قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


محمد عيادي

خرج عدد من الدول الغربية عن صمته عما كان يجري بتونس طيلة الأسابيع الماضية، بعدما أيقن أن المظاهرات التي عمت البلاد وارتفاع عدد القتلى من المواطنين التونسيين على يد الأمن لا يعبر عن غضبة عابرة، وأيقنت هذه الدول أن سخط وصمت السنين وضغوطها تفجر في احتجاجات عمت جلّ مدن وقرى تونس بأصوات تطالب بوضوح باستقالة الرئيس زين العابدين بن علي، وذلك بعدما لم تشفِ غليلها إقالة بن علي لوزراء ومسؤولين والإعلان عن لجنة تحقيق، لأن الثقة كما قال تونسيون قد فقدت في نظام كانت تلك الدول الغربية تسوقه كنموذج لحداثة مفروضة وتنمية اقتصادية ونسبة نمو لم تنعكس آثارها على كل الشعب التونسي، ونموذج لتجفيف منابع التدين ومحاربة الحركة الإسلامية معتدلها ومتطرفها على السواء دون تمييز.
خرجت تلك الدول عن صمتها متأخرة لتدين استعمال السلطات التونسية القوة والرصاص في قمع المتظاهرين، بعدما أحرجها الصمت والمواقف القوية التي عبرت عنها وسائل الإعلام، والإدانات الشديدة اللهجة لبعض الأحزاب السياسية كما حصل في فرنسا بدعوة رئيس كتلة النواب الاشتراكيين في البرلمان جان مارك آيرو أمس الأول لرحيل بن علي، معتبراً أن ذلك أمر laquo;لا مفر منهraquo; منتقدا تصريحات وزيرة الخارجية ميشال اليو ماري التي حذرت من laquo;التشهيرraquo; وتحدثت عن تعاون أمني ممكن بين فرنسا وتونس.
أما وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون فاختارت التعميم، بدعوة قادة الدول العربية إلى الإصلاح ومحاربة الفساد، والتحذير من أن التطرف يمكن أن laquo;يملأ الفراغraquo; ولم تتحدث بصراحة ووضوح عما يحصل بتونس إلى حدود أمس.
ولست هنا مع التدخل الأجنبي في الشأن الداخلي التونسي -معاذ الله- ولا في الشأن العربي والإسلامي بشكل عام، ولكن أستغرب من عدم احترام تلك الدول الغربية لشعاراتها حول الديمقراطية والتعددية السياسية وحرية الإعلام وحرية العمل النقابي، وأن تكون منسجمة مع نفسها على طول الخط، ولا تلعب على الخلافات بين بعض الشعوب العربية والإسلامية وحكامها والاستفادة منها ما دام ذلك يحفظ مصالحها دون أن تهمّها مصالح الشعوب ولا حتى مصالح الحكام، إذ سرعان ما تنفض يديها من الحاكم الذي تفلت الأمور من يديه، لأنه راهن على دعم الخارج ولم يراهن على الشعب، خاصة أن الشعوب العربية الإسلامية لديها استعداد لتفهم وجود مشاكل في الموارد المالية والإكراهات الاقتصادية الدولية وما إلى ذلك، ومستعدة لأن تصبر، طالما تُعامل باحترام، ولها متنفس للتعبير عن رأيها وينصت لمطالبها.
فلم يكن يخطر ببال كثيرين جدا أن الشاب خريج الجامعة محمد البوعزيزي، بإحراقه لنفسه احتجاجا على مصادرة بضاعته (خضراوات وفاكهة) يبيعها في الشارع بمدينة سيدي بوزيد، يشعل غضباً شعبياً في تونس.
لم يكن يخطر ببال كثيرين ولا البوعزيزي ذاته، أنه لم يكن يشعل النار في جسمه فقط بل يشعلها في جنبات الحكم التونسي، سيضطر معها لأن يغير لهجته من التهديد والوعيد ووصف المتظاهرين بالمخربين وما إلى ذلك من الأوصاف الاثنين الماضي إلى لهجة تهدئة واستجابة لعدد من مطالب التونسيين وإقالة الحكومة والدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة، بعدما خرج الشعب التونسي في جل المدن والقرى إلى الشارع كحصاد لقتل المؤسسات الوسيطة وتكميم حرية التعبير، وغياب التعددية السياسية وهيمنة الحزب الواحد، وتغلل الفساد، وسيطرة المنطق الأمني وتغطيته بحداثة شكلية ونسبة نمو اقتصادي لم يستفد منه الجميع.