رضوان السيد


أقرَّ الكونجرس الأميركي خطة غير مُلزمة لإدارة بوش، قوامها تقسيم العراق باعتباره السبيل الباقية المتاحة للخروج الأميركي منه من دون هزيمة. وكما اختلف على المشروع أو القرار الأميركيون بداخل الولايات المتحدة، كذلك اختلف العراقيون: السنة رفضوه رفضاً قاطعاً، كما رفضت كثرة منهم الفيدرالية من قبل. والأطراف الشيعية الرئيسية كرهت العنوان من دون المضمون، والذي تعتبره غير متنافٍ مع الفيدرالية ومع الدستور، والأكراد رحبوا به باعتباره يعطيهم دولة سبق للأميركيين، على أي حال، أن وعدوهم بها قبل الغزو عام 2003.

فلندرس حسابات الأطراف جميعاً لندرك دلالات هذا القرار في السياقات الحالية. حسابات الكُرد أن المشروع يُدنيهم من هدفهم النهائي المتمثل في الدولة القومية المستقلة أو شبه المستقلة، لكنهم يعرفون (ولا يَعُون) أن الأتراك لن يعجبهم ذلك قطعاً، وكذلك الإيرانيين.

ووسط الاضطراب الذي سيحصل في أجزاء العراق خارج المنطقة الكردية، ستكون كل الآفاق مغقلة في وجوههم: الحدود الإيرانية، والحدود التركية، والحدود السنية- الشيعية. المناطق السنية ستكون مهمة لهم جداً وسط الإقفالين التركي والإيراني، ولذلك سيختنقون ولاشك. من هنا فإن مصلحتهم تكمن في الوضع الحالي حيث هم مستقلون، بينما تسترهم حكومة بغداد باعتبارها الحكومة المركزية، بدلاً من مقاساة أهوال الانفصال والاستقلال أو الانكشاف. ومن هنا لست أدري ماذا يأملون من وراء الانقسام والتقسيم؟! تُغري الأكراد ولا شك المسألة القومية، وتغريهم الراحة التي تمتعوا بها طوال أكثر العقدين الماضيين. ولذا لا يسألون كثيراً عن المصائر وعما ما هو أبعد من زعامة البارزاني والبشمركة، ما دام المعروض يعطيهم بترول كركوك إضافة للجمهورية!

أما الزعامات الشيعية الحاكمة (المجلس الأعلى وحزب الدعوة) فقد تطورت بها الأمور في السنوات الثلاث الأخيرة، بحيث ما عادت تحسب حساباً كبيراً لغير السيطرة على مناطق الجنوب الغني بالنفط. فالحزبان ما اكتفيا باحتكار السلطة وتنحية حتى الأطراف الشيعية الأخرى (تيار مقتدى الصدر وحزب الفضيلة)، بل اقتسما بالفعل وإلى حد كبير، النفط ومنتجاته وثرواته. وقد كان ذلك في أذهانهم من قبل عندما أصروا على تضمين الفيدرالية في الدستور. ومن المؤكد أن ذلك لن يُعجب التيار الصدري، ولن يُعجب عامة الشيعة الذين يريدون العراق موحداً لأنهم الأكثرية وهم يستطيعون إذا بقوا موحدين أن يحكموا البلد كله وليس مناطق الكثرة الشيعية فقط. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا قبول الحاكمين الخفي وغير المباشر؟ وما هو موقف إيران الحقيقي وهي الداعمة من قبل للفيدرالية؟ إيران ما قبلت الدولة العراقية المستقلة الموحدة إلا بعد لأي وتردد وبسبب الضعف في العشرينيات عندما جمع البريطانيون الولايات الثلاث (بغداد والموصل والبصرة) في دولة، وقتها كانت إيران تدعي الحق في بعض العراق، ووقتها كانت تخشى القوة العراقية على أمنها ومصائرها، وقد ثبتت الاضطرابات الثورية بالعراق ذلك الانطباع، وانحسم هذا الإدراك في الحرب التي شنها صدام حسين عليها طوال ثماني سنوات. ما عادت إيران تقبل بدولة عراقية quot;موحدةquot; وقوية حتى لو كانت للشيعة كفة راجحة فيها. أما إذا قامت دويلة شيعية أو شبه دويلة في مناطق جنوب العراق فإنها لن تشكل خطراً، وستقع تحت جناح إيران على كل حال. لذلك لن تخرج إيران من العراق بعد أن تغلغلت فيه، فهو مصلحة دينية واستراتيجية ويتيح مجالاً للنفوذ وهامشاً للمناورة مع الأطراف العربية ومع الأميركيين، وهو يصحح ما سبق للعراقيين والعرب والبريطانيين أن ارتكبوه بحق إيران! ولا شك أن الأميركيين والشيعة العراقيين، سبق أن سألوا إيران عام 2005 عندما كان المشروع الفيدرالي ما يزال قيد التفكير، وحيث إيران ما تزال تُقنع مقتدى الصدر وغيره بعدم مقاتلة الأميركيين. ومع ذلك لن يكون سهلاً على الجمهور الشيعي القبول بالتقسيم للعوامل والاعتبارات الطائفية فقط. فهناك وطنية عراقية عميقة الجذور، لا فرق فيها بين الشيعي والسني، وأكاد أقول إنها ليست بعيدة ولا غريبة على الأكراد، رغم ما فعله صدام بهم، ورغم الإغراءات القومية والإثنية والأحلام العريضة منذ مائة عام.

أما السنة العرب فلا يستطيعون القبول، لأنهم يعتبرون العراق الموحد مشروعهم التاريخي، بغض النظر عن النفط ومناطقه. فها هي تركيا إلى جوارهم لا بترول فيها، لكنها دولة قوية ومزدهرة. وها هي سوريا التي تحفل بالطوائف والإثنيات لكنها تملك نزعة اندماجية ما تخلخلت رغم كل شيء. وكذلك الأمر مع السعودية والأردن والكويت، وذلك للاعتبارات العربية وللاعتبارات المصلحية. فعندهم اليوم مليون عراقي لاجئ، وهم يخشون تقدم إيران باتجاه حدودهم.

لكن من جهة أخرى لا يملك العراقيون الوحدويون، ولا العرب المجاورون خيارات كثيرة. فقد أمكن لهم إعاقة الأميركيين ومنعهم من الانتصار، لكن الأحقاد الهائلة والعميقة جعلت كل طرف مشغولاً بنفسه وبحساباته الخاصة، وعلاقاتهم بالأميركيين لا تقل اضطراباً الآن عن علاقاتهم بالإيرانيين، ولا يعرف أحد كيف ستتطور الأمور مع تركيا ومع الولايات المتحدة بعد إيران!

أما العجب الأعجب فهو ما وقع فيه الأميركيون، إذ اختفت مطامح وأهواء وجبروت الأوحدية القطبية، وما عاد هناك غير همٍّ واحد هو الخروج من المأزق، ولو كان الأمر هو النزاع الداخلي العراقي وحده لخرجوا من العراق ومنذ سنة على الأقل. لكن المشكلة تفاقمت بعد الاختلاف والتصارع مع إيران بحيث ما عاد المطروح فقط الملف النووي، بل والاستيلاء على العراق، وعلى سوريا ولبنان، وتهديد أمن إسرائيل والتجبر من جديد على الخليج، مثلما كان عليه الأمر عندما غادر البريطانيون عام 1969.

فالهم الأميركي الآن ثلاثة هموم: الوفاء للمواريث التي تركها البريطانيون وتسلم زمامها الأميركيون متعهدين بحفظ الحدود (سايكس- بيكو) والتوازنات. والهم الآخر وجود إسرائيل وأمنها. والهم الثالث هو منابع النفط والغاز وممراتهما. وكل هذه الأمور يهددها تقسيم العراق أو حتى ضعف السلطة المركزية فيه. ثم إن تغيير الحدود في العراق، سيغير الحدود في المنطقة كلها، وهذا الأمر لا يهدد الدول العربية المشرقية وحسب، بل هو سيهدد تركيا، ويهدد المصالح الأميركية والغربية. وعلينا أن لا ننسى الأصولية الإسلامية السنية المشتعلة، والتي لا تنحصر بـquot;القاعدةquot; وquot;حماسquot;، بل هي مؤثرة في المزاج العام وهو فائر وانقسامي. ولاشك أن المنظر الأميركي الودود جزء من جاذبية الولايات المتحدة. لكن الود زال منذ زمن، والفضل في ذلك لهجومية الرئيس بوش وعشوائية quot;المحافظين الجددquot;. وبذلك لا تبقى غير الهيبة. والخروج الأميركي بهذه الطريقة (أي على أنقاض الدولة العراقية) يزيل ما تبقى من هيبة لتلك القوة العسكرية الجبارة، خاصة أن القوى الأخرى في المسرح الدولي عادت للحضور وبقوة. كل تلك الاعتبارات تجعل من quot;استراتيجية الخروجquot; الأميركي أو شكلها أساسية وحاسمة.

والبريطانيون هم أخبر الخبراء بمعنى الانحسار ونتائجه بعيدة المدى. فقد ارتبكوا لأكثر من ثلاثين عاماً، بعد الخروج من شرق السويس، وإن تعزوا باستنقاذ الولايات المتحدة للمشهد، وبعودتهم إليه من الحديقة الخلفية وتحت مظلة الأميركيين، لكن مغامرة بلير مع بوش بدلاً من كبح جماحه، كشفتهم بحيث ما عاد لهم غير النجاة بأنفسهم فيما يبدو!

وفي النهاية، لن يكون الإنقاذ لهيبة الولايات المتحدة ومصالحها بالخروج من العراق، أياً يكن شكله. بل المأزق يكمن في أنها إن خرجت من دون ضربة لإيران فستتحقق الخطة الإيرانية في الهيمنة، وستدخل في صراع مع إسرائيل ومع تركيا، وإن خرجت بعد ضربة لإيران فستخرج والمنطقة حافلة بالملاحم والنيران التي تذكر بنشوريات أو إمارات القيامة.

وهكذا كان على الولايات المتحدة -وصوناً لمصالحها وهيبتها- أن لا تغزو العراق، بل أن تقطف ثمرات تدجينها لصدام بعد أن دمرت جيشه وحاصرته، لكن الذي حصل عكس ذلك تماماً، ولات ساعة مندم!