عبد الرحمن الراشد


لا أقولها من قبيل التهكم، فالمحكمة الدولية الموعودة هي في صالح الجميع، وعلى رأسهم المتهمون في دم الحريري، هذه هي خاتمة مقالي وخلاصته. والعكس صحيح أيضا؛ حيث إن رفض المحكمة سيكون أكبر خطأ يرتكب اليوم، خاصة باللغة التي نسمعها؛ حيث نسمع حزب الله يهدد بأنه سيقدم على أمر جلل إن لم تتوقف المحكمة، والمتهمون هم بضعة أفراد بعضهم ربما أخذ سره معه إلى قبره، لكن، كما نعرف، إن الذي يفكر بسلاحه لا يفكر بعقله.

ما الذي سيفعله حزب الله إن أذاعت المحكمة أسماء المتهمين من أفراده؟

سيسقط الحكومة بقوة السلاح وباحتلال مؤسسات الدولة. سيثير الفوضى باحتلال مناطق خصومه في بيروت وخارجها. سيعطل بعض المرافق الحيوية مثل قطع الطريق إلى المطار. سيستهدف أفرادا مهمين انتقاما. سيعيد احتلال وسط بيروت سلميا.

لو فعل أيا منها سيجعل المحاكمة أمرا مؤكدا، ولن تتجرأ دولة على تعطيلها. سيصبح عملا عدوانيا يشجب دوليا، لا خلافا محليا كما كان يحدث في السابق. ستكبر دائرة الجريمة.

الوضع يبدو سيئا، ليس بسبب الجريمة القديمة، بل بسبب أفعال اليوم؛ حيث إن حزب الله يستخدم لغة غير مألوفة حتى عليه، يهدد بوضوح: إما اتفاق سعودي - سوري، أي عدم توجيه اتهامات له، وإما سيحدث ما لا تحمد عقباه. ابتزاز صريح.

شخصيا، لم أفهم سر هذا الخوف عند حزب الله، منظمة كانت - ولا تزال - ملاحقة ومطلوبة رؤوس قادتها منذ ثلاثين سنة، وللحزب سجناء وأسرى في أكثر من دولة في العالم. فما الجديد؟ مقولة إن الحزب يخاف من أن إدانة لأفراده قد تحدث شرخا في العلاقة بين سنة لبنان وشيعته، حجة لم يعد يصدقها أحد بسبب كثرة الشروخ التي أحدثها حزب الله بما فيها تهديداته الأخيرة التي تستقصد السنة بحجة منع الاتهام الظني الآتي.

في تصوري أن الحزب يعرف أن ما سيقدم عليه ستكون عواقبه أعظم من الماضي. سيُحدث فتنة طائفية واسعة وسيتسبب في محاصرة حلفائه، وعلى رأسهم إيران، وستكون الفتنة الطائفية سلاحا سياسيا لا مجرد رد فعل عاطفي وحسب. هذه المخاطر حقيقية لا يمكن أن تقارن بمحاكمة بضعة أفراد الأرجح ستنتهي بأحكام غيابية.

هنا أعود إلى القول: إن المحكمة هي الحل، ليس انتقاما، بل من أجل إغلاق الملف برمته.

إن قتل الحريري، واغتيال هذا الكم الكبير من قيادات لبنان، جريمة لن تمحى، ولن تنصفها أي محكمة في العالم. المحكمة هي خير خاتمة لمأساة تلك الحقبة الدامية، بل لي أن أزعم أن المحكمة في صالح المتهمين الرئيسيين؛ لأنها تنهي قضية قد تدوم سنين طويلة وقد تتشعب سياسيا وطائفيا. المحكمة ستضع نهاية للأزمة، وستعود الأمور إلى ما قبل ليلة اغتيال الحريري، ويذهب كل في طريقه.