غسان ثويني

في زحمة البحث عن مواصفات رئيس الوفاق، الانسانية والسماوية، تحضرنا واحدة يفرضها قرع طبول الحرب وارتفاع مشاريع رايات السلام، من هنا وهناك، واحياناً من المكان ذاته الذي تقرع منه الطبول.
ولهذه quot;المواصفةquot; اسم نبتكره من وحي المحيط الذي يغمر لبنان، هو quot;المساحة الفكرية والنفسيةquot; التي تهيئ الرئيس العتيد لاتخاذ قرارات السلم والحرب، وهي قمة القرارات التي يخص بها الدستور رئيس الجمهورية بعبارات لا مجال للنقاش فيها وحولها. فضلاً عن كونها بالذات القرارات التي تفترض وفاقاً على الرئيس تأمينه، على افتراض انه لم يأت باسمه. كما تفترض بل تفرض ان تنبثق من الوفاق الرئاسي حكومة قادرة على فرض مثل هذه القرارات بوفاق لا يهدده quot;ثلث معطلquot; ولا quot;ثلث مكمّلquot;!!!

bull;bull;bull;

كيف تتكوّن هذه quot;المساحةquot; وكيف تكتسب المناعة بل الصدقية المطلوبة لمواجهة كل الطوارئ؟
أولاً: وقبل كل شيء بالإلمام المعرفي بما يتسبب بقرع طبول الحرب والدعوة الى مؤتمرات، بل لقاءات السلام وأية حدود يمكن ان توضع لجدول بل جداول اعمالها وquot;الاجنداتquot; المنتظرة.
ثانياً: ان تستوعب هذه quot;المساحةquot; كل ما تدّخره مواقف الأفرقاء اللبنانيين والأفرقاء الذين يتوسلون حروب اللبنانيين لخوض حروبهم داخل quot;الساحةquot; اللبنانية وعلى حدودها وفي عقول ونفوس ومصالح الافرقاء اللبنانيين المستقطبين منهم للغير quot;الآخرينquot;، وغير المستقطبين للآخرين.
ثالثاً: ان يكون لشخصية الرئيس وزن quot;ثقافي ndash; سياسيquot; خاص، متجذّر في استقلالية لبنان وسيادته ومتجوهر بالرسالة اللبنانية التي من دونها يزول quot;مبرر وجودquot; لبنان وتبطل ذاتيته.
رابعاً: واستطرادا، ان يكون للرئيس على أهل quot;14 آذارquot; تأثير مستمد من التزامه الاستقلالي الذي لا يرقى اليه شك، وان يكون الى ذلك قادراً على توظيف استقلاليته هذه لدى فريق 8 آذار، بما يتجاوب مع روحية quot;المقاومة اللبنانيةquot;، متجاوزاً بصدقية دعوته الالتزامات quot;المحوريةquot; لهذا الفريق.
ولا بأس اذا تسلّح الرئيس بما يجب ان يعرف ndash; وبما في متناوله ان يعزز به المعرفة من الشهادات الدولية ndash; حول التفاوت بين المصلحة الايرانية من حلفها مع 8 آذار والمصلحة السورية من هذا الحلف.

bull;bull;bull;

[وتوضيحاً لذلك ndash; بين هلالين ndash; لن يفاجئنا ان يكتشف الرئيس ان ليس لايران مصلحة لا وطنية ولا اقليمية في ان يستدرج quot;حزب اللهquot; المنطقة الى حرب مذهبية بين السنة والشيعة لأن هذه تؤدي الى عزل ايران ومنعها من ان تكون ما طمح اليه الامام الخميني، أي جمهورية اسلامية لكل المسلمين لا للشيعة فقط، فضلاً عن ان عزلها وانحصارها في الشيعة يمنعان التفاف سائر المسلمين حولها في حال نشوب حرب اميركية عليها... بينما المصلحة السورية من quot;حزب اللهquot; قد تكون، على العكس، ان تؤدي سلوكيته الى الفوضى والاضطراب الامني اللذين تستمر دمشق تحذّر لبنان منهما بلغة يصحّ احياناً تفسيرها بالانذار.]

bull;bull;bull;

من ذلك كله نستخلص ان الرئيس العتيد سيجد نفسه مضطراً الى مواجهة خطر امتداد الحرب الاميركية على ايران، اذا وقعت، الى حدود لبنان بل الى داخله. فعليه ان يتهيأ ويهيئ الدولة والشعب الى ردها وعدم الوقوع في أي من أشراكها التي ستتكاثر. وعليه ان يعرف كيف يقيس احتمالات تحييد لبنان اذا حاول اي من الافرقاء الاقليميين او الدوليين فرض هذه الحرب عليه أو خوضها على quot;ساحتهquot; او استدراج فريق لبناني ما الى اعتبار نفسه معنياً بخوضها بمعزلٍ عن الموقف اللبناني quot;الوفاقيquot; أي quot;الجماعيquot;... عليه ndash; نقول ndash; ان يقيس احتمالات تحييد لبنان واستتباعاً تحمّل مسؤولية فرض الموقف الذي يجده منسجماً مع المصلحة اللبنانية الاستقلالية وقابلاً للتنفيذ من غير التأثير على الوفاقية، بل الوحدوية اللبنانية.
هذا في حال رجوح احتمال الحرب. وقد تقع صدفة، لا نتيجة تخطيط وقرار، بل نتيجة خطأ تكتيكي من هنا او استراتيجي من هناك.
وفي ظننا ان علينا ان نتهيأ بالاحرى لمساعدة ايران في ديبلوماسيتها الهادفة الى منع الحرب. وقد يهون عليها، وعلى العالم بأسره هذا الأمر، اذا تكرّس المسلك quot;الكوريquot; (بعد الاتفاق بين الكوريتين) وتغيّرت المقاييس الدولية للحظر النووي، ومعايير الاستقلالية في تطوير الذرة للاغراض السلمية، ومعايير تقبل ذلك بل تهوين أمره.


هذا عن الحرب. فماذا عن السلام؟
السلام ترتفع راياته بكثير من الخفر والاضطراب، أفقه الجامع الوحيد هو مشروع اجتماع أنابوليس الذي يترددون حتى في وصفه، فكيف بالذهاب في تعيين جدول اعماله الى اكثر من العنوان الكثير الطموح الضيق الطريق: قيام دولة فلسطينية الى جانب الدولة الاسرائيلية وتنظيم سلام ما بينهما.
وأكثر ما يثير الضباب حول quot;الاجتماعquot; المبهم هذا هو الشروط التي تضعها سوريا وسواها لقبول دعوة لم توجّه بعد الى احد. ومع ذلك، بل عملاً بذلك، يجدر بالرئيس الوفاقي ان يواجه مشروع الدعوة التي لا بد ان توجَّه الى لبنان، فيما اذا وجِّهت الى سوريا، ببعث موقف quot;وحدة المسارينquot; على ان يكون التقرير ثنائياً فعلياً وتشاورياً حقاً. وكذلك فان المسار متى توحّد يزيد من قدرتنا ndash; على فرض ان لبنان هو الذي يأخذ المبادرة، ومن رئيس توافقي وليس quot;سوري المنشأquot;!
وبديهي ان يؤيد لبنان المطلب السوري الشرطي ان يوضع الجولان على جدول الاعمال. وفي المقابل يطلب لبنان، وتؤيده دمشق ان توضع مسألة مزارع شبعا على جدول الاعمال. مفهوم؟
واذا انعقد الاجتماع، الذي نتمناه منعقداً بهذه الشروط، فمن البديهي ان تتدرج ابحاثه الى كل المسائل العالقة بين العرب واسرائيل، وفي طليعتها مصير الفلسطينيين المشرّدين (اللاجئين) وشروط عودتهم وكل ما سبق للامم المتحدة وسواها ان اتخذته من قرارات ترفضها اسرائيل، ولعلها لم تعد في وضع يمكّنها من الاستمرار في الرفض.
وبديهي، ختاماً لموضوع اجتماع انابوليس ان نقول
ان quot;ديناميةquot; السلام التي سيطلقها (بمجرد انعقاده بالشروط quot;السورية ndash; اللبنانيةquot;) ستمتد الى المسألة العراقية، فتبدّل المعطيات بل المشهد برمته، وربما بدّلت اجواء، بل معطيات الأزمة الايرانية ndash; الاميركية. فنجدنا، نتيجة ذلك نطرح ndash; مع سوريا او من دونها، وافضل لها ان تستمع الينا وتشاركنا ndash; مشروع السلام السعودي الذي أقرّ في قمة بيروت عام 2002.


نعود الى مطلع المقال لنتساءل عملياً، كيف نرى ان على الرئيس التصرّف، اذا تحلّى بما سميناه quot;المساحة الفكرية والنفسية للتعاطي مع الحرب والسلمquot;؟
قبل ان يصير الرئيس رئيساً، علينا جميعاً، اي جميع المعنيين بالرئاسيات ترشيحاً ومفاضلة واقتراعاً، ان نبدأ ننظر الى المرشحين من هذه الزاوية، بل ان نفرض عليهم ان يخوضوا معركتهم في ظل هذه القضية... هذا أولاً.
وثانياً، يجب ان نبدأ ندرك ان اختيار الرئيس يجب ان يكون متلازماً لا مع رؤيته وquot;نظريتهquot;، بل مع ما يتعهد التزامه، وإلزام حكومته اياه من مقررات طاولة الحوار (وهي موجودة، بكامل صيغها والمناقشات في محاضر رسمية، فضلاً عما كان يدوّنه المتحاورون).
لأن مصير لبنان (ومنه الرئاسة) متوقف على خطر الحرب الذي يظل الخيار الرئاسي... ونكاد نقول quot;خطر سلامquot; كذلك، وربما كان هو الاخطر من الحرب. بالإذن من المهوّلين علينا بالتدويل، وهم المدوّلون بالأولوية!!!


[email protected]