قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

فراج إسماعيل

الحملة الإسرائيلية على غزة اختصرت الإسلام في laquo;حماسraquo;. جعلت كثيرين من المسلمين في وضع التحفز ورد فعل الخائف على عقيدته التي تسبق الوطن في الأولوية، فنحن نقول laquo;الله.. الوطنraquo; وليس العكس.
من يتأمل مشهد الجندي الإسرائيلي أثناء الاقتحام البري وهو يعتمر الطاقية ويقرأ في كتاب المقدس، يستخلص على الفور، كم هو مفعم بخطاب ديني جعله في أعماقه لا يفرق الرضيع والمرأة عن المقاتل. فالرُضع مشاريع لمقاومين حمساويين في المستقبل، والنساء مصانع الخصوبة المنتجة للآلاف منهم!
الغرب الذي صدع أدمغتنا بعد 11 سبتمبر بأهمية تجفيف ينابيع التطرف في مناهجنا التعلىمية والدينية وفي وسائل الإعلام ومنابر المساجد، يسكت الآن عن خطاب ديني موغل في الحقد والكراهية، زرع في أعماق الجنود والطيارين الإسرائيليين، أن الينابيع التي لها أسبقية التجفيف تتمثل في الرضع والأطفال والحاملات لهم في الأرحام!
أبرز أدلة هذه الحرب الدينية، أن القنابل الإسرائيلية المتوحشة استهدفت المساجد من اليوم الأول، حتي صار كل من يصلي هدفاً للتصفية بدعوي أن حماس حولتها إلي مستودعات للأسلحة، وأن مقاتليها يتترسون فيها. وهي مغالطة لا يصدقها أحد، فلا يمكن لحماس أن تخزن أسلحتها في أماكن يتردد عليها الجميع وليس الحمساويين فقط، وإلا تنطبق عليها نكتة المطار السري الشهيرة في مصر!
هل يعقل أن يكون الذين تم استهدافهم أثناء تأدية الصلاة ظهرا جمع تقديم، أو ليلا جمع تأخير، من مقاتلي وكوادر حماس؟!
التدمير الواسع للمساجد على رؤوس المصلين لا يخرج عن كونه شحناً دينياً للجندي الإسرائيلي سواء النظامي أو الاحتياط القادم من حياته المدنية، فبأي ذنب سيقتل بدم بارد رضيعا وطفلا وامرأة لا ناقة لهم ولا جمل فيما يجري، إلا إذا اقترن ذلك بخطاب مستدع من تراث عقيدة الحرب الإسرائيلية؟!
قُتل خمسة أطفال من عائلة واحدة وهم نيام في منزلهم أثناء تدمير مسجد laquo;عماد عقلraquo; الملاصق له.. فماذا يعني ذلك لأي مسلم سوي أن هذه الحرب الوحشية تستهدف دينه ولا تقصد laquo;حماسraquo; كتنظيم مقاتل، بدليل أن التطهير العرقي الديني تكرر مرات ومرات بتدمير مساجد أخري.
في حرب منقولة على الهواء مباشرة لا يمكن لعين أن تغفل هذه الفظائع الوحشية وتأثيرها على المسلمين في كل مكان، فهل قصدت إسرائيل أن يسري التطرف في العالم الإسلامي من جديد، وأن تقفز إلي الواجهة تنظيمات جديدة ربما أكثر تطرفاً من الجماعات الإسلامية المسلحة التي نجحت مراجعات قياداتها التاريخية وجهود دولها في نزع فتيلها؟!
ليس أخطر من أن يكتشف شخص أن عقيدته تتعرض للحرب والتدمير، وأنه يُقتل ويفقد عائلته بالكامل بقنبلة تُلقي على بيته، لا لشيء سوي أنه يتبع ديناً معيناً وهذا ما أحس به كثيرون من المسلمين خلال الأسابيع الثلاثة الماضية من الحرب على غزة، فالذين كانوا ينظرون إلي الحملة في البداية على أنها ثمن أخطاء حماس، تغير رأيهم الآن لأنهم يشهدون إبادة جماعية لم يسبق لها مثيل.
أطفال مدفونون في ركام المنازل، وآخرون حوصروا حتي ماتوا من الجوع والرعب متعلقين بجثث أمهاتهم أو بأثدائهن، فبعضهم كانوا في وضع الرضاعة عندما حط عليهم الرصاص المسكوب، وهو اسم الحملة الإسرائيلية.
عبر عامل الشاي الهندي المسلم عن رغبته في التطوع، وعندما سئل: هل يريد الدفاع عن حماس؟.. أجاب وهو الذي لم يقرأ كتاباً دينيا في حياته: أريد الدفاع عن ديني وأن أكون مقاتلاً في سبيل الله حتي أظفر بالشهادة.. فحماس ليست المساجد ولا الأطفال والنساء الأبرياء.
وتلقيت شخصيا رسالة من أحد المثقفين الكبار، ليس إسلامياً أو متعاطفاً مع الإسلام السياسي، تقول إن شقيقه بكي وهو يشعر بأن ساقه تنخلع منه لتسبقه إلي غزة لإنقاذ الإسلام هناك، ولما جاء الصباح ودع أهله مسافراً إلي رفح لعله يستطيع الدخول.
نفس الأجواء وربما تزيد عن تلك التي كانت أيام الجهاد الأفغاني ضد الروس عندما كان الشباب العربي يسافر أفواجاً إلي بشاور لا ليحرر أفغانستان وإنما ليقاتل في سبيل الله متأثرا بالخطاب الديني في ذلك الوقت!
الخطاب الديني هذه المرة يأتي من إسرائيل، ويجد تعضيداً ومساندةً غير عادية من الرئيس الأمريكي جورج بوش قبل رحيله من البيت الأبيض، كأنه يقول لنا إن التحالف الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية للحرب على الإرهاب في السنوات الماضية وكنا كعرب أحد مكوناته ما هو إلا كذبة كبيرة!
هل تدري إسرائيل أن أكبر خطر على وجودها في المنطقة، أن تحول حربها ضد الفلسطينيين، رغم ادعائها بأنها دولة علمانية، إلي حرب عقيدية دينية؟.. فقد ثبت من التجارب الماضية أنها لا تستطيع تحقيق انتصار على تنظيمات تتخذ من الدين منطلقاً لها. حدث ذلك في حربها عام 2006 ضد حزب الله، ويتكرر حاليا مع حماس.
على العكس تماما.. حققت انتصارات خاطفة وسريعة على جيوش عربية أكثر عدداً وعدة واحتلت أراضيها في ثلاثة حروب عندما كان العرب يقاتلونها تحت راية القومية والعروبة ويستبعدون الدين تماماً من المعادلة، لأن إسرائيل ليست هي laquo;اليهوديةraquo;.
كانت عبارة laquo;الله أكبرraquo; هي الحافز العقيدي الذي عبر به الجنود المصريون في حرب1973 قناة السويس كأصعب الموانع الطبيعية في العالم، ثم اقتحموا خط بارليف كأقوي الخطوط العسكرية، وقد كان مجرد الاقتراب منه يعني الانتحار.
لقد اختارت إسرائيل بمحض إرادتها وفي كامل وعيها وبتأييد كامل من الإدارة الأمريكية شكل الصراع معها في المستقبل، وهو صراع يفوق إمكانياتها مهما تزودت من أسلحة ذكية وغبية.
سيحتاج منظرو السلام إلي عقود لمحو أثار تلك الحرب التليفزيونية.. فمن سينسي بسهولة مشاهد أناس يقتلون وهم رُكع سجود، ورأس الطفلة البارز من باقي جسمها المدفون في الركام؟!