قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

رقية سليمان الهويريني

لئن أثار الخطاب الثقافي السعودي تساؤلات عند المعنيين بهذا الشأن، فإن ذلك يعد مؤشراً على أنه حيوي غير ساكن بما يخضع له من عوامل الشد والجذب نتيجة وقوعه تحت ضغوط متغيرات كبيرة وشاملة، أثّر فيها وأثْرَته أيضاً، لذا كانت الأفكار والتصورات مختلفة حوله ومتباينة.

وأسوأ ما يواجه الخطاب الثقافي العربي عامة فقدانه الثقة بنفسه، وعدم استقلال فكره بسبب اعتماده اعتماداً كلياً على تجارب الآخرين، ومحاكاتهم وتقليدهم، مما ترتب عليه ضياع الخصوصية التاريخية، فضلاً عن فقد الحس مع بقاء القسمات العربية. ونتج عن ذلك الشعور بالتقزم في الإنتاج، والدونية في القيم. وتمخض عنه العجز عن الوصول لمكانة خطاب الآخر، أو محاولة الارتقاء لمستواه، وتم الاكتفاء بالإعجاب به والاستماع إليه والتصفيق له، واتخاذه مجالاً خصباً للجدل والمناقشة فحسب! لذا مُني خطابنا العربي بهزيمة وفشلاً ذريعاً، بسبب مراوحته وتردده في خطواته دون التفكير بالإضافة أو التطوير. ولهذا تبدو مظاهر إبداعنا اليوم وكأنها امتداد لابتكار الآخر، برغم إمكانية خلق الإبداع أو حتى اللجوء للانتقاء بدلاً من النسخ الكربونية.

وفي الوقت الذي يجب أن ندخل ضمن منظومة قانون التأثير والتأثر الذي يحكم مسيرة الأمم المتطورة لجأنا لاستنساخ إستراتيجية منجزات الآخرين في شكلها وقوالبها الجاهزة، والدوران في فلكها دونما امتلاك لآليات الوعي الحقيقي بعمقها التاريخي وأصولها الفلسفية. لذا أصبحت العلاقة بيننا وبين الآخر غير متكافئة، بل مخجلة ومزرية.

وهذا لا يعني الدعوة للانكفاء على النفس في محاولة لاستنبات فكر جديد، وثقافة متحررة بحثاً عن الكمال والاستقلالية رضوخاً لمصطلح الخصوصية، بقدر ما يعني ضرورة اعتراف المثقف العربي والوطني على وجه الخصوص بقانون التكامل، وأنه أولى وأشمل من الكمال والتفرد، وإدراكه أن احتكار الكمال وتهميش الآخر ما هو إلا موقف أيديولوجي يأخذ المرء بعيداً عن نور العلم وضوء الفكر وعبق التاريخ. فلا يمكن لأمة أن تعيش بمعزل عن سواها من الأمم والشعوب، مثلما لا يمكن لمثقف أن يستغني عن ثقافة الآخر وفكره، فضلاً عن الاستمتاع بالاختلاف معه! ذلك الاختلاف الخلاّق القادر على إنضاج الوعي الحقيقي والإسهام في وضع إستراتيجية ثقافية قادرة على الخروج بنا من الإشكالية المستديمة بدعوى الخصوصية التي يعيشها الخطاب الثقافي الوطني المحلي، كالافتقار إلى التجديد، وعدم القدرة على إقامة جسور الحوار الإيجابي المهذب مع الآخر، عدا عن السعي لتهميشه أو طمس الإمكانات الذاتية الكامنة فيه، فضلاً عن التطاول عليه والنيل منه ليبقى هو، هو من يشار إليه ومن يتردد اسمه في بورصة الثقافة الوهمية!

ولئن قال المفكر كلود ليفي شتراوس بهذا الصدد: (يجب أن تسهر الثقافات التي ترتبط بأسلوب حياة ونظام قائم، على خصوصيتها) فإن ظاهر هذا القول وإن كان يعد سليماً بيد أنه غير مقبول، لأن كل ثقافة تتطور بفضل تبادلها وتحاورها ومشاركتها واستفادتها من ثقافات أخرى من خلال التعايش والحوار والإفادة، مع ضرورة خلق مقاومة نسبية خاصة بها، وإلا سرعان ما تفقد خصوصيتها وتميزها وملامحها.

إن إصلاح الخطاب الثقافي الوطني، وتصحيح واقعه ومناهج استخدامه وكيفية تطبيقه على وضع ثقافي عريق، لا يتأتى بالأدعية والابتهالات والأماني والرغبات بقدر ما يتوقف على إمكانية القدرة على الانعتاق من قيود سلطة خطاب الآخر وهيمنته الفكرية. ولتحقيق ذلك يحسن بالأمة الارتقاء ممثلة بمثقفيها عبر آلياتهم العلمية وأدواتهم الفكرية ومنهجهم الجدلي الرفيع نحو الانفتاح الواعي والتبديل إلى لغة راقية للحوار الخلاق، والتفاعل والاندماج مع الآخر على قدم المساواة. مع إدراك الصلة الحميمية بين الهوية الوطنية والخصوصية الحضارية التي لم نزل نحتفظ بها إلى حد ما، وبين تنوعنا الثقافي الذي فقد الكثير من مقوماته لأسباب داخلية وخارجية. كل ذلك لابد وأن يكون مدعوماً بالفاعلية الحضارية التي يكون هدفها عاماً ونبيلاً بعيداً عن تحقيق نصر شخصي، أو فوز أحادي، أو ظفر بقسط وافر من الشهرة!