لا ينظر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إيران من زاوية الاحتجاجات المطالبة بتغيير النظام فقط. بل ينظر أيضاً الآن إلى العرض الإيراني للتفاوض على البرنامج النووي، وهو ما لم يكن متاحاً منذ حرب حزيران/يونيو الماضي، إذ كانت الحكومة الإيرانية ترفض العودة إلى المفاوضات قبل الحصول على ضمانات أميركية بعدم التعرّض لضربات إسرائيلية أو أميركية أخرى، والتمسّك بحق تخصيب اليورانيوم داخل إيران. لا شك أن ترامب يميل غريزياً إلى إبرام اتفاق يضع حداً للبرنامج النووي الإيراني أكثر من الميل إلى التورّط في لعبة تغيير الأنظمة و"بناء الأمم" أو الغرق في حروب أبدية في الخارج، ويفضّل أسلوب الضربات الخاطفة. لكن الرئيس الأميركي سيستخدم الاحتجاجات الجارية في المدن الإيرانية كرافعة لانتزاع تنازلات جديدة من طهران في أي اتفاق. ولديه داخل إدارته من يشجّعه على استنفاد الديبلوماسية قبل اللجوء إلى الخيار العسكري. وفي مقدّمة هؤلاء نائب الرئيس جي. دي. فانس، الذي كان متحفّظاً على استخدام القوة حتى في حزيران الماضي، عندما قصفت أميركا المنشآت النووية في فوردو ونطنز وأصفهان. والمتحفّظون على الخيار العسكري يشيرون إلى أن النظام قد يتّخذ من أي ضربة أميركية دليلاً على صحة ما يقوله من أن الاحتجاجات الأخيرة هي من تدبير أميركا وإسرائيل، وبأنها تشكّل استكمالاً لحرب حزيران. ثم ماذا لو سقط مدنيون في أي قصف أميركي؟ ألن يقوّي مثل هذا التطوّر جانب النظام؟ لكن مساعدي ترامب ليسوا كلّهم على رأي واحد. وهناك من يرى أن الدخول في مفاوضات مع طهران الآن قد يقوّي شرعية النظام هناك في وقت يواجه لحظة هي الأحرج منذ الحرب الإسرائيلية-الأميركية قبل ستة أشهر. ويرى هؤلاء أن النظام سيحاول مجدداً، عبر العودة إلى التفاوض، شراء الوقت ريثما ينجح في احتواء الاحتجاجات. الرئيس الأميركي دونالد ترامب متحدثاً إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية. (أ ف ب) وكي لا يُساء تفسير التريّث في توجيه ضربات أميركية إلى إيران، خرجت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين لايفييت، الاثنين، بتصريح أوضحت فيه أن ترامب لا يخشى اللجوء إلى القوة، لكنه يعطي الخيار الديبلوماسي "أولوية". وفي الواقع، لا يقف ترامب مكتوفاً في هذه الأثناء، إذ عمد إلى فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران. إجراء من شأنه تعميق الأزمة الاقتصادية في هذا البلد، إلا أنه يهدّد في الوقت نفسه بتجدّد الحروب التجارية، وهذا ما تمكن ملاحظته من مسارعة الصين إلى الإعلان عن اعتزامها "الدفاع عن حقوقها" بعد إعلان ترامب. وحتى لو عاد ترامب إلى المفاوضات، فإن ذلك لن يمنعه من ضرب إيران إذا رأى أن الخيار العسكري يخدم الديبلوماسية. وعندما حصل القصف الأميركي في الصيف، كان ترامب قد تحدّث قبل ذلك عن إعطائه الديبلوماسية مدة أسبوعين آخرين كي تتوصّل إلى اتفاق مع طهران، لكنه انضمّ إلى الحرب الإسرائيلية. وبحسب ما كشفته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، فإن ترامب قد يعمد إلى توجيه ضربته قبل الذهاب إلى الاجتماع مع الإيرانيين. بيد أن ثمّة مخاوف من أن يحمل ذلك طهران على العزوف مجدداً عن التفاوض، والقيام بردّ عسكري يشمل القواعد الأميركية وإسرائيل، وفق ما يهدّد المسؤولون الإيرانيون، وبينهم وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي قال إن بلاده مستعدّة للديبلوماسية والحرب في آن.