سليمان صالح
غياب الأخلاقيات أهم العوامل التي شكلت الأزمة الاقتصادية العالمية، حيث اندفعت الرأسمالية تستغل الناس، وتثير غرائزهم، وتحولهم إلى عبيد يعملون ويصنعون ويتسوقون ويخرسون. نموذج الحياة الذي صنعته الرأسمالية يقوم على نفي الأخلاق. فالإنسان الذي يتطلع دائماً للامتلاك، ويسعى من أجل كنز المال، ويتلهف للحصول على أكبر قدر من المتعة ينسى نفسه ويتجاهل المعاني الجميلة للحياة. لقد أرادت الرأسمالية أن ينسى الإنسان تميزه عن الحيوان ليرتضي العبودية الحديثة، وليعوض نقصه النفسي بامتلاك منزل وسيارة وعدد من الأجهزة الكهربائية وتناول العشاء مع إمرأة جميلة في مطعم فاخر.
وصيغة الرق الحديثة لا تختلف كثيراً عن تلك التي عرفتها البشرية في سالف الزمان، التي تدعي أمريكا أنها قضت عليها، وأنها حررت العبيد.
فصيغة الرق القديمة كانت تقوم على القهر بمعنى أن السيد يدفع عبده للقيام بأعمال شاقة قهراً وباستخدام السياط والتخويف.
أما صيغة الرق الحديثة فإنها تقوم على الرضا وعدم الوعى، فالإنسان أصبح يرتضى ذلك النوع من الرق، والرأسمالية التي أصبحت هي السيد الجديد، تترك لذلك العبد الفرصة الكاملة لكي يتمتع ويغرق في الملذات، ويسعى بشكل دائم للحصول على المتعة وجمع المال وامتلاك السلع الترفيهية.
مع ذلك فإن حالة الرق قديماً كانت تثير في العبد الشوق للحرية التي تصبح منتهى أمله، واهم غاية يسعى لها ويبذل نفسه من أجلها..أما حالة الرق الحديثة فإن العبد يستمتع بها بدون وعي، فهو لايدرك أنه مجرد عبد، وأنه لم يعد حراً، وأنه يقوم بكل ما كان يقوم به العبد قديماً، لكن دون أن يتمرد على سيده أو يثور على عبوديته، أو يكافح لاسترداد حريته.
الكل عبيد
في الدول الضعيفة الفقيرة في الجنوب يتصور الناس أن الشمال هو أرض الأحلام والسعادة والمتعة، وكل إنسان يتمنى في قرارة نفسه أن يشد الرحال إلى أوروبا أو أمريكا ويهرب من التخلف والفقر، حيث يمكن أن يجد عملاً في أحد المصانع يدر عليه دخلاً بالدولار، وهذا الدخل قياساً بعملة بلده التي لا تساوي شيئاً يعني بالنسبة له الرفاهية والعز وحل كل المشكلات.
لكن ليس من رأى كمن سمع... وربما تكون تلك الأفكار ناتجة عن غياب الوعي وقلة الخبرة وعدم المعرفة والتعرض الدائم للدعاية الغربية، والاستهلاك الزائد للمواد الغربية المسلية مثل الأفلام والمسلسلات.
الحقيقة التي قد لا يدركها إلا كل من عاش في الغرب، وامتلك البصيرة ليرى واقع الحياة هي أن الغربيين عبيد يتمتعون، بينما الناس في الجنوب عبيد محرومون يتطلعون للحصول على المتعة.. وكلهم لا يطمحون للتحرر لأنهم لا يمتلكون الوعي والمعرفة. ربما تكون القضية واضحة جداً في أذهان الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية حيث قاموا بصياغة الحلم الأمريكي الذي يعني دولة الرفاهية التي يحصل فيها كل إنسان على أكبر قدر ممكن من المتعة واللذة.. التي تكفلت وسائل الإعلام بإقناع الناس بأنها هي الهدف الأسمى للحياة.
والآباء المؤسسون عملوا على تحرير العبيد، فقد أدت صيغة الرق القديمة دورها في وضع اساس الدولة، واستمرار هذه الصيغة يمكن أن يؤدي إلى ثورة العبيد الذين لا يمكن أن ينسوا دماء آبائهم، ولا يمكن أن يتحملوا ضرب السياط على ظهورهم أكثر من ذلك.
ودولة أمريكا الحديثة لا يمكن أن تبنيها سواعد العبيد المقهورين فقط، لكنها تحتاج إلى السواعد والعقول، والعبد المقهور قد يعمل بيديه، لكنه لايمكن أن يقدم نتاج عقله وتفكيره.. لذلك لابد من استبعاد السوط، وإحلال المتعة مكانه، فعبد المتعة يمكن أن يفكر ويخترع ويبدع ويخلص في عمله ويتقنه، بينما العبد المقهور يكتفي بالعمل بيديه.
العبد المقهور قد يصلح للعمل في المزرعة لكنه لايصلح للعمل في المصنع أو المتجر.. لذلك كان لابد من تحرير العبيد من الرق الظاهر الجلي ليستسلموا للرق الباطن الخفي..
يجب أن يتصور العبد أنه حر لكي يقدم للرأسمالية نتاج عقله وتفكيره وإبداعه، بينما يتحول إلى عبد لا يدرك أنه مجرد عبد.
البيت كبديل للمزرعة
الصيغة الجديدة التي توصل لها الآباء المؤسسون للولايات المتحدة تشير إلى تقدم العقلية الاستعمارية، وقدرتها على الاستفادة من الخبرات السابقة، فهؤلاء الآباء كانوا من الثوار على الاستعمار القديم، ونجحوا في التخلص من سيطرة الإمبراطورية البريطانية... وكان لديهم الثقافة التي تمكنهم من صياغة استراتيجية لبناء إمبراطورية راسمالية حديثة.
لذلك كان لابد أن يبحثوا عن صيغة تيسر لهم استغلال طاقة كل إنسان، وأن يقدم هذا الإنسان جهده راضياً مقابل الحصول على أجر يكفي احتياجاته ويوفر له إمكانية الحصول على المتعة. وهذا الأجر يعود مرة أخرى إلى خزائن البنوك والشركات المنتجة للسلع الترفيهية.
وكانت عملية تحرير العبيد من أهم إبداعات الآباء المؤسسين الذين ظهروا كمحررين واصحاب دور حضاري وإنساني، بينما الحقيقة أنهم قد نقلوا العبيد من المزرعة إلى البيت طبقاً لتعبير مثقف أسود في وصف كولن باول.
لقد جاء هذا التعبير كتصوير للخبرة المؤلمة للزنوج في أمريكا فعندما كان يرضى السيد الابيض عن العبد فإنه ينقله من المزرعة إلى البيت حيث يقوم بواجبات الخدمة من طبخ وتنظيف وتدليك لجسد سيده، وعلى كل حال كان ذلك يشكل أملاً لكل زنجي فالبيت كان دافئاً، ويوجد به بعض الطعام المتبقي بعدما يشبع السيد. أما المزرعة فلا يوجد بها سوى البرد والجوع والعمل الشاق تحت السياط.
لكن السيد لم يكن ينقل عبده إلى البيت قبل أن يتأكد من خضوعه التام وعدم قدرته على التمرد، وأن نفسه لن تحدثه بأن يفعل شيئاً لا يعجب صاحب البيت.
استخدام ذلك التعبير كان يعبر عن رؤية حقيقية لما حدث وتلخيصاً للقصة، فكولين باول نصح الشاب الأسود الثائر بأن يتفرغ للغناء ويترك السياسة لأهلها.. وبالطبع فإنه لم يوضح من هم اهل السياسة لكننا نعرف أن أهلها هم ايضاً أهل المال الذين يصيغون استراتيجية بناء الإمبراطورية الرأسمالية الامريكية وسيطرتها على العالم.
بينما رد ذلك الزنجي المثقف على نصيحة باول بأن على باول أن لا يغتر بالمكانة التي وصل لها، فهو مجرد عبد نقله سيده من المزرعة إلى البيت.
لكن الأمر لا يقتصر على باول بل يمتد إلى الناس في أمريكا من سود وبيض ومن هسبانك وايرلنديين وصينيين، ومن كل الأجناس والألوان.
لقد نقل الآباء المؤسسون كل الناس إلى البيت، ليستمتعوا بالدفء ومشاهدة التليفزيون والتهام وجبات الطعام السريعة مقابل العمل في المصانع والشركات والمتاجر.. وبدلاً من أن يستخدم ذلك السيد الأبيض الفاجر القاسي سوطه في إجبار عبده على العمل الشاق، تستخدم الشركة الدولارات في دفعه إلى القيام بالعمل الشاق بكفاءة أعلى، والتفكير في تطوير هذا العمل لصالح الشركة. وصاحب الشركة اصبح هو المؤهل لممارسة السياسة طبقاً لنصيحة باول، وهو الذي يختار النواب والحكام لتحقيق مصالح الشركات.
إنس نفسك
هكذا أجبرت الرأسمالية الناس على تجاهل أرواحهم والتنكر لأشواقهم للحرية والعدالة والمساواة والإيمان مقابل أن يشبع رغبات الجسد، ويكدح أياماً طويلة ليمتلك بيتاً بدلاً من أن يستأجر هذا البيت فيدفع الفواتير الشهرية.
والرأسمالية تيسر له إمكانية الحصول على فرص لبناء البيت حتى إذا امتلكه تحول إلى عبد له، فعليه أن يدفع أقساط القرض وفوائده.
وبعد زمن يدرك أن صاحب البيت الحقيقي هو البنك. الرأسمالية تيسر له ايضاً أن يمتلك بطاقة (كريدت كارد) يستطيع أن يستخدمها في شراء ما يشاء من سلع، وأن يدفع بها ثمن الوجبات السريعة والرحلات وغير ذلك، ومع الزمن يكتشف أنه أصبح عبداً للبنك الذي حصل منه على البطاقة. والإنسان الحديث خائف من الغد، فهو يعرف تماماً أنه إذا فقد الوظيفة التي تدر عليه الدخل الثابت فلن يستطيع أن يعيش، لذلك يتحول إلى عبد للشركة والمصنع الذي يعمل به، ولرئيسه في العمل الذي يقيم أداءه ويجدد له العقد، وللنظام الذي يكفل له بعض الحقوق في مقابل عمله الشاق. لقد أصبح الناس عبيداً.. وكل ما في الأمر أن الرأسمالية نقلتهم من المزارع إلى البيوت والشركات والمصانع والمدن، وجعلتهم يتمتعون بالدفء وهم يشاهدون قنوات التليفزيون التي توفر لهم التسلية القائمة على استخدام جسد المرأة العاري وتصوير االعملية الجنسية كاملة. والرأسمالية دفعت الناس إلى الغرق في الآثام، فلم يعد الإنسان قادراً إلى أن يطمح للفضيلة والطهارة.. فهو يخاف أن يكتشف الآخرون حقيقته، أو أن يعرفوا أنه قد ارتكب الكثير من الجرائم، لذلك يتحول إلى عبد لآثامه وخطاياه وجرائمه وذنوبه.. فلا يستطيع أن يتطلع للحرية أو أن يتمرد على الواقع، فيزداد فساداً وخوفاً من الأيام.. والغرق في المتعة جعل الإنسان الحديث يستمتع بعبوديته ويخاف من الحرية، ويتصور أن تلك الحرية تعني أن يفعل بجسده ما يشاء.. أي أنه حول الحرية إلى مفهوم مادي، واختزلها في حقه في أن يرتكب الآثام. هكذا حولت الرأسمالية الحرية إلى وهم واستعبدت البشر، وتحكمت في حياتهم، واستغلت جهدهم وعرقهم في بناء المدن والشركات والمصانع وإنتاج الأسلحة، وتطوير التكنولوجيا. لذلك فإن الإنسانية تحتاج إلى مرحلة جديدة من الكفاح ضد العبودية التي صاغتها الرأسمالية، وتحتاج إلى مفهوم جديد للحرية يعيد للإنسان كرامته، ويحرره من العبودية لنفسه وللنظام وللرأسمالية.
مفهوم جديد للحرية يجب أن يكون عنواناً لمرحلة جديدة من الكفاح لحماية الإنسانية من ظلم الرأسمالية، ولتحريرها من العبودية الحديثة.













التعليقات