داود الشريان

أم سامح laquo;حاجّةraquo; لبنانية، لكنها laquo;مودرنraquo;. فهي تضع على رأسها laquo;إيشارباًraquo; صغيراً مصنوعاً من حرير صناعي ملون، رمزا للتهذيب والوقار والمحافظة على التقاليد، أكثر منه رمزاً للتدين. صبحاً، تعقد ام سامح laquo;الايشاربraquo; على حافة رقبتها ليستر كل شعرها، لكنه يتراجع عن موقعه، وان شئت موقفه، مع تقدم النهار. ليصبح مع حلول المساء وشاحاً للرقبة، فتبدو الحاجة الجنوبية الوقورة امرأة من بيروت.

لكن laquo;ايشاربraquo; ام سامح القلق، يستبدل بمنديل ابيض محتشم في مناسبات العزاء وخصوصاً في مناسبة عاشوراء. وكان ابنها، المشكك في هويته ولون طائفته وكل ما حوله، يسخر من هذا التناقض الذي يرافق لباس أمه حال توجهها الى حضور مجالس العزاء كل يوم. وهي تقابل سخرية ابنها المتمرد بلهجتها الجنوبية العذبة، وتقول له بحنان وهي مبتسمة: laquo;يا تقبرني القصة قصة جَمْعِتنا نحنا نسوان الحي والأقارب... حلوة العادات يا ابني حتى لو ما عجبتكraquo;.

كان سامح ينتظر عودة أمه من تلك المجالس ليمارس سخريته، وهو يستمع اليها تشيد بالقارئة فلانة وفي ضيافة ذلك المنزل. واستمرت حال السخرية بين سامح وأمه، الى ان جاء يوم في منتصف ثمانينات القرن الماضي، يومها كان laquo;حزب اللهraquo; الذي ينظم تلك المجالس حركة سرية لا خطيب بارز يحكمها وكان مجرد شعارات من الدهان المصبوغ بعجل فوق جدران بيروت التي تنوء تحت سقف الحرب الاهلية، في ذلك اليوم عادت ام سامح الى البيت وهي تستشيط غضبا، معلنة مقاطعتها تلك المجالس حتى نهاية الشهر.

حاول سامح الاستفسار عن تبدل موقف أمه وفهم سبب فورتها وغضبها، واصرارها على مقاطعة مجالس العزاء، لكنها لم تمهله يسأل. وقالت، بمرارة من أحس بالعبث بخصوصيته وتقاليده: laquo;ما بدي روح حتى يستبدلوا القارئة. ما بدي اتسمع على قارئة عربية لكنتها فارسية، ولحنها البكائي فارسي. ما بعرف يا ابني شو عم بيصرلهم هالعالم، بطّلوا يعرفوا يبكوا بالعربي. انا ما خصني، انا بدي أبكي بالعربيraquo;. لم يفهم الشاب قصد أمه آنذاك، ولم يدرك ان الهوية طاولت حتى البكاء. رحلت ام سامح، رحمها الله، عن هذه الدنيا وفي نفسها حسرة على البكاء بالعربي.