تركي الحمد



وصلت إلى قناعة تصل إلى حد اليقين، بأن تاريخنا العربي المعاصر، وخاصة في أعقاب هزيمة العرب أمام إسرائيل عام 1948، وتوالي الانقلابات العسكرية العربية بعدها، لم يكن إلا تاريخاً من تزييف الحقائق، وقلب الوقائع، وصُنع أوهام كبيرة صدقناها جميعاً، وغرقنا في حقيقتها المزيفة، حتى أصبحنا في النهاية غير قادرين على التمييز بين الحق والزيف، ليس بالنسبة للتاريخ فقط، ولكن حتى في حياتنا اليومية التي غرقت في لجة من الشعارات والمقولات والتاريخ المزيف. وحقيقة الأمر أن المسألة لا تتعلق بتاريخنا العربي المعاصر، بقدر ما هي متعلقة بمجمل تاريخنا العربي الإسلامي المُنتقى والمُصفى، والذي لا يشكل التاريخ المعاصر، إلا امتداداً عضوياً له، ولكن تلك حكاية أخرى.

ففي تاريخنا المعاصر مثلاً، قيل لنا، أو لُقنا بالأصح، أن الملك فاروق، ملك مصر والسودان حتى عام 1952، كان شخصاً فاسداً، سكيراً، زير نساء، وأشياء أخرى كثيرة، صدقناها في وقتها، حتى تبين لنا أن الرجل لم يكن كما يصفون، ولم يكن نظامه كما ينعتون. لم يكن فاروق ملاكاً بطبيعة الحال، وليس منا من هو ملاك، ولكنه لم يكن شيطاناً كذلك. ففي تاريخنا المعاصر، والقديم أيضاً، كل أمة تأتي كانت تلعن التي هي قبلها، ولسان حالها يقول: لم يكن من قبلكم على شيء، حتى أصبحنا ندور في حلقة من اللعن والتلاعن، وضاعت الحقيقة في خضم كل ذلك.

جاء عبد الناصر وجعل التاريخ المصري يبدأ من 23 يوليو عام 1952، وكل ما كان قبل ذلك هو فساد وضياع وتخبط لا قيمة له في ميزان التاريخ. وجاء قاسم وعارف وجعلا من 14 يوليو عام 1958، نقطة البدء في التاريخ العراقي المعاصر، أما قبل ذلك فهو استعمار وفساد وظلم وخواء في خواء. أما الأخ العقيد، فلم تكن ليبيا وحدها تكفيه كي يلغي تاريخها المعاصر، ولم يكن السنوسي ونظامه آخر همه، فقد شطح الأخ كثيراً، وجعل من laquo;ثورة الفاتحraquo;، عام 1969، وكتابه الأخضر، نقطة انطلاق جديدة في تاريخ البشرية كلها، بصفته إنجيل البشرية الجديد، بحيث أصبح كل ما كان قبل laquo;الفاتحraquo; وlaquo;الأخصرraquo;، مجرد تخبطات وضلالات عانت منه البشرية، حتى قيض الله لهم مخلصاً، هو المهدي والمسيح معاً، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن تجارب السياسة المضطربة، إلى نعيم واستقرار المؤتمرات الشعبية.

أما البعثيون، فهم أصحاب laquo;الرسالة الخالدةraquo; التي لا اندثار لها، التي من خلالها يُصبح العربي سيد العالم، وتبقى العروبة فوق الجميع، ومن هنا فقط يبدأ تاريخ البشرية. والمسألة في النهاية ليست قاصرة عل مصر أو العراق أو ليبيا، بل نستطيع القول إنها تشمل الجميع بشكل عام، وتلك البلدان التي عانت من تجارب العسكر، واجتهادات الانقلابيين، وقطعيات المؤدلجين بشكل خاص: يلعنون من قبلهم، ويهيئون الأجواء ليُلعنوا ممن بعدهم، وتستمر الدوامة، ويبقى إنسان المنطقة هو الخاسر الأوحد في نهاية المطاف، فحيث تغيب الحقيقة، يغيب الوعي. وحين يغيب الوعي، يتحول كل شيء إلى عبث لا معنى له. وحين ينتفي المعنى، يضيع الاتجاه، وعندها يتحول كل شيء إلى صحراء جرداء مترامية الأطراف، لا يُعرف شرقها من غربها، ولا شمالها من جنوبها، هي شمس النهار الحارقة ولا شيء غيرها.

لقد نشأ جيلي على كل تلك الترهات والأكاذيب، التي صدقناها وعشنا على ضوء شعاراتها وحقائقها المُعدلة جينياً، إن لم نقل الممسوخة سحرياً، فضعنا وأضعنا، ولكن الحقيقة تأبى إلا أن تفرض نفسها مهما طال الزمان، وامتد الأوان. الموضوع شائك وطويل لا يمكن أن تحتويه عجالة مثل هذه المقالة، ولكن قد يكون مثلا جزئيا صغيرا، معبراً عن حقيقة كلية لا يمكن لملمة أطرافها، ومثلنا هنا هو شخصية لطالما ارتبطت في الأذهان بالعمالة والفساد والبطش والظلم، وكل ما يمكن استخراجه من صفات في القاموس السياسي العربي، الثري بمثل هذه الصفات، ألا وهو نوري السعيد، رئيس وزراء العراق الملكي لأربع عشرة مرة، ورئيس وزراء الاتحاد الهاشمي.

نشأ جيلي على كراهة كل ما له علاقة بالعراق الملكي، بل وعلى كراهة كل ملك وكل ما هو نظام ملكي، حتى وصل الأمر في لحظة من اللحظات إلى أن يكره المرء وطنه لمجرد أن على رأسه ملك، ويحكمه نظام ملكي، فلم تكن العبرة، حين يطيش العقل، بنتائج الأمور، بل بصفاتها، بانقياد كامل لعقل أُدلج حتى النخاع، إن لم أقل غُسل حتى النخاع. وفق هذا laquo;العقلraquo;، أو اللاعقل المُعقلن، كان نوري السعيد، وغيره بطبيعة الحال، هو الشيطان بعينه، فكل صفات الشيطان، وأكثر منها تتوفر فيه. ورغم كل النكبات التي مرت بها laquo;أمةraquo; العرب عموماً، والعراق خصوصاً، بعد سقوط الملكية العراقية ومصرع laquo;الديكتاتورraquo; العراقي الأشهر، إلا أن نوري السعيد بقي هو الرمز الأشهر، بالمشاركة مع فاروق، لكل الفساد السياسي العربي، وكل الآفات التي عرقلت انطلاق laquo;المارد العربيraquo;، وحطت من laquo;كرامةraquo; وإنسانية الإنسان العربي، الذي يردد اليوم مع الشاعر: عجباً للزمان في حالتيه.. وبلاء ذهبت منه إليه. رب يوم بكيت منه فلما.. صرت في غيره بكيت عليه.

أو قول الشاعر: دعوت على عمرو فمات فسرني.. وعاشرت أقواماً بكيت على عمرو.

في كتابه laquo;ماذا جرى في الشرق الأوسط؟raquo;، يوجز لنا الأستاذ ناصر الدين النشاشيبي، تلك الصورة القاتمة التي صُور بها نوري السعيد، وهي الصورة التي وقرت في أذهاننا وأكثر، أيام الثمالة الأيديولوجية، والحمى الثورية، في أعقاب laquo;ثوراتraquo; العرب laquo;التقدميةraquo;. يقول النشاشيبي: laquo;فقد كان في وسع نوري أن يُعطي العراق كثيراً.. ويُعطي العرب كثيراً.. ويُعطي الشرق الأوسط كله كثيراً، لو أنه عمل من أجل العرب بقدر ما أراد أن يعمل من أجل بغداد، وعمل من أجل بغداد، بقدر ما عمل من أجل نفسه، وعمل من أجل نفسه بقدر ما أراد أن يعمل من أجل.. بريطانيا!raquo; (بيروت: المكتب التجاري، 1962، ص. 67). والحقيقة أن هذه الصورة التي يُقدمها النشاشيبي، الصحفي الفلسطيني في جريدة أخبار اليوم، أيام العنفوان الناصري، لم تكن صادقة تمام الصدق، ولا دقيقة تمام الدقة، حيث كانت متأثرة بالأجواء السياسية المحيطة، والموقف الإيديولوجي للكاتب، ويبقى في النهاية أن الحكم على الشيء جزء من تصوره، كما يقول الفقهاء. فهل فعلاً كان نوري السعيد محباً لنفسه أكثر من قضيته؟ وهل فعلاً كان نوري السعيد عميلاً بريطانياً على حساب وطنه؟ وهل كان نوري السعيد فعلاً معادياً ومتآمراً على العرب وقضيتهم laquo;الكبرىraquo;، أي القضية الفلسطينية؟ وفي النهاية، هل كان نوري السعيد ديكتاتوراً، ظالماً، باطشاً، غشوماً، كما صورته بروبغندا من جاء بعده من دعاة الديموقراطية والعدل شعاراً؟.. من حرقة هذه الأسئلة يتواصل الحديث..