الخميس 12 أبريل 2007
أبو خلدون
الطيور ldquo;أممrdquo; مثلنا، ولكن العلم لم يدرك هذه الحقيقة إلا متأخرا، وها هو البروفيسور همبارجر يبدي في كتابه ldquo;القدرة والضعفrdquo;، ذهوله من الدقة التي تحكم نظام أمة الطيور، ومدى تبعيتها للنظام العام الذي وضعه الخالق لهذا الكون، ومن ذلك ما يطلق عليه البروفيسور اسم ldquo;هجرة الطيور المبرمجةrdquo;. فهجرات الطيور مبرمجة بالفعل، وبرامج الهجرة مسجلة في الفصائل النوعية للحيوان، وكل فصيلة من هذه الفصائل تستطيع وحدها التعرف إلى المسافات المعقدة والطويلة التي تقطعها أثناء الهجرة، حتى لو كانت من صغار الطيور التي لم تقطع هذه المسافات من قبل.
وفي مواسم معينة من كل عام، تنطلق طيور العالم مهاجرة في رحلات مختلفة المسافات والاتجاهات، فطيور نصف الكرة الشمالي تتجه جنوبا في الخريف، وتسلك الاتجاه المعاكس في الربيع، وطيور الأقسام الشمالية من أوروبا تهاجر عبر تركيا أو مضيق جبل طارق، ويذهب الكثير منها جنوبا نحو إفريقيا، مثل الهدهد والسمن وغيرهما. ولكن أغرب الرحلات هي تلك التي يقوم بها طائر يدعى ميتون، عبر المحيط الهادي، حيث يطير في رحلة تزيد على 25 ألف كيلومتر يسلك خلالها طريقا شبيها بحلقتين متصلتين إحداهما فوق الأخرى، أو ما يشبه رقم 8 بالإنجليزية. ويقول البروفيسور همبارجر إن المسار الخاص بهذه الرحلة معقد جدا، والوسيلة الوحيدة لإنجازها بهذه البراعة هي أن تكون تعليماتها مسجلة في الخلايا العصبية للطائر، أي أن تكون ldquo;مبرمجةrdquo;، ولكن.. من الذي برمجها؟ ويجيب البروفيسور عن هذا السؤال بقوله: الله بالطبع، الذي يمسك الطيور في جو السماء بقدرته، إذ إن بعض الطيور التي تقوم بهذه الرحلة تفعل ذلك للمرة الأولى، وليست لها خبرات سابقة بها، ومع ذلك فإنها تنفذها.
والطيور لا تهاجر عبثا، فهي تبحث عن ظروف معيشية أفضل، ومناخ أكثر مواءمة وراحة لها. وقبل الهجرة بفترة تبدأ عملية الاستعداد، فتضاعف من وزنها وتخزن الكثير من الدهون تحت أجنحتها لتوفير الطاقة اللازمة لقطع المسافات الطويلة التي تنتظرها، والطيور الصغيرة تبدأ هجرتها في النهار، والكبيرة في الليل، وبعض الطيور تقطع مسافات خيالية أثناء الرحلة مثل خطاف البحر القطبي الذي يقطع مسافة تعادل 14500 كيلومتر في رحلته إلى القطب، وطائر الدخلة الذي يطير ثلاثة أيام ونصف يوم لا يلامس فيها أرضا، وطائر القطرس الذي يطير 80 يوما عبر المحيط. وتخيل معي إنسانا أو حيواناً يجري بأقصى سرعة عنده لمدة 80 يوما من دون أن يأكل أو يشرب أو يستريح أو ينام.
وحتى الآن لم يتمكن العلماء من كشف لغز هجرة الطيور، ولكن الخبراء في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) الذين أقاموا مرصدا عملاقا لمتابعة هجرة الطيور بين الأمريكتين يقولون إن المعلومات الخاصة بالهجرة مسجلة في جينات الطير على شكل خريطة ثابتة. وفي تجربة فريدة، قام العالم الألماني هيلبيج بتزويج زوج من الطيور المغردة النمساوية التي تهاجر باتجاه الجنوب الشرقي بزوج من الطيور المغردة الألمانية التي تهاجر باتجاه الجنوب الغربي، وكانت النتيجة أن الطيور التي نتجت عن هذا التزاوج سلكت في هجرتها طريقا وسطا بين طرق الآباء التي تمر بها عبر جبال الألب الوعرة، وبين طرق الأمهات التي كانت تأخذها إلى إفريقيا.
وتستدل الطيور التي تهاجر نهارا بموقع الشمس وغروبها على الطريق، والطيور التي تهاجر ليلا بمواقع النجوم، كما تتعرف إلى الطريق بحسابات لها علاقة بالمجال المغناطيسي للأرض، في معجزة غريبة لا تزال تخفى أسرارها على العلماء، رغم التقدم الفريد الذي أنجزوه.
والله سبحانه وتعالى أعطى كل شيء خلقه، ثم هدى، وذكر لنا أننا لم نؤت من العلم إلا قليلا.













التعليقات