قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أبو خلدون

في حفلة عيد ميلاده، سأل الحفيد جده: ldquo;كم عمرك يا جدي؟rdquo;، فأطرق الجد لحظة وقال: ldquo;كبير، يا ولديrdquo; فقد ولدت قبل التاريخ وكنت شاهداً عليه، فعندما ولدت كانت العائلة كياناً متماسكاً ومقدساً، وكان الأب هو الآمر الناهي والحاكم المطلق فيها، وكان الناس يعرفون بالضبط الفرق بين الحق والباطل، وبين الصح والخطأ ويتحملون مسؤولية ما يفعلون، وإذا أخطأ أحدهم يجد ألف من يقول له: ldquo;عيبrdquo; لأن الناس كانوا يعرفون الواجب ويرفضون الحيد عنه، وكان الصغير يحترم الكبير، وإلى حين بلوغي الخامسة والعشرين من العمر كنت أنادي كل من يكبرني ببعض سنوات بلقب ldquo;عموrdquo; أو ldquo;جدوrdquo;.
وعندما ولدت لم تكن المرأة تتبرج في الشارع، وكانت تحتشم في ملبسها، وأذكر أن المرة الأولى التي رأيت فيها ذراع جدتك كانت ليلة الزفاف، وأستغرب كيف تستغرب فتيات هذه الأيام عندما يسمعن من أمهاتهن أن المرأة لم تكن تجلس منفردة مع زوجها إلا بعد الزواج، فقد كان هذا هو التقليد في عصرنا.
وعندما ولدت لم يكن هنالك تلفزيون، ولا عدسات لاصقة، ولا حبوب منع حمل، ولا ملابس تلتصق بالجسم، وكان الناس يعتبرون مجرد التفكير بملابس من هذا النوع من الكبائر. ولم تكن أشعة الليزر معروفة، ولا الهمبورجر والبيتزا والشبس والموبايل والقنوات الفضائية، بل لم يكن هنالك مكيفات هواء ولا غسالات كهربائية ولا مجففات للملابس، فقد كنا ننام تحت رحمة الحر صيفاً، والبرد شتاء، وكانت المرأة هي التي تقوم بغسل الملابس يدوياً، والشمس هي التي تجففها، وكانت مجففات الشعر لا تزال مجرد فكرة في أذهان العلماء، وكانت المرأة سعيدة بحياتها ولا تلقي بالاً لعدد قليل من المفكرين الذين يزعمون أنهم أكثر تحضراً من غيرهم، ويحاولون إبعادها عن الطريق القويم عن طريق إقناعها بأنها مستعبدة، ويحرضونها على التحرك والسير في مظاهرات للمطالبة بحقوقها المستلبة، فالمرأة لم تكن تشعر بأن لها أي حق مستلب.
وعندما ولدت كان الناس يتعاملون بالثقة، وكان الوعد ملزماً لهم، ولم يكونوا يعرفون بطاقات السحب الآلي، ولا بطاقات الائتمان، ولا الكمبيوتر والأقراص المدمجة، وكان مطربنا المفضل هو ذلك الذي يقف على المسرح ساعات يسلطن بصوته، كما تفعل أم كلثوم، ولا أذكر أن شخصاً من أقراني كان يستمع إلى مغنٍ مثل التون جون، أو إلى مهووسة مثل مادونا، ولم يكن الناس قد عرفوا الطعم الثلاثي الذي تتحصنون به حالياً ويعطى لكم في المدارس، ولا أقلام الحبر الجاف، وكانت مراكز الرعاية في كل أرجاء العالم خاصة بالمسنين، ولا تشمل رعاية الفتيات اللواتي ينجبن دون زواج، بل لم تكن هناك من تنجب دون زواج، لأن حدوث ذلك يعتبر فضيحة تطارد صاحبها إلى ولد الولد.

وفي العصر الحاضر تغيرت حتى معاني الكلمات عما كانت عليه في عصرنا، فالشريحة كانت في مفهومنا قطعة من اللحم، والوجبات السريعة كانت تلك التي يجري تحضيرها من حواضر المنزل وليس في محلات الهمبورجر والبيتزا، ولم يكن في بلادنا كلها منتج استهلاكي كتب عليه ldquo;صنع في اليابانrdquo; أو ldquo;صنع في سنغافورةrdquo; فقد كنا نستهلك مما ننتج، وكان مفكرونا يقولون: ويل لأمة تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تنتج.
وفي عصرنا كان الكل بخير يا ولدي، فقد كان سعر السيارة الفاخرة يقل عن 600 دولار، وكان القليلون يمتلكون مثل هذا المبلغ، وكان سعر كيلو الفواكه يقل عن 5 فلوس، وكذلك سعر الخضار، وسعر كيلو اللحم يقل عن درهم. ولو وضعت في جيبك 20 درهماً ونزلت إلى السوق فإنك ستشتري مونة البيت من لحم وفواكه وخضار لمدة شهر كامل.
.. ولكم أن تتصوروا كم تغيرت الدنيا والناس عندما تعلمون أن عمر الجد هو 59 عاماً فقط.