جهاد الخازن


عندما طرح باراك أوباما نفسه مرشحاً للرئاسة الأميركية بدا وكأن كل أميركي يعرف كل شيء عن هذا العضو الديموقراطي في مجلس الشيوخ، فاليسار اعتبره يسارياً واليمين زعم انه يريد تحويل البلاد الى الاشتراكية، والليكوديون laquo;اتهموهraquo; بأنه مسلم، وجماعات متطرفة أخرى قامت لتشككَ في انه ولد في الولايات المتحدة ولا تزال تحاول اثبات انتحاله الجنسية الأميركية، وكان هناك الذين توقعوا ان ينهي حروب جورج بوش فوراً، والذين أصروا على أنه لا يختلف عن بوش بشيء.

كانت شهرة أوباما أنه يلقي خطابات ذكية غير انه لا ينفذ شيئاً، والآن هو متهم بأن خطاباته تفتقر الى روح، بمعنى انه يفتقر الى حسّ الشارع الذي كان جمعه حوله وهو يعارض حروب بوش.

الرجل الذي كان يعرفه الجميع قبل سنتين أصبح اليوم laquo;كمية غامضةraquo;، ومنذ أسبوعين وأنا أتابع جدلاً أطلقه خطابه من البيت الأبيض عن التلوث النفطي في خليج المكسيك، ثم إقالة الجنرال ستانلي ماكريستال من قيادة القوات في أفغانستان، فقد اتهمه اليمين واليسار وما بينهما بأنه لا يملك استراتيجية للحرب في أفغانستان، ومتى تنتهي، وأنه لم يُلقِ خطاباً يتجاوب مع مشاعر الناس ازاء التلوث، وهو الذي لم يكن يفعل شيئاً غير هذا حتى وصل الى الحكم.

التهمة كانت انه لم يغضبْ أو يثرْ أو يبكِ وإِنما تكلم بهدوء وكأنه منسلخ عن القضية، وهو ما فعل خلال المعركة الطويلة لإقرار قانون الضمانات الصحية، وتوسيع حقوق المثليين، أي ممارسي الشذوذ الجنسي.

بالنسبة الى التلوث النفطي الذي رأى فيه أعداؤه السياسيون فرصة لاتهامه من اليوم الأول بأنه أمام laquo;كاترينا بوشraquo;، بمعنى انه سيفشل كما فشل الرئيس السابق في معالجة آثار الإعصار الذي ضرب نيو أورلينز. وهم حتى اليوم يتهمونه بالفشل مع أنه انتزع من شركة laquo;بي بيraquo; التي أدى انفجار بئر لها تحت الماء الى التلوث 20 بليون دولار خصصتها للتعويضات في مقابل 383 مليون دولار فقط دفعتها اكسون سنة 1989 تعويضاً عن التلوث النفطي في الاسكا بعد حادث الحاملة اكسون فالديز.

وهو تحدث مرة أخرى عن ضرورة أن يقلع الأميركيون عن laquo;ادمان النفطraquo; إلا أنني أرى هذا مجرد تمنيات فاقتصادهم كله مبني على الطاقة النفطية، ولن يتغير في خمس سنوات أو عشر أو عشرين، وإنما ستستمر الولايات المتحدة في المستقبل المنظور في دفع حوالى 300 بليون دولار كل سنة ثمن النفط المستورد.

أربط الحملات على باراك أوباما داخل بلاده بالمنافسة التقليدية بين الديموقراطيين والجمهوريين، واشتدادها مع قرب الانتخابات النصفية، ثم أربطها تحديداً بلوبي اسرائيل أو عصابة الشر المعروفة التي تريد أن يكون رئيس أقوى دولة في العالم خادماً لمصالح اسرائيل على حساب المصالح الأميركية. وربما زدت أنه استهلك حظه الحسن بالوصول الى الرئاسة وهو اليوم يدفع ثمن انفجار نفطي لم يتسبب به شخصياً.

أستطيع أن أقول بالموضوعية الممكنة كمواطن عربي ان الرئيس أوباما لم ينفذ وعوده التي أطلقها في خطابه المشهور من القاهرة قبل سنة، وإذا كان الرئيس خذل العرب والمسلمين فهو لا بد أفاد اسرائيل، ربما لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً آخر مع وجود مجلسي الكونغرس في جيب لوبي اسرائيل، وتأييد الأعضاء كل جريمة للحكومة الإسرائيلية بما يزيد على تأييدها في الكنيست نفسه.

غير اننا نقرأ عجباً على المواقع الليكودية، فقد كانت هناك حملة كبيرة على أوباما لأن الإدارة وافقت على القرار الأخير لمؤتمر عدم انتشار الأسلحة النووية لمجرد انه ذكر اسرائيل، فقد كان رأيهم انها ليست عضواً في المعاهدة، وبالتالي ما كان يجوز أن تُذكَر، بل ان يركز المؤتمر على كوريا الشمالية وإيران وسورية، أي انهم يريدون ان يركز العالم على ما ليس موجوداً ويتجاوز الخطر القائم.

هذه الحملة توقفت فجأة مع الضجة العالمية التي تبعت الجريمة ضد دعاة السلام على أسطول الحرية، ومرة أخرى انتقد الليكوديون موقف أوباما مع ان ادارته منعت ادانة اسرائيل بصراحة في قرار مجلس الأمن، والسبب انها لم تحسم الأمر لمنع قيام تحقيق دولي مستقل في المستقبل.

اليوم ينتظر أنصار اسرائيل استحقاقين في أيلول (سبتمبر) هما نهاية مدة مفاوضات الجوار، وانتهاء الحظر الإسرائيلي (الزائف) على البناء في المستوطنات، وهم يريدون أن يضغط الرئيس أوباما على السلطة الوطنية للانتقال الى المفاوضات المباشرة حتى مع عودة البناء في المستوطنات (الذي أُصرُّ على أنه لم يتوقف فعلاً)، وهو ما لن يفعل أبو مازن، ومن يعشْ يرَ.

وهكذا، فالرئيس أوباما لا يرضي أحداً داخل بلاده، ولا يرضي العرب والمسلمين وإسرائيل في الخارج، إلا أن شعبيته التي هبطت تدريجاً بعد صعودها العمودي نتيجة لخطاب القاهرة، لا تزال عالية في أوروبا وروسيا والصين، ولا يفسرها سوى أن أي خليفة لجورج بوش أفضل من ذلك الرئيس الكارثة.

باراك أوباما قال قرب بداية السنة انه يفضل أن يكون رئيساً جيداً لولاية واحدة على أن يكون رئيساً سيئاً لولايتين، إلا أنه يقف الآن متهماً بأنه لا يؤيد أحداً أو قضية، وإنما يحل المشاكل بطريقة ميكانيكية خالية من أي عاطفة، وبعد بوش laquo;المقررraquo; هناك رئيس يعمل عبر لجان خبراء.