه اللهجة المصرية ـ مع زميل الغربة وصديق الهجرة المؤقتة raquo;عدنان السيدlaquo; واقول له ـ raquo;انت ليه مش عايز تسمعني.. كويسlaquo;؟ فيضحك كثيرا ويرد على ما اقوله بنفس اللهجة قائلا.. raquo;معلش، سامحني.. يا ريسlaquo;! استمتع ـ حاليا ـ بمشاهدة حلقات الملك raquo;فاروقlaquo; واحداثها تختلف تماما عن كل الاحداث التي قرأتها في كتب كثيرة تحكي قصة ثورة 23 يوليو وتشرح اسلوب حياة الملك والحاشية وفساد الباشوات والديكتاتورية وظلم الفلاحين raquo;الغلابةlaquo; ـ التي جاءت الثورة والضباط الاحرار لـ raquo;تنصفهم وتعطيهم الاراضيlaquo;، وقد تفاجأت بذلك الكم الهائل من الديموقراطية وتعدد الاحزاب وتلك الحرية التي تجعل من رئيس الوزراء raquo;النحاس باشاlaquo; يصدر امرا بالقبض على امراء من الاسرة المالكة دون ان يستطيع الملك ان يمنعه، بينما كان اصغر ضابط جيش ـ في زمن الثورة ـ يستطيع ان يعتقل سكان منطقة بأكملها في حي شعبي لان ابن البواب ضرب ابن.. الضابط! التاريخ يصنعه الرجال، لكن.. يكتبه المنتصرون.. دائما!!