قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

راجح الخوري

استبق الرئيس سعد الحريري كل ما قيل وكتب عن اتجاه المعارضة الى الحسم سياسياً أو عسكرياً، بأن أكد موقفه حاسماً مساء أمس انه ذاهب الى الاستشارات النيابية الملزمة يوم الاثنين المقبل كمرشح لرئاسة الحكومة العتيدة، كاشفاً ان مهمة الموفدين التركي والقطري الى بيروت انتهت برفض المعارضة ان يعود الحريري الى رئاسة الحكومة.
ما يثير الاستغراب ان المعارضة بثّت إشاعات سريعة مساء امس قبيل حديث الحريري، مفادها انه سيعلن عزوفه عن الترشّح لرئاسة الحكومة. وما يثير الاستغراب ايضاً ان هذه الاشاعات جاءت في أعقاب سلسلة من التصريحات والتحليلات التي تحدثت عن اتجاه المعارضة الى الحسم اي حسم الموقف سياسياً عبر ضمان اكثرية الصوت او الصوتين لترشيح سني آخر للرئاسة، وذلك عبر ممارسة الضغط وحتى التهديد والإكراه على مواقع نيابية لا تريد التصويت لمصلحة مرشح غير سعد الحريري!
كذلك استمر الحديث عن الاتجاه الآخر الى امكان اختيار الحسم العسكري لفرض أمر واقع لا يقتصر على quot;تعيينquot; رئيس للحكومة بالإكراه بل يتعداه الى سلسلة من quot;الاجراءات العقابيةquot; ضد جماعة 14 آذار، على طريقة quot;البلاغ رقم 1quot; وفتح السجون للخصوم.
لكن إعلان سعد الحريري مساء أكد التزامه معايير الدستور واحترام قواعد الممارسة الديموقراطية، وهو ما يفرض الآن فتح الأبواب امام المجرى الدستوري للاستشارات النيابية التي كانت قد أرجئت أسبوعاً إفساحاً في المجال امام الوفاق كما قيل، في حين امتعضت الأكثرية لأنها كانت ضامنة التكليف لمصلحة الحريري، وهو ضمان يبدو الآن أنه لا يزال قائماً.
في أي حال الصورة الغالبة على الوضع من خلال ما يوضع في التداول توحي أن المعارضة تلوّح بواحد من اثنين:
* إما أن تذهب إلى quot;الحسم سياسياًquot; ولو عن طريق استعمال عناصر القوة والضغط والإكراه للحصول على أكثرية ضئيلة تؤيد مرشحاً غير الحريري.
* وإما أن تذهب الى quot;الحسم عسكرياًquot; عبر النزول الى الشارع. وهو أمر اذا كان سهلاً عليها ميدانياً فإنه خطير جداً في آثاره وتداعياته، لأنه سيفتح الأبواب على تطورات خطيرة على المستويين العربي والدولي.
وما يسمى quot;الحسم العسكريquot; لن يؤدي الى أي مكان لأنه لا يحترم أو يحرص على قواعد اللعبة السياسية وأصول النص الدستوري، بمعنى ان محاولة فرض تكليف أي شخصية سنية، ستعني محاولة لتشكيل حكومة تعارضها القوى السنية السياسية والشعبية الكاسحة التي تقف وراء سعد الحريري، وهو ما ستعتبره دول كثيرة انقلاباً عسكرياً بوسائل سياسية.
مثل هذا سيعجل فوراً في تحرك عجلة التدويل. فلا تعترف الدول بهذه الحكومة. بل ستمحض الحريري تأييدها المتصاعد، بما يعني تالياً المضي أكثر في دهاليز الأزمة، وما يمكن ان نصل اليه من كوارث اقتصادية!
وفي أي حال، اذا كان هناك في السنّة من يقبل ان يركب هذا المركب الخشن فهل يستطيع الرئيس ميشال سليمان ان يقود هذا المركب او يعطيه غطاءً دستورياً، وخصوصاً أن هناك قوى في المعارضة تعمل صراحة وعلانية على أساس quot;قم لأقعد مطرحكquot;، وقد سبق ان ارتفعت خلال اجتماعات quot;اتفاق الدوحةquot;، أصوات تدعو الى تقصير ولايته وجعلها سنتين؟!
أما محاذير الحسم العسكري بمعنى فرض إرادة المعارضة بالقوة بعد النزول الى الشارع، فإنها أشد خطورة من الحسم السياسي. فالحديث السعودي عن انفصال وتقسيم وما الى ذلك ليس مجرد نزاعات كما يظن البعض، بل هناك مخاوف دفينة وحقيقية لدى السعودية وغيرها من الدول العربية من نشوب فتنة كبيرة في لبنان قد تنتهي بالشرذمة والتقسيم، ومثل هذه المخاوف كانت قائمة كما نذكر جميعاً في بدايات الحرب اللبنانية قبل ربع قرن، ولطالما حذّر منها يومها الرئيس حافظ الأسد.


***

في أي حال اذا كان كل ما جرى ويجري للوقوف في وجه المحكمة الدولية تمّ ويتم انطلاقاً من القول انها مؤامرة تتهدد لبنان بالفتنة المذهبية بين السنة والشيعة، يصبح من المبرر طرح السؤال: إذاً لماذا الاندفاع الآن في ما قد يعجّل في اشعال هذه الفتنة؟!
ثم ان السؤال الأهم الذي يفترض طرحه هو التالي:
سواء تشكّلت حكومة يرأسها غير سعد الحريري اعتماداً على الحسم السياسي، او تم اللجوء الى الحسم وفرض حكومة أمر واقع، ماذا ستكون النتيجة بالنسبة الى أعمال المحكمة الدولية؟
هل سيتم إلقاء القرار الاتهامي جانباً؟ طبعاً لا. وأهل المحكمة ودول مجلس الأمن التي شكلتها كرروا دائماً انها تعمل باستقلال عما يجري في لبنان، بمعنى أنها ستمضي في عملها وربما ستصدر قراراتها غيابياً، وان لم ينفذها أحد!
ولكن لو افترضنا أنها أصدرت مثل هذه القرارات في وجود حكومة الحريري، لو لم تُدفع الى الاستقالة، هل كان هناك من يصدّق في ظل الوضع الراهن، أن الدولة تستطيع تلبية طلبات المحكمة لجهة مثول المتهمين المفترضين أمامها؟
على أساس كل هذا، يصبح ضرورياً، التساؤل: اذا ذهب اللبنانيون الى الفتنة لا سمح الله فمن الذي سينتصر في النهاية بعدما نغرق في وحول quot;الصوملةquot; وquot;العرقنةquot; بعد quot;اللبننةquot; السعيدة؟ سينتصر العدو الاسرائيلي طبعاً، بعدما ننجح ويا للمرارة في تكريس لبنان ساحة لفتنة دموية يراد لها أن تشعل المنطقة كلها!