إياد الدليمي

وفقاً لاتفاقية صوفا الموقعة بين بغداد وواشنطن، فإن القوات الأميركية ستتحول بنهاية هذا الشهر إلى قوات تدريب، ولن تقوم بتنفيذ أي مهام قتالية، كما أن عديد تلك القوات سينخفض إلى 50 ألف جندي فقط، وتنص تلك الاتفاقية التي أثارت اعتراضات القوى الوطنية المعارضة في العراق، على أن تقوم القوات الأميركية بالانسحاب الكامل من الأراضي العراقية نهاية عام 2011.
وتبعا لتلك الاتفاقية التي ما زالت سارية المفعول، فإن الوجود الأميركي سوف ينتهي من العراق بعد نحو عام من الآن، هذا الوجود والقوات التي كلفت الولايات المتحدة الأميركية نحو عشرين عاما من التخطيط وأكثر، وسبع سنوات من الاحتلال المباشر، ونحو 300 مليار دولار بالإضافة إلى أكثر من 4500 قتيل أميركي، وزهاء الـ250 ألف أميركي معاق، ناهيك عن مثل هذا الرقم أو يزيد من الذين يعانون من اضطرابات نفسية، حولت حياتهم إلى جحيم.
في غضون الشهرين الماضيين حصلت العديد من الأحداث في العراق تجعل المراقب ينظر إليها بقلق وريبة، بل ولا أستبعد أن تكون تلك الأحداث مرتبة ومفبركة في أغلبها لغاية في نفس إدارة البيت الأبيض وصناع القرار في واشنطن.
بداية طلع علينا نائب رئيس الوزراء في النظام السابق طارق عزيز المعتقل منذ سبعة أعوام لدى القوات الأميركية ليناشد أوباما عدم الانسحاب من العراق وأن لا يترك العراق للذئاب، واصفا إياه بالمنافق، وبعدها بأيام وأمام جمع غفير من الساسة والقادة العراقيين والأميركيين، تحدث رئيس أركان الجيش العراقي الجديد بابكر زيباري عن عدم جاهزية قواته لتسلم الملف الأمني، مؤكداً أن هذه القوات لن تكون جاهزة قبل عام 2020.
وما بين تصريحات عزيز وزيباري، وقعت أحداث أخرى تثير الاستغراب، فلقد نشطت دولة العراق الإسلامية، التنظيم التابع للقاعدة، وعادت عملياته لتكون أكثر جرأة وتخطيطاً من ذي قبل، فلقد قامت تلك العناصر المسلحة باقتحام مدينة الأعظمية في وضح النهار ونسفت كل النقاط المسلحة التابعة للجيش العراقي، دون أن تتمكن هذه القوات من ردع المهاجمين، الذين راحوا يسيرون في شوارع الأعظمية بقلب بغداد رافعين رايات دولة العراق الإسلامية.
وفي البصرة، تقع ثلاثة انفجارات غامضة لا أحد يعرف كنهها ولا طبيعة تنفيذها لتودي بحياة العشرات من العراقيين، ولنلاحظ هنا أن البصرة لم تكن في يوم من الأيام ساحة للتفجيرات، اللهم إلا تلك التفجيرات المرتبطة بأجندات معينة، وكانت محدودة ولله الحمد، ومن ثم تعرضت الرمادي والفلوجة وبغداد لتفجيرات متفرقة، قبل أن يقع تفجير باب المعظم قبل يومين والذي استهدف متطوعين للجيش العراقي وأدى إلى مقتل أكثر من 60 عراقيا وإصابة العشرات بجروح، وهو التفجير الذي يثير مئة علامة استفهام واستفهام، كونه وقع في واحدة من أكثر مناطق بغداد تحصينا بعد المنطقة الخضراء.
بالمقابل، فإن واشنطن كانت تراقب ما يجري، إن لم نقل إنها كانت ضالعة فيه، ومن هناك سمعنا السيد غيتس وزير الدفاع الأميركي يعلنها صريحة أن إدارته على استعداد لتعديل بنود الاتفاقية الأمنية وفقا لما تراه الحكومة العراقية، ثم يأتي أيضا تقرير آخر لصحيفة laquo;الغارديانraquo; البريطانية ليشير إلى أن الانسحاب الأميركي في العراق لن يكون سوى انسحابا رمزيا، في محاولة لتخليص الرئيس الأميركي باراك أوباما من إرث سلفه جورج بوش، مؤكدة أن ما سيبقى في العراق من قوات أميركية يبلغ ستة ألوية بالإضافة إلى 94 قاعدة عسكرية.
كل ذلك جاء لتهدئة النفوس والمخاوف من انسحابٍ أميركي سوف يفتح أبواب جهنم على العراق، وهنا التساؤل الذي يطرح نفسه بقوة، هل كان الوجود الأميركي في العراق طيلة السنوات السبع الماضية مانعا للتدخل الإقليمي وتحديدا الإيراني منه، أم أنه كان مساعدا لذلك؟
الأكيد أن القوات الأميركية ومنذ أن أسقطت النظام السابق وأقدمت على جملة قرارات غبية كان على رأسها حل الجيش العراقي السابق، فإنها فتحت وبقوة أبواب العراق أمام التدخل الخارجي خاصة الإيراني، وإذا كانت اليوم تلوّح بهذا الخطر، فإنها فقط تريد ذلك من أجل أن تمد بعمر بقائها في العراق.
كل ما يجري في العراق يشير إلى نية أميركية للبقاء فترة أطول، ربما تمتد إلى عقد من الزمن: التفجيرات التي تصاعدت وتيرتها، التحذيرات من خطر إيراني قادم بعد الانسحاب، القاعدة التي عادت لتطل برأسها من جديد، الحكومة التي ترفض أن تتشكل رغم خمسة أشهر من الانتخابات، فهل ستبقى أميركا؟
البعض يصف الموقف الأميركي بـ laquo;المحيّرraquo; فهي تريد الانسحاب من بلد أنفقت على احتلاله مليارات الدولارات وآلاف القتلى وعشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين، واليوم تريد أن تتركه بسرعة، ولمن؟ لإيران، التي تقول التقارير والتصريحات المتبادلة بين طهران وواشنطن بأنهما laquo;أعداءraquo;، فهل ستنسحب أميركا من العراق؟