خيرالله خيرالله
مرت قبل أيام، في الحادي عشر من نوفمبر الجاري تحديداً، الذكرى السادسة لغياب ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني. مرت الذكرى وكأنَ laquo;ابو عمّارraquo; رحل منذ عقود عدة. تغيّرت المنطقة في أقل من ستة أعوام بشكل مذهل إلى حدّ لم تعد لها علاقة بالزمن الذي عاشه ياسر عرفات، رجل السلم والحرب والمقاومة الذي أوصل نفسه وقضيته إلى أبواب القدس. لا يزال laquo;ابو عمّارraquo; يقرع يومياً أبواب المدينة من حيث هو راقد في رام الله.
تكمن أهمية ياسر عرفات في أنه وضع فلسطين على الخريطة السياسية للشرق الأوسط. أدخل فلسطين إلى الامم المتحدة. عرف في مرحلة معينة كيف يوظف المقاومة في مشروع سياسي متكامل توّج بتوقيع laquo;اتفاق اوسلوraquo; الذي تضمن اعترافاً متبادلاً بين حكومة إسرائيل وAمنظمة التحرير الفلسطينيةraquo;. كان laquo;ابو عمّارraquo; على قاب قوسين أو أدنى من الدولة الفلسطينية المستقلة لولا سلسلة الأخطاء التي ارتكبها في الأعوام الأخيرة من حياته. أدت هذه الأخطاء في واقع الحال إلى انتهاء laquo;ابو عمّارraquo; بالطريقة التي انتهى بها. وقد لفظ انفاسه في مستشفى عسكري فرنسي نقل اليه على وجه السرعة بعدما تغلب عليه المرض الغامض الذي دهمه في laquo;المقاطعةraquo;...
استشهد ياسر عرفات وهو يقاوم المحتل وحيداً من مقره المحاصر في رام الله، بعدما تخلى عنه العرب والعالم. منع الزعيم الفلسطيني حتى من القاء كلمة عبر الأقمار الاصطناعية في laquo;قمة بيروتraquo; التي انعقدت في مارس من العام 2002. سيقت وقتها اسباب واهية للحؤول دون القائه الكلمة. الحقيقة أن أطرافاً عربية، تتاجر حاليا بياسر عرفات، أرادت حتى اللحظة الاخيرة تصفية حساباتها معه بعدما تبين لها أن عصره انتهى وأن ارييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتذاك، اتخذ قراراً نهائياً بالتخلص من الرجل معتقداً أنه سيتخلص في الوقت ذاته من مشروع الدولة الفلسطينية الذي كان يؤرقه.
استطاع ياسر عرفات من خلال أعوام طويلة من النضال السياسي والعسكري، تسبب خلالها بمآس في الأردن ولبنان، أن يتوصل إلى نتيجة فحواها أن لا وجود لشيء اسمه الانتفاضة من أجل الانتفاضة. هذا ما كان يردده أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات من القرن الماضي. عرف عرفات كيف يوظف الانتفاضة الأولى، أي laquo;انتفاضة أطفال الحجارةraquo;، سياسياً. لم يكتف بتوقيع laquo;اتفاق اوسلوraquo;، في ظروف أقل ما يمكن وصفها به بأنها لم تكن مواتية له، بل دخل البيت الأبيض من أبوابه الواسعة. لم يعد في حاجة إلى العرب أو الإسرائيليين للعبور إلى واشنطن دي.سي. في العام 2000، كان ياسر عرفات أكثر زعماء العالم تردداً على البيت الأبيض. لكنه لم يحسن في تلك المرحلة قطاف ما زرعه على غرار ما فعل أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات.
اين كان الخطأ الأساسي للزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني الذي اعترف في العام 1988 من الجزائر بالقرار 242 وما لبث أن أعلن laquo;نبذ الإرهابraquo; تمهيداً لمباشرة حوار مع واشنطن؟ لا شك أن الإجابة عن السؤال صعبة. ولكن كل ما يمكن قوله إن المسألة ليست مرتبطة فقط بخطأ قاتل بمستوى عدم ادانته الصريحة لغزو صدّام حسين لدولة الكويت المسالمة في العام 1990، رغم من كل ما قدمته الكويت للشعب الفلسطيني وقضيته، بما في ذلك laquo;ابو عمّارraquo; نفسه، بل ان الأمر يتعلق بمجموعة من الأخطاء المميتة من بينها عدم إدراكه أن العالم تغيّر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وأن تصرفات كثيرة كان في الامكان غض الطرف عنها قبل الحادي عشر من سبتمبر، صارت من المحظورات. لم يستوعب laquo;ابو عمّارraquo; طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها العالم. لم يستوعب خصوصاً أن كل كلمة كانت تصدر عنه في laquo;المقاطعةraquo; كان يلتقطها الإسرائيليون وينقلونها إلى الأميركيين بما في ذلك التعليمات إلى هذا المسؤول الميداني الفلسطيني أو ذاك بشن عملية ما. باختصار، لم يستوعب ياسر عرفات أن هناك مرحلة انتهت تماماً وأن عودته إلى أرض فلسطين تستدعي التصرف بطريقة مختلفة جذرياً، أبعد ما تكون عن مرحلة الأردن... أو laquo;جمهورية الفاكهانيraquo; في بيروت.
من مناضل كبير يمتلك قضية، عرف كيف يدوّخ العالم والعرب والإسرائيليين، انتهى ياسر عرفات أسير laquo;المقاطعةraquo; في رام الله بعدما عجز عن فهم المتغيرات الدولية وأن الضفة الغربية ليست جنوب لبنان، وأنه بات ممنوعاً عليه السقوط في الفخ الذي نصبه له إسرئيليون وغير إسرائيليين في العام 2002. وقتذاك وجد من يقنعه باستيراد شحنة أسلحة تبحر من ميناء بندر عبّاس الإيراني ويجري تفريغها في غزة... واقتنع بذلك للأسف الشديد!
يبقى أن ياسر عرفات حقق للشعب الفلسطيني ما لم يستطع غيره تحقيقه. استعاد له أرضاً يستطيع استخدامها، في حال تصرف المسؤولون الحاليون بحكمة، من أجل أن تكون هناك يوماً ما دولة فلسطينية. المهم الآن تفادي أخطاء الماضي والاستفادة من تجربة laquo;ابو عمّارraquo; بشكل ايجابي بعيداً عن الشعارات والمزايدات المضحكة- المبكية من نوع أن الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني رحل وهو يؤمن بوجود خيار اسمه المقاومة المسلحة. نعم، هناك مقاومة مسلحة متى كان هناك قرار عربي بفتح الجبهات مع إسرائيل. ولا وجود لمقاومة مسلحة فلسطينية متى كان قرار بعض العرب وغير العرب خوض الحروب بأجساد اللبنانيين والفلسطينيين. كان ياسر عرفات رجلاً عظيماً عندما تصرف استناداً إلى موازين القوى السائدة. انتهى ياسر عرفات يوم غابت هذه الموازين عن تصرفاته... عندما نسي المقولة التي كان يرددها دائماً في جلساته الخاصة وهي: عش ودع غيرك يعيش!
- آخر تحديث :










التعليقات