حين فتحتُ صباحاً النافذة الشرقية، طالعتني حديقة البرتقال المتلألئة الثمار، ووراءها حقول الزيتون الشاسعة المدى، وفوقها جبل لبنان المغطّى بثلوجه الكثيفة الناصعة البياض، تحت سماء زرقاء بالغة الصفاء... قلت في نفسي: «هذا المشهد البديع هو الوحيد الواضح، الثابت، الباقي، في مهبّ الاهتزازات والاحتمالات العاصفة بزمننا من كل صوب».
في العالم البعيد، لا تزال تتوالى تردّدات اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته وجلبهما من القصر الرئاسي في كاراكاس إلى محكمة نيويورك. مسمار شبه أخير في نعش النظام الدولي المتهاوي شيئاً فشيئاً منذ قيام «العالم الجديد» على أنقاض أوروبا واليابان مع انتهاء الحرب العالمية الثانية قبل ثمانين عاماً. منذ البدايات كان الاختلال بين سطوة القوة في «مجلس الأمن» حيث القرار الحقيقي في يد الدول الخمس النووية الكبرى من جهة، والمبادئ والشعارات الرفيعة غير القابلة للتنفيذ من جهة أخرى، في رحاب «الجمعية العامة للأمم المتحدة» والمؤسسات التابعة لها. وما شجّع القوة على التمادي أكثر فأكثر في وجه المبدأ، أن حركة التحرّر من الاستعمار لم تعطِ ثمارها الموعودة في الكثير من المجتمعات والدول، التي تراكمت فيها المشكلات المستعصية والمظالم والقمع والبؤس، بلا أمل ولا رجاء. وقد احتمت أنظمة عديدة بالقانون الدولي لتقيم في أوطانها ديكتاتوريات بالغة التخلف والقسوة، أغلقت الأفق تماماً أمام شعوبها. وها قد جاء العبث الأخير بهذا القانون ليشرّع الأبواب أمام مفاجآت مماثلة يخشى أن يحملها العام الجديد في أنحاء عدة من شرق العالم وغربه...
وسط هذا «الاهتزاز الكوني» تستمر وتتصاعد في عالمنا القريب الاحتجاجات الشعبية في إيران، على وقع أزمة اقتصادية خانقة وتهديدات متبادلة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. إلى أين؟ ثمة رهان على استمرار غليان الشارع الإيراني أكثر فأكثر، ليشكّل هذه المرّة تهديداً لا سابق له لمستقبل النظام. هل يصحّ ذلك؟
وفي المدى اللبناني والمحيطين السوري والعراقي، تشهد الجماعات يقظة مثيرة للقلق. يبدو مفهوم «الشعب الواحد» في هذه العاصفة كأنه غطاء إعلامي تخطّاه الواقع، لكن من دون أن يتكوّن بديل حقيقي له. ويقظة الجماعات تتجاوز المشرق لتمتد، وبحدة أكبر، إلى السودان وليبيا وأنحاء أخرى. لا شكّ في أنها الأزمة المصيرية الأخطر التي تشهدها الدول الوطنية منذ أن حلّت محلّ السلطنة العثمانية المنهارة قبل قرن من الزمن. فلأسباب كثيرة لا يتّسع المكان لعرضها، لم تستطع الدول الوطنية، على اختلاف أنظمتها، نقل بلدانها من حال مجتمع الجماعات إلى حال مجتمع الأفراد - المواطنين. أكثر من ذلك، يشهد ختام هذه المرحلة التاريخية الطويلة بروزاً متزايداً لمجتمع الجماعات. وقد أتاح مجتمع الجماعات لاستراتيجية المحور الإسلامي الإيراني اختراقه، عبر تحالفها وتنظيمها وتسليحها الجماعة المتعاطفة معها، من خارج إطار الدولة الوطنية وبالسعي إلى السيطرة عليها. هكذا، أسهم هذا الاختراق المستمر منذ أكثر من أربعين عاماً، بإذكاء التناقضات والمخاوف بين الجماعات المسلحة وتلك غير المسلحة أو التائقة إلى التسلّح، وبتأجيج يقظتها وصولاً إلى خطر التفكك المجتمعي الذي يبرز الآن أمامها.
يجد مجتمع الجماعات في المشرق اليوم نفسه في حمأة صراع خطير بين التحالف الإسرائيلي - الأميركي من جهة، والمحور الإيراني ومختلف أذرعته من جهة أخرى. وعلى الرغم من الحق التاريخي الكبير الذي تمثله قضية فلسطين بأبعادها الوطنية والأخلاقية، وتغلغلها العميق في الوجدان العربي، فالتحالف الإسرائيلي - الأميركي يستفيد في هذه المواجهة من ثلاث نقاط مهمة: الأولى، التفوق التكنولوجي العسكري في مختلف المجالات. الثانية، ضعف دعم الحليف الشرقي، الروسي أو الصيني، للمحور الإيراني وأذرعته. أما الثالثة، فهي أن التحالف الإسرائيلي - الأميركي يواجه مجتمعات غير موحّدة، فيها ما فيها من الانقسام والتناقض. فالجماعات المناوئة للمحور الإيراني وامتداداته تشعر بأن الهدف النهائي للاستراتيجية الإيرانية ليس القضاء على الدولة العبرية بل الهيمنة على المجتمعات المشرقية التي تسرّبت إليها، برفعها الجماعات المسلحة المتحالفة معها إلى مرتبة «المواطنة من الدرجة الأولى»، مع ما ينتج عن ذلك من امتيازات مادية ومعنوية، ودفعها الجماعات غير المسلحة والمناوئة لها إلى مرتبة «المواطنة من الدرجة الثانية». وهذا التمييز في تراتبية الناس، وفي كونهم غير متساوين في الحقوق والواجبات، يضرب مناعة المجتمع ويضعف إلى حدّ بالغ قدرته على المواجهة.
















التعليقات