عبدالعزيز الكندري

«أي نجاح لا يتحقق إلا بفشل الآخرين هو في حقيقته هزيمة ترتدي ثياب النصر».

غازي القصيبي

هل العمل الجماعي أفضل من العمل الفردي؟ أم لكل واحد منهما مميزات ومساوئ، ويعتبر العمل الفردي أساساً مهماً في بناء شخصية الإنسان، إذ يعتمد فيه الفرد على قدراته الخاصة ويتحمل مسؤولية أفعاله ونتائجها كاملة، وقال الله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ»، مما يدل على أن كل إنسان محاسب على عمله الفردي، وأن الاجتهاد الشخصي هو منطلق كل نجاح، ويسهم العمل الفردي في تنمية الشعور بالمسؤولية والانضباط الذاتي، إذ يشعر الإنسان بأن نجاحه أو فشله مرتبط بمدى التزامه واجتهاده.

وفي المقابل، يأتي العمل الجماعي بوصفه صورة متقدمة من صور التعاون البشري، حيث تتكامل الجهود لتحقيق أهداف مشتركة يصعب على الفرد تحقيقها وحده. وقد دعا القرآن الكريم إلى هذا النوع من العمل بقوله تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى»، وهو توجيه صريح إلى أن التعاون سبيل لتحقيق الخير والصلاح في المجتمع.

والعمل الجماعي، يمنح الأفراد قوة وتأثيراً أكبر من مجموع الجهود الفردية المتفرقة، حيث تتحول الطاقات الصغيرة إلى قوة منظمة. وقد بيّن الله تعالى فضل هذا الأسلوب بقوله: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً»، في إشارة واضحة إلى أن التنظيم والعمل بروح الفريق سبب للمحبة والنصر.

ويمتاز العمل الجماعي بتوزيع الأدوار وفق الكفاءات، مما يرفع مستوى الأداء ويقلل من الأخطاء، ويقوم العمل الجماعي على مبدأ الشورى وتبادل الآراء، وهو ما يجعله أقرب إلى الصواب وأكثر اتزاناً. قال الله تعالى: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ»، وهذه الآية تؤكد أن القرار الجماعي القائم على التشاور أرجح من الرأي الفردي المنفرد.

ويرى د. غازي القصيبي، أن العمل الجماعي أساس النجاح، وأن القمة تتسع للجميع، مع التركيز على تمكين الأفراد والثقة بهم، ويؤمن بأن النجاح الفردي لا يجب أن يكون على حساب الآخرين، مشدداً على أهمية القيادة بالإقناع، وتقدير المساهمات، وتجنب البيروقراطية، معتبراً أن الفراغ قاتل وأن العمل الجاد هو سبيل السعادة والإنتاجية.

ومن أمثلة وقصص العمل الجماعي ما ذكره القرآن الكريم في سورة النمل، ويقال إن النمل ينظف نفسه في اليوم أكثر من مرة، في عمل جماعي منظم ومرتب، حتى أن القرآن الكريم خلد ذكرهم، قال تعالى: «وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ».

ما فعلته هذه النملة من تحمل المسؤولية هو من صميم العمل كفريق في منظومة العمل الجماعي. وهذه النملة وبهذه المبادرة عرضت نفسها للخطر، خطر أن تسحقها أقدام الإنس، مع أن الموقف هنا يتطلب الفرار، ولكنها قد وقفت تنادي النمل وتحاول إنقاذها وهذه تضحية، وقدمت مصلحةَ أمتها على مصلحتها الشخصية.

وهذه النملة لم تكتف بالتحذير فقط ولكن قدمت الحل لهذه المشكلة الكبيرة فقالت «ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ»، ورأت النملة أنه الحل الأمثل ولأن الفرار والتخبط على سطح الأرض يجعل من النجاة صعوبة أمام هذه الجحافل العسكرية القادمة، فاجتهدت وقدمت الحل بطريقة عملية، ويقال في عالم النمل إنها مضحية، حيث إنها عندما تريد أن تقطع حاجزاً مائياً تتشابك أيديها كالجسر، ويسير بقية النمل فوقها، والمجموعة الأخيرة التي شبكت أياديها تذهب مع المياه، تضحي بنفسها لأجل قومها.

ويقول العلماء عن هذه النملة: ما أعقلها من نملة وما أفصحها، استخدمت معظم أساليب اللغة العربية والفصاحة، فقالت: «يَا»، وهنا نادت، «أَيُّهَا» نبّهت، «ادْخُلُوا» أمرت، «مساكنكم» نصت، «لَا يَحْطِمَنَّكُمْ»: نهت، «سُلَيْمَانُ»: خصّت، «وَجُنُودُهُ»: عمّت، «وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ»: أعذرت، فتكلمت بمعظم أنواع الخطاب في هذه النصيحة القصيرة المختصرة.