قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

صالح المانع

يمثِّل الاستفتاء الذي سيُعقد في التاسع من يناير لتقرير مصير جنوب السودان، واحتمال انفصاله العضوي والسياسي عن الشمال، نقطة تحوّل مهمة في التاريخ السياسي الحديث للمشرق العربي.

فالدولة في المشرق العربي مرَّت بمرحلتين مهمتين، أولاهما في بداية الخمسينيات والستينيات، حين استقلَّت معظم الدول العربية والأفريقية عن الاستعمار الأجنبي، ورحلت بموجب ذلك معظم القوات المسلَّحة التي كانت تحتلّ هذه البلدان، وظهرت فيها حكومات وطنية ذات مؤسسات مدنية وعسكرية متعددة. وكان الاهتمام الأعظم للمنظرين في تلك المرحلة، ما سُمِّي بمسيرة، أو عملية بناء الدولة. وما تلا ذلك من عمليات إلحاق واسعة لقطاعات متعددة من الشعب بالمؤسسات الوطنية حديثة الولادة في ذلك الحين، وأهمها وأكبرها القطاع البيروقراطي أو التنفيذي في هذه الدول، وما تزامن معه من إنشاء مؤسسات تعليمية حديثة، تُعلِّم النشء الثقافة المحلية والمهارات التي تؤهلهم للالتحاق بالعمل في القطاعات الحكومية والخاصة. وتعمل في الوقت نفسه على تكوين ثقافة وطنية تغرس في نفوس النشء حبّ الوطن، والرغبة في الدفاع عن أراضيه، ناهيك عن الالتزام وتعميق الحسّ الديني في نفوس الشباب، وكل ذلك من سمات ربط الفرد بالمجموع، وتوسيع قاعدة القيم الروحية والوطنية التي تمثل الرابط أو الغراء الاجتماعي الذي يحافظ على بقاء المجتمع ويحفظ كيانه.


ولقد مثَّلت تلك الفترة روحاً جديدة من التفاؤل ليس في نفوس مواطني تلك الدول فحسب، ولكن في نفوس وأفئدة منظري الدولة القومية الحديثة، الذين انهمكوا في صياغة أُطر نظرية لما يُسمَّى بالنمو الاقتصادي والسياسي للدول.
غير أنَّ الحماس القديم بدأ في العديد من بلدان المشرق العربي في الخفوت والتلاشي. وكان ذلك بسبب الزيادة الهائلة في عدد السكان، وقلّة الموارد الاقتصادية المتاحة لتلك الدول، وفي بعض الأحيان سوء إدارتها. وشهدت تلك الفترة طفرة هائلة في عدد الانقلابات العسكرية، وسوّق العسكريون أنفسهم على أنهم حماة للوطن وأنهم الوحيدون القادرون على ضمان أمنه واستقراره، وعابوا على المدنيين ضعف قدرتهم على إدارة شؤون الدول. غير أنَّ وصول هؤلاء العسكريين إلى السلطة لم يُغيِّر من الأمور الشيء الكثير، وأصبح الشق أكبر من المخيط، بحيث أصبحت المؤسسات العسكرية تعاني من نفس العلة التي كان يعاني منها السياسيون المدنيون حينما كانوا في سدة السلطة.

وقد يتساءل المرء عمَّا حدث وعن مسبباته، وهل العلة في البيروقراطية التي لم تكن قادرة في تلك الدول حديثة الاستقلال على أن تجمع الأموال الكافية من الضرائب والرسوم لتمويل بناء الدولة الحديثة، المُكلفّ جدّاً.. أم أنَّ اعتماد هذه الدول على المعونات الدولية وتراجعها عبر مرحلة الأزمات الاقتصادية هو الذي حال دون مواصلة عملية بناء الدول؟

ويتساءل آخرون عن أبعاد أيديولوجية أخرى، حالت بين المواطن وأخيه، وبينهما وبين السلطة السياسية التي تحكمهما، وبالتالي فقد الغِراء السياسي الذي يلتصق به الحاكم بالمحكوم.

غير أنَّ الأمر ربما كان أكثر من ذلك، فالنظرة القديمة للدولة وكأنما هي تنين ضخم، تعني مؤسسات سياسية وعسكرية قوية ونظاماً يفرض قوته وسلطته على سائر أراضيه، وقادراً على حماية تراب وطنه وأهليه. وحتى لو كان ذلك كذلك، فإنَّ البُعد النظري الجديد للدولة قد تغيّر، فالدولة الحديثة لم تعد تلك الآلة الضخمة التي كانوا يتحدثون عنها في كتب بناء الدولة والتنظير لها. فقد أصبح لها وجه إنساني، وأصبحت لها وظيفة اقتصادية محددة. وارتبط ولاء الفرد بمقدار ما توفره له الأنظمة السياسية والاقتصادية في بلاده من فرص العيش الكريم، من عمل وطعام وإسكان وغيره من الخدمات العامة.

وتخلَّف المشرق العربي في معظم أجزائه، ما عدا منطقة الخليج العربي، عن الركب العالمي، فيما ركزت نظم شرق آسيا على بناء دولة التحديث الجديدة، باهتمامها بالصناعة والتصدير.

أما في بعض دول المشرق العربي، فكانت عجلة التنمية تقضي على القطاعات الزراعية القديمة والمجتمعات الصغيرة في القرى، وتفشل في المقابل في بناء مجمعات صناعية ضخمة، حتى لو بنت مدناً حديثة، تجذب إليها سكان القرى دون أن تقدم لهم الوظائف المطلوبة.

وزاد الطين بلّة، أنَّ الحروب التي تعرضت لها بلدان المشرق العربي قد أنهكتها بشكلٍ كبير، ما دفع بكثيرٍ من هذه الدول إلى إفراد ميزانيات ضخمة للدفاع، وتقليص الميزانيات المقابلة للتعليم والصحة وتقديم الخدمات العامة، ولعلّ دول الخليج العربية هي الوحيدة التي استطاعت أن تحافظ على مثل هذا التوازن بسبب العائدات النفطية الكبيرة.

كما أنَّ دول المشرق العربي ذات الموارد المحدودة بدأت في مرحلة ما يُسمّى بضعف الدولة ووهنها، وفي هذا الصدد بدأت مؤسسات اجتماعية أخرى مثل القبيلة والطائفة تصارع سلطة الدولة، وتحاول أن تحل محلَّها، وتزامن هذا الضعف الداخلي مع الضغط الخارجي المتمثل في وثوب الدول الكبرى وتصدير العنف والحروب إلى الدول العربية، ما جعل هذه الدول في حال تعايش شبه واهن مع الضغط الداخلي، ومحاولات الاختراق الخارجي. وفي مقابل الدولة التحديثية في شرق آسيا، مثل كوريا الجنوبية، لم يكن حال الدول الأفريقية أفضل حالاً من بقية الدول العربية. بل عانى بعضها مجازر بشرية ومجاعات راح ضحيتها مئات الآلاف، ولكن الدول الأفريقية خاصة في هذا العقد استفاقت إلى ضرورة تحديث مؤسساتها والعودة إلى النظام الديمقراطي، وإن كان بعض منها يعاني اليوم شبح حروب أهلية بسبب عدم قبول قادتها ونخبتها السياسية لقواعد اللعبة الديمقراطية، كما هو حال جمهورية ساحل العاج.

ومن النماذج الثلاثة، نموذج الدولة العربية ذات الموارد العالية، كما هو حال دول الخليج العربية، ونموذج الدولة التحديثية التي تعتمد على التصنيع والتصدير كما هو حال الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا، والنموذج الديمقراطي الإفريقي، الذي هو في حال التشكل، باتت معظم الدول العربية ذات المصادر المحدودة تعاني إشكالات عميقة قد تؤدي إلى تفككها وانقسامها، كما هو حال السودان، ودول مشرقية أخرى هي كذلك على أبواب مثل هذا الاحتمال.

ولا شكّ أن تقسيم وتفكيك الدول العربية لن يعود بالوبال على السلطة نفسها، بل سيطال النظام الإقليمي العربي برمته. وجدير بنا كباحثين أن نتوقف كثيراً لتحليل هذه الظاهرة ودراستها، وتقديم الرؤى التي قد تعين أصحاب القرار في تلمّس طريق المستقبل لدولهم ومجتمعاتهم.