خالد الحروب

بمعايير كثيرة، كان quot;اتفاق مكةquot; ولا زال انعطافة مهمة ليس فقط في مسيرة التنافس بين quot;فتحquot; وquot;حماسquot;, بل وعلى مستوى فلسطيني وطني عام. وإنْ كانت أهميته المباشرة والفورية تمثلت في قطع الطريق على سيناريو الحرب الأهلية, فإن أهميته الأبعد تتمثل في الفرصة التي يتيحها لإعادة بوصلة وجهة السير الفلسطينية العامة, وبناء مشروع وطني فلسطيني متوافق عليه. ويتم ذلك كما هو مؤمل عبر حكومة الوحدة الوطنية، التي يبدو أنها أصبحت قريبة جداً من أن ترى النور. لن يستطيع الفلسطينيون التقدم إلى الأمام لدحر الاحتلال الإسرائيلي وبناء دولة مستقلة والشروع في نضال حقيقي سياسي أو عسكري لتحقيق الحقوق الفلسطينية وهم مستنزفون بالاستقطاب الثنائي بين quot;فتحquot; وquot;حماسquot;. وكلتاهما تتبنى مشروعاً يبدو في نظر الأخرى معاكساً لما تعتقد أنه الاستراتيجية الفلسطينية التي يجب أن تُتبنى. ولذا ربما جاز القول إن أهم ما قد توفره حكومة الوحدة الوطنية, على مستوى وطني استراتيجي فضلاً عن فك الحصار المشين الذي فرض على الفلسطينيين, هو فتح ورشة تفكير عميقة خلال السنتين أو الثلاث سنوات القادمة لإعادة إنتاج المشروع الوطني الفلسطيني, بتوافق عريض وموحد. توافق يتجاوز الثنائية القاتلة التي شهدتها الساحة الفلسطينية خلال العشرين سنة الماضية، حيث كان يتصارع برنامج المقاومة وبرنامج الحل السلمي مع بعضهما بعضاً أكثر مما يتصارعان مع إسرائيل في بعض الأحيان!

لكن في قلب الجهود القائمة لتشكيل حكومة وحدة وطنية وشراكة سياسية أبعد منها, تشمل البرنامج السياسي وإعادة إصلاح وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية, لا تزال تربض فكرة حزبية عند quot;فتحquot; وquot;حماسquot; متعلقة بالمحاصصة والتقاسم الوظيفي على المستوى الإداري. ففي التفاوض حول تقسيم وزارات الحكومة لإقامة حكومة وحدة وطنية, أو الحديث حول إصلاح المنظمة هناك شبه هوس مقلق حول كيفية توزيع ليس فقط الوزارات بل مناصب الوكلاء والمديرين العامين وغيرهم, ثم المناصب القيادية العليا في المنظمة والسفراء وسوى ذلك. ومن الواضح بالطبع أن الجزء الكاسح من الكعكة سينتهي في يد التنظيمين الأكبر, قاطعاً الطريق على أشياء كثيرة أهمها إحداث إصلاح حقيقي في شكل وجوهر الإدارة الفلسطينية وإبعادها شيئاً فشيئاً عن الانشطارات الحزبية والولاءات غير المهنية.

وبتفصيل أكثر, ما يحدث الآن من تفاوض وتنازع على كل منصب, ثم على مراسيم التعيينات التي أصدرتها الحكومة الراهنة ولم يصادق عليها الرئيس الفلسطيني, ثم مراسيم تعيينات اللحظة الأخيرة التي أصدرتها حكومة ما قبل الانتخابات ثم لم تنفذها الحكومة الحالية ينقل الاستقطاب quot;الفتحاويquot; quot;الحمساويquot; إلى داخل جهاز الإدارة الفلسطيني في الداخل والخارج. وهذا قد يؤدي إلى شل العمل الإداري، لأن العلاقات بين المسؤولين ستحكمها اعتبارات ولائية بالدرجة الأولى وليس مهنية.

ما هو مطلوب من حكومة الوحدة الوطنية, أو أي حكومة في الواقع, هو أن تعمل بجد عميق لتحييد ساحة الخدمة المدنية وعزلها عن التنافس الحزبي. التنافس الحزبي على مستوى البرامج السياسية الوطنية، وفي الحالة الفلسطينية يجب أن يكون جوهر أي برنامج سياسي هو كيفية التخلص من الاحتلال الفلسطيني. بينما يُحصر عمل الوزارات في تخفيف الأعباء على المواطنين وتسهيل حياتهم. طبعاً من المفهوم ملاحظة أقدار من التناقض الذي يولده الوضع الفلسطيني على هذا الصعيد، إذ أن الحكومة الفلسطينية، وكل ما تقوم به يقع تحت سقف الاحتلال الإسرائيلي, بما يفقد هذه الحكومة أبجديات السيادة السياسية, وبمعنى من المعاني يحيل عليها القيام بمسؤوليات الاحتلال نفسه في توفير الخدمات الحياتية للشعب الواقع تحت الاحتلال, بحسب منطق القانون الدولي. لكن هذا التناقض هو الذي جاء به quot;أوسلوquot; وهو الذي بناءً عليه تشكلت الحكومات الفلسطينية ومنها هذه الحكومة, والحديث هنا يدور في دائرة ما هو واقع على الأرض في اللحظة الراهنة وليس ما كان مؤملاً وقوعه.

عوضاً عن مبدأ التقاسم الوظيفي الذي يغلب على تفاوضات quot;فتحquot; وquot;حماسquot; سواء حول الحكومة أو المنظمة, كان وما زال المطلوب هو إعادة تأهيل مبدأ الكفاءة الوطنية. المواقع الإدارية القيادية (ما سوى الوزراء وبعض المناصب العليا في منظمة التحرير التي تعتبر سياسية بالتعريف) يجب أن تخضع التعيينات فيها لمبدأ الكفاءة. فهناك كفاءات وكوادر لا حصر لها تقع خارج الاستقطاب الثنائي, هذا فضلاً عن كفاءات أخرى تنتمي إلى فصائل وأحزاب أخرى. وإذا كان الفلسطينيون قد عانوا الأمرَّين في السنوات الماضية من مسألة التعيينات العشوائية غير القائمة على مبدأ الكفاءة, وكانت quot;حماسquot; قد جاءت إلى الحكم تحت شعار quot;التغيير والإصلاحquot;, فإن المطلوب الآن ليس عزل كوادر فتح وإحلالهم بكوادر quot;حماسquot;, بل صياغة نظام إداري يعتمد على مبدأ الكفاءة, ويعمل على تحييد فضاء الأداء الحكومي عن التحزب الانشطاري. أي إذا تم عزل كادر من quot;فتحquot; بسبب عدم كفاءته لمنصب معين، فإن من يعين بدلاً منه يكون كفؤاً إدارياً للمنصب وليس كادراً من quot;حماسquot;. والذي يقرر الكفاءة المهنية لجان مهنية تقوم بعملها وفق شفافية واضحة.

quot;حماسquot; تبرر قرارات التعيينات على مستويات عليا في الوزارات لأشخاص منها أو محسوبين عليها بالقول إن وزراءها لما جاءوا إلى الحكم ووجهوا بعدم تعاون في غالب الوزارات لأن السيطرة عليها كانت لـquot;فتحquot;, وهذا صحيح في مواقع كثيرة. لكن لمواجهة هذه المعضلة الحل الأسهل, حزبياً, هو الإحلال الوظيفي, لكنه بالتأكيد ليس الحل الأمثل وطنياً. الحل الأمثل وطنياً هو quot;إصلاحquot; الوضع وليس تكريس الممارسة، ولكن تغيير لون المعينين في المناصب. تكريس آلية الإحلال الحزبي في الوزارات تعني تكريس ممارسة بعيدة عن الإصلاح وتجعل كل وزارة ساحة للتنافس الحزبي. وما يجب أن تقوم به حكومة الوحدة الوطنية هو الابتعاد عن تلك الآلية, وخلق آلية جديدة تحاول خلق ثقافة جديدة في التسيُّس الفلسطيني قائمة على تحييد مؤسسة الخدمة المدنية. الاستسلام الضمني للفكرة المغرية القائلة إنه مع قدوم أي حكومة جديدة أو وزير جديد، فإن الطاقم الإداري في الوزارات يتغير حيث يغادر برفقة الوزير المغادر، ليفسح المجال للقادمين الجدد مع الوزير الجديد، معناه حكم بالإعدام على فكرة الإصلاح الإداري بالأساس. وإذا كان من المقبول القول إن منصب الوزير منصب سياسي، فما عداه من كل المناصب الإدارية في كل الوزارات يجب أن يكون إدارياً ومدنياً. وبالتأكيد ستنشأ في مراحل التكوين الأولى احتكاكات وعدم تناغم بين وزير من quot;حماسquot; ومدير عام وزارة من quot;فتح quot;مثلاً, أو العكس, لكن من دون الانخراط في مرحلة التأقلم وترويض الصعوبات المتوقعة تدريجياً، فإنه من الصعب تخيل كيفية إنجاز العمل الإداري المشترك رغم الاختلاف في النظرة السياسية.