قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

وليد نويهض

بعد أكثر من سنة على التجاذب الطائفي في إطار حكومة الوحدة الوطنية انكشفت الساحة اللبنانية على مسارات ثلاثة دفعة واحدة: التدويل، التعريب المعطوف على تدخلات إقليمية، وفراغ دستوري مفتوح على قلق أهلي.

المسارات الثلاثة تتسابق على خط النهاية الذي يبدو أنه يتسارع نحو الاصطدام في حال استمر نهج التصعيد يتطور من دون ضوابط تشرف عواصم القرار على رعاية آلياته.

مسار التدويل استقر منذ الاثنين الماضي على صدور البيان الاتهامي الذي رفعه المدعي العام القاضي دانيال بلمار إلى قاضي الإجراءات التمهيدية في المحكمة الدولية دانيال فرانسين. والقرار الظني لن تكشف تفصيلاته قبل فترة تتراوح بين 6 و10 أسابيع وهي الفترة القانونية المعطاة لرئيس المحكمة حتى يدرس الاتهامات ويتأكد من تناسقها مع أصول الإجراءات والإثبات والأدلة الدامغة ومعايير القانون الدولي. وبعد انتهاء الدراسة ضمن المهلة القانونية يمتلك القاضي فرانسين حق رد البيان الاتهامي أو قبوله أو الاعتراض على أجزاء منه. وفي حال اقتنع بالاتهامات يستطيع إعطاء الضوء الأخضر للبدء في إجراءات المحاكمة وإبلاغ المتهمين ودعوتهم لحضور الجلسات أو إنابة محامين للدفاع عنهم.

التدويل ليس صفة ملازمة للمحكمة الدولية، ولكن المحكمة - التي يمكن أن تباشر أعمالها بعد عشرة أسابيع ويرجع أن تعقد جلساتها الأولى في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل - ستفتح أبواب الأزمة السياسية على العواصم الدولية وتعطيها فرصة للتدخل القانوني في الشئون الداخلية لبلاد الأرز. والتدخل الدولي في المسألة ليس مستبعداً في حال تعاملت الأطراف المعنية مع البيان الاتهامي بأسلوب سلبي ورفضت التجاوب مع المعلومات التي يفترض أن القرار تضمنها وأتى على ذكرها بالأسماء والأدلة الدامغة.

باب التدويل لم يعد بالإمكان الآن غلقه بعد أن قررت المحكمة الدولية اتخاذ الخطوة الأولى في السياق القانوني وتحت مظلة الأمم المتحدة وبنود الفصل السابع. وهذه الخطوة المستجدة لا تعني أن تدويل المسألة اللبنانية مجرد حادث طارئ بدأ قبل أسبوع فقط وإنما هي خطوة تضاف إلى تراكمات تأسست قواعدها الإطارية في العام 2004 بعد صدور القرار الدولي 1559. الجديد في الموضوع أن المحكمة الدولية وقراراتها الاتهامية وجلسات الاستماع والدفاع والتحقيق تعطي مسألة التدخل صفة قانونية لا يمكن التراجع عنها إلا بصدور قرار دولي مضاد يلغي صلاحات كل ما سبقه من نصوص والتزامات.

المسار الثاني يتمثل في انهيار الهدنة الداخلية بعد أن نقض وزراء قوى 8 آذار البند الثاني من اتفاق الدوحة الذي ينص على منع تقديم الاستقالات وتهديد حكومة الوحدة الوطنية بالانفراط. حصول المخالفة الوفاقية التي أسقطت الحكومة في إطار الكلام عن فشل مبادرة سين سين (السعودية وسورية) في التوصل إلى صيغة حل نقل الملف اللبناني إلى التداول مجدداً بشأن أوراقه المختلفة. وتقويض الحكومة أدى إلى إعادة تحريك الملف اللبناني وفتحه على اجتهادات متضاربة. فالولايات المتحدة استغلت الفرصة لترفع الصوت عالياً وتحذر من سوء التصرف بما أسمته تلازم العدالة والأمن والاستقرار. وفرنسا أيضاً استفادت من فرصة الفراغ الدستوري وتراجع وظيفة سين سين لمصلحة بدائل دولية - إقليمية من خلال طرح فكرة laquo;مجموعة الاتصالraquo; وهي فكرة تقضي بتشكيل مظلة حماية تشارك في تأسيسها إلى جانب دول أخرى معنية بمصير بلاد الأرز.

لم تقتصر ردود الفعل على فشل معادلة سين سين وإسقاط الحكومة على واشنطن وباريس بل تحركت الكثير من عواصم القرار على الخطوط الإقليمية فأجرت سلسلة اتصالات أسفرت عن تحركات ملفتة منها انعقاد لقاء ثلاثي في دمشق ترأسه الرئيس السوري وحضره رئيس الوزراء التركي وأمير دولة قطر. وأدى اللقاء الثلاثي الدمشقي إلى الطلب من الرئيس اللبناني تأجيل الاستشارات النيابية مدة أسبوع ومحاولة تعويم وإعادة إحياء مبادرة سين سين وإرسال وزير الخارجية التركي إلى جانب وزير الخارجية القطري إلى بيروت للاتصال بالأطراف والتعرف على مخارج تساعد على منع الأزمة من التصاعد والاصطدام.

محاولة إحياء مبادرة التعريب جاءت معطوفة هذه المرة على نمو القوة التدخلية للدول الإقليمية (تركيا وإيران) ومترافقة مع مساعي فرنسا بدعم أميركي على تشكيل مجموعة الاتصال التي يرجح أن تضم في حال إقرارها أكثر من سبع دول وهي الولايات المتحدة، فرنسا، تركيا، إيران، السعودية، مصر، سورية، وقطر. ولذلك يرجح أن تكون الخطوة مدار بحث بين وزير الخارجية الإيراني الذي سيزور أنقرة للتنسيق مع الجانب التركي. كذلك يمكن أن تشكل فكرة مجموعة الاتصال مادة لمراجعة مبادرة سين سين وإعادة تنشيطها حتى تبقى الأزمة اللبنانية تتحرك في المجال العربي من دون ضرورة للاستنجاد بالمحيط الإقليمي (طهران واسطنبول) أو بالفضاء الدولي.

المسار الثالث يتصل بأزمة الفراغ الدستوري التي نجمت عن خطوة إسقاط الحكومة اللبنانية وإفشال معادلة سين سين. فالفراغ مسألة طبيعية في بلد يعاني من مشكلات مستعصية وممتدة وتتقاطع في ساحته الداخلية الكثير من خطوط التماس الدولية والإقليمية. وبسبب هذه الخصوصية جاءت ردة الفعل على استقالة وزراء 8 آذار تتناسب مع حجم الأبعاد والتداعيات والاستحقاقات المتوقعة. ومثل هذا الاهتمام ليس جديداً لاعتبارات تتصل بالجغرافيا اللبنانية وتضاريس الطوائف وامتدادها وأمن laquo;إسرائيلraquo; وغيرها من أمور تتجاوز حدود بلاد الأرز.

الفراغ الدستوري الذي نجم عن الاستقالات بدأ يأتي مفعوله الداخلي والإقليمي والدولي بعد أن تبين أن الخطوة السورية - الإيرانية كانت ناقصة وغير محسوبة محلياً لأن المعادلة النيابية لاتزال ترجح نسبياً كفة سعد الحريري. ولكن المشكلة ليست في إعادة تكليف الحريري وإنما في إمكان نجاحه في تأليف الوزارة. فالتأليف أصعب من التكليف بسبب تضاريس الطوائف وتداخل هواجسها مع مصالح إقليمية تعطي فرصة لتداول الأزمة على أكثر من صعيد.

حسابات قوى 8 آذار لم تكن موفقة داخلياً في دراسة تفصيلات الواقع اللبناني وهي ساهمت في فتح الأبواب الدولية والإقليمية على ساحة قابلة للاشتعال في ضوء ما يمكن أن تسفر عنه قرارات المحكمة بعد نشر البيان الاتهامي بشأن الاغتيالات. ولكن الحسابات قد تنجح في تمديد الأزمة وتوسيع دائرة الفراغ الدستوري في حال لم تتواصل اللقاءات الإقليمية المعطوفة على رغبة سورية في تعويم معادلة سين سين.

المسارات الثلاثة تتسابق الآن على احتواء تفاعلات الأزمة اللبنانية وتداعياتها بعد أن أصبحت مهمة تأليف الحكومة مرشحة للتمدد الزمني في مرحلة لم يعد بالإمكان التراجع عن البيان الاتهامي الذي صدر عن المحكمة الدولية. فالبيان يحتاج إلى مدة 6 و10 أسابيع لتتوضح خطوطه وحظوظه. والحكومة تحتاج إلى فترة زمنية حتى تخرج من وراء كواليس المفاوضة والمقايضة. والتدخل الدولي والإقليمي يحتاج إلى جهود مضاعفة لمنع انزلاقه نحو صيغة تتجاوز حدود التعريب أو تنشيط معادلة سين سين. وبسبب هذه الانعطافات لا يستبعد أن تندفع الجماعات الأهلية نحو الاصطدام في حال فشلت محاولات تأليف الحكومة على قاعدة التوازن الطائفي - المذهبي ما يعني احتمال انجرار الأزمة إلى مكان يصعب السيطرة عليه. المسارات الثلاثة في سباق مفتوح على مجهول لا خاسر فيه ولا منتصر ولذلك يتطلب الأمر الكثير من الجهد حتى تنجح الأطراف المعنية في ابتكار آليات ذكية للخروج من المأزق الذي يرجح أن تكون تداعياته كبيرة وممتدة وعابرة للحدود في حال وصلت الأزمة المتدحرجة إلى آفاق مسدودة من مختلف الاتجاهات.