قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حازم الأمين


ستصدر المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قرارها الظني قريباً بحسب مؤشرات كثيرة، ولبنان سيستقبل هذا القرار بلا حكومة. هذا هو الجواب الذي سعى اللبنانيون للحصول عليه طوال الاسابيع الفائتة عندما كان يقال لهم ان هناك تسوية، من دون ان يكشف مضمون هذه التسوية.

المشهد نموذجي اليوم. لن يضطر رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري الى اطلاق موقف سلبي من القرار الظني على نحو ما كان يطلب منه laquo;حزب اللهraquo;، وفي المقابل فإن مطلب الأخير بعدم تعاون الحكومة مع المحكمة الدولية سيتحقق، ذاك انها حكومة تصريف أعمال، ولا تستطيع اتخاذ قرار بالتعاون مع المحكمة وتلبية ما تطلبه.

للمرء الحق في ان يعتقد ان التسوية الغامضة التي كان يُشار اليها في التعبير اللبناني بـ laquo;س - سraquo; تتمثل بهذا المخرج، لكن على المرء أيضاً ان يخرج بنتيجة مفادها ان امكان تشكيل حكومة لبنانية في الأشهر المقبلة سيكون عسيراً، بل مستحيلاً، اذ سننتظر قبل تشكيل هذه الحكومة الكشف عن طبيعة القرار الظني، وعما هو مطلوب من لبنان في ظل صدوره، وبعد ذلك هناك اجراءات المحكمة لجهة قبول هيئتها تقرير المدعي العام، وصولاً الى اجراءات المحاكمة، سواء حضر المتهمون أم حوكموا غيابياً. كل ذلك من المرجح ان يحصل في ظل حكومة تصريف الاعمال، وفي ظل كباش داخلي وسجال حول متانة القرار الظني وقوة الوقائع التي يوردها.

ولكن لما جرى في الاسبوع اللبناني المنصرم دلالات في الشكل لن تعدم فرص التسرب الى الجوهر. لقد أسقط laquo;حزب اللهraquo; حكومة سعد الحريري. المعادلة على هذا النحو ستكون لها طبيعة مختلفة. في الوعي اللبناني العادي، سيكون معنى ذلك ان الشيعة أسقطوا حكومة السنّة، وهذه سابقة ستنضم الى غيرها من السوابق التي حملتها السنوات الأخيرة الى لبنان، من نوع الحملة العسكرية التي نظمها laquo;حزب اللهraquo; في عام 2008 واستهدف فيها مناطق السنّة وأطرافاً سياسية يمثلونهم. واذا كان الحزب عديم الحساسية حيال مراكمته الوقائع المؤسسة لهذا الصدع الطائفي الجوهري، فإن التسوية لم تعط بالاً لأكثر من ضرورة تفادي ارتدادات القرار الظني. أي بمعنى آخر، قضت التسوية بأن يدفع اللبنانيون من مستقبلهم ثمناً لراهنهم. فالقرار الظني وشيك الصدور، هو بمعنى ما راهن عابر، فيما يبدو ان تأسيس شرخ عبر مراكمة ضغينة طائفية هو المستقبل والأفق.

لكن الملاحظ أيضاً في لبنان هو تعليق السياسة في هذا البلد على حدث واحد، لا حدث غيره. فمنذ أكثر من سنتين لا مكان في الحياة السياسية اللبنانية الا لقضية laquo;حزب اللهraquo;. سلاحه ووجوده واقتصاده واحتمالات اتهامه باغتيال رفيق الحريري. تتغير الحكومات وفقاً لهذا المعطى، وتُشن الحروب، وتفتح الملفات... وصولاً الى العـــيش لأشهر طويلة من دون حكومة. انه حدثنا الوحيد، والجوهر الذي تنعقد حوله همومنا وتتوجه اليه انظارنا، وهو بهذا المعنى استبداد واحتلال، وان جاءنا ذلك من حيث لم يسبق ان أتى الاستبداد والاحتلال. فماذا نفعل حيال عيشنا أشهراً من دون حكومة؟ وماذا نفعل ازاء حقيقة ان سعينا لتصريف همومنا العادية موصول برغبات الحزب وبمخاوفه؟

الاحتلال الاسرائيلي، والمخاطر التي يشكلها الأخير هو الاجابة المفترضة على هذه التساؤلات، اذ اننا بحسب هذه الاجابة رهن وظيفة مقاومته ورد مخاطره. لكننا نعيش اليوم في ظل laquo;ستاتيكوraquo; مضت خمس سنوات على تكريسه على الجبهة مع هذا الاحتلال. خمس سنـــوات التزم خلالها الحزب بالقرار الدولي الرقم 1701 القاضي بوقف اطلاق النار. وما جرى انه تمت الاستعاضة عن هذه الجبهة، بالجبهة الداخلية. لا شيء يجري في لبنان الا في ظل معادلة المخاطر التي يشكلها هذا الاحتلال.

ألم يجر ذلك في معظم دول المنطقة؟ أي الامساك بالمجتمعات وبالحكومات والادارات بذريعة المواجهة. ألم تجمّد الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية بانتظار المواجهة؟ هذا في حين استمرت الهدنة عقوداً من دون ان تمسها طموحات المواجهة ولا أطماع العدو وتطلعاته.

الفراغ الحكومي، هو الصيغة الجديدة المقترحة علينا لكي نواجه بها مأزقنا الجديد. فراغ بانتظار رصد الشكل الذي سترسو عليه الشروط التي سيواجهنا بها المجتمع الدولي. لن تكون في لبنان حكومة مارقة غير ملتزمة بقرارات المحكمة الدولية. كذلك لن تكون هناك حكومة في مواجهة laquo;حزب اللهraquo; وآلته الضخمة. التسوية قضت بأن لا تكون هناك حكومة أصلاً.

واللبنانيون يشعرون بقدر من الراحة في ظل هذا المخرج العبقري، اذ ان سقف توقعاتهم كان أدنى من ذلك بكثير. فنصفهم كان يعتقد ان الحريري سيــتخلى عن المحكمة، ونصفهم الثاني كان مرتعباً من هذا الاحتمال، وجاءت النتــيجة في الوسط، لكن الثمن هو العيش خارج الزمن، أي بدولة بلا حكومة وبلا حياة سياسية.

العالم خائف مما نحن مقبلون عليه. التحذيرات الدولية فُسرت تدخلاً في شؤوننا، وسعياً لقلب laquo;الاستقرارraquo; الذي ننعم به. فدولة في منطقة حساسة، يجب ان لا يُقلق العالم قرار عيشها من دون حكومة! هذا العالم الذي لا يملك أدنى فكرة عن laquo;عبقريتناraquo;، والذي يحسدنا على عيشنا وتقدمنا ومقاومتنا.

والمخاوف من الفراغ تبديها دول كبرى لها مطامع في ثرواتنا وفي مستقبلنا، وهي سبق ان استثمرت في الفراغ العراقي الذي امتد أشهراً قبل تشكيل الحكومة هناك، فأرسلت هي نفسها انتحاريين ليستهدفوا جنودها وسفاراتها هناك! فليتركونا الى فراغنا الارادي هذا لننعم به، وليتيحوا له ان يمتد الى نفوسنا فعندها سنكون أكثر انسجاماً وأقل تطلباً... أليست هذه حال من نسعى الى مشابهتهم؟