إقرأ أيضاً في إيلاف

وضع تفجير الإسكندرية الأقلية المسيحية في العالم العربي بشكل عامأمام اختبارات صعبة، لكن في لبنان الذي يتميز بالتنوع الديني يبدو الوضع مختلفاٌ. واعتبر النائب اللبناني السابق سمير فرنجية أنه لا توجد مؤامرة لتهجير المسيحيين من الدول العربية، مشيراً إلى أن quot;التفجيرات نتيجة لوضع طائفي ومذهبيquot;. مؤكداً أن الحل الناجع يكمن في صياغة مستقبل مشترك لجميع مكونات المجتمعات العربية.


أن يضرب الإرهاب كنيسة القديسين المسيحية القبطية، أثناء اكتظاظها بالمصلين في مصر، فذلك دليل إضافي على أن الإحتقان الطائفي قد أصاب قلب الوطن العربي، وتجاوز الخطوط الحمراء، مهددا بانفجار الكيانات العربية وتشظيها إلى عدد من quot;الذراتquot; الإثنية والطائفية والمذهبية.

هذا الأمر يضع الأقلية المسيحية في العالم العربي، أمام إختبارات صعبة وقاسية في علاقتها بالأكثرية المسلمة، وإن كان الوضع في لبنان الذي يشكل المسيحيون ما يقارب 35% من عدد سكانه، يبدو مختلفاً. كما لا بد لهذا الوضع أن يطاول الأقليات الأخرى التي ستجد نفسها عرضة للمصير ذاته، بكل ما يحمله ذلك من نتائج كارثية على المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية للمجتمعات العربية.

عناصر من الشرطة اللبنانية أمام كنيسة قبطية في منطقة جسر الباشا قرب بيروت

يتميز لبنان منذ تشكله ككيان ودولة، بالتنوع الديني المعقد، فمنذ العام 1860 شكل المسيحيون الذين كانوا يقطنون جبل لبنان، وخصوصاًقضاءي المتن وكسروان والساحل المحاذي لهما كياناً سياسياً، اتخذ شكل الحكم الذاتي تحت السلطة العثمانية وعرف بالمتصرفية، وتكرس لاحقاً بدور خاص في دولة لبنان الكبير التي ضمت ثمانية عشر طائفة، وشملت المذاهب الاسلامية (الشيعة، السنة، الدروز والعلويين) والمسيحية (الموارنة، الروم الكاثوليك، الروم الأرثوذكس، والإنجيليين) إضافة لبعض الطوائف الصغيرة الأخرى.

واذا كان الوجود الديموغرافي المسيحي، يتركز في القسم الشرقي من العاصمة بيروت، وصولا الى اعالي جبل لبنان والساحل المحاذي له، فإن هذا الوجود يمتد الى المحافظات الأخرى، وخصوصاً عاصمة البقاع زحلة، وجزين في الجنوب، وزغرتا في الشمال، ليتحول الى وجود محدود في باقي قرى وبلدات تلك المحافظات.

لبنان حالة خاصة

يعتبر لبنان البلد العربي الوحيد الذي احتل فيه المسيحيون بعد الاستقلال في العام 1943 الموقع الأول والمقرر في السلطة التي ورثت الإنتداب الفرنسي، واستمر ذلك حتى توقيع إتفاق الطائف في العام 1990 الذي نقل السلطة الى مجلس الوزراء مجتمعاً وأصبح يمثل الطوائف اللبنانية، ولكن مع المحافظة على رئاسة الجمهورية بيد مسيحي ماروني، واستمرار المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مؤسسات الدولة كمجلسي الوزراء والنواب، ووظائف الفئة الأولى.

ويعيش المسيحيون في لبنان على الرغم من موقعهم الرئيس والمميز في الدولة والمجتمع، إحساساً بالخطر الدائم، بسبب النمو السريع في عدد المسلمين. فبعد أن كان المسيحيون يمثلون نصف عدد اللبنانيين، مع أول إحصاء أجري في العام 1932، فإنهم الآن باتوا يقتربون من تشكيل حوالى ثلث السكان، مع غياب أي إحصاءات رسمية، وهو ما يجعلهم في حالة قلق دائم على وجودهم ودورهم في لبنان.

وتضاعف هذا الشعور بسبب الإعتداءات والتفجيرات التي تستهدفهم في المنطقة العربية، وبعد ان تقلص عددهم في دولها من 20% الى ما يقارب 10% من العدد الاجمالي للسكان، كما تقلص في لبنان من 50% الى إقل من 35%. وفاقمت التفجيرات التي يشهدها العراق، وامتدت إلى مصر، والتي قد تصل الى لبنان خوف المسيحيين على وجودهم.

لا مؤامرة لتهجير المسيحيين

يرى النائب السابق وعضو أمانة قوى الرابع عشر من آذار سمير فرنجية في حديثه لـquot;إيلافquot;، أنه quot;ليس هناك أي مؤامرة لتهجير المسيحيين، لكن ما يحصل من تفجيرات هو نتيجة وضع طائفي ومذهبي، برز بشكل كبير بعد سقوط الدولة المركزية في العراق على يد الأميركيين، بأسلوب عنفي من الخارج، ولم يترك لهم الخيار في بلورة نظام بديلquot;.

وأضاف quot;إذا كان المسيحيون في العراق، يدفعون ثمن سقوط نظام صدام حسين، دون تشكيل بديل له، فإن المسيحيين العرب، يدفعون ثمن سقوط النظام العربي القديم عموماً، وعدم بروز نظام إقليمي عربي جديد، ناهيك عن الفتن المذهبية والطائفية في العالم العربي التي يجري تسعير نارها، كونها تخدم المشروع الإسرائيلي الهادف إلى فرز المنطقة أدياناً وطوائف وإثنيات متصارعة، لأن العالم العربي يشكل خطراً دائماً على إسرائيل، وبالتالي يجب تفتيته من الداخل، خصوصاً أنه لأول مرة تسقط الشعارات التي رفعها الإسرائيليون ببناء دولة حديثة وديمقراطية، وتتحول شعاراً واحداً هو بناء دولة دينية يهوديةquot;، معتبراً أنه quot;هنا تبرز حاجة إسرائيل للقول إن الحياة مع العالم العربي مستحيلة، خصوصاً أن المجتمع الدولي لن يقبل بنظام quot;أبارتهايدquot; او فصل عنصري جديد على حدود أوروباquot;.

ورأى فرنجية أنه quot;في الوقت نفسه يستفيد من إذكاء لهيب الطائفية، آخرون يريدون إستبدال الأيديولوجية القومية العربية، بأخرى دينية، وإن كان طابعها سنياً او شيعياً لا فرقquot;، لافتاً إلى أن quot;الخطر الحقيقي الذي يواجهه المسيحيون في المنطقة العربية، يعود لانهيار الدولة التي تبقى الضامن لأمن ومستقبل المسيحيين، ولأن انهيارها نفسه هو الذي يؤدي الى العنف. ولن يكون اندلاع فتنة اسلامية مسيحية بديلاً لفتنة سنية - شيعية، لأنه مهما كان شكل الفتنة، فإنها لن تقف عند حدود طائفية ومذهبية معينة، بل ستهدد كل مكونات المجتمعات العربية، وهو ما أثبتته الحرب الأهلية اللبنانية بين العامين 1975 و 1990 عندما بدأت اسلامية - مسيحية وتطورت لاحقاً، كي تشمل جميع المذاهب والطوائفquot;.

المواجهة في صياغة مستقبل مشترك

يلفت فرنجية إلى أن مواجهة كل ذلك quot;لن تتم بالبكاء والقوقعة من قبل المسيحيين، أو البحث عن حل خارج الحل العربي الشامل، أي التحول من جماعة لها وجودها الأصيل في المنطقة إلى أقلية تبحث عن الحماية من الخارج، وهنا يكمن الخطر الحقيقي على المسيحيين، لذا عليهم السعي مع باقي مكونات المجتمع لصياغة مستقبل مشترك للجميع والمساهمة في بناء نظام عربي جديد، يقوم على مفهوم جديد أيضاً للعروبة، يتميز بالتطور والقبول بالتنوع والإنفتاح والحداثة المختلطة فليست أوروبا فقط نموذجها، لأن الحداثة الجديدة بدأت تقوم على التشكل من مصادر متعددة وحضارات أخرى أيضاً (الصين، الهند، البرازيل الخ...) أي نظام عربي جديد، يكون همزة وصل بين الشرق والغربquot;. لافتاً إلى أن quot;العالم العربي يقع على خط التماس بينهما، ويشكل رأس الحربة لحل الأزمة القائمة بين العالمين الإسلامي والغربي، وهو الدور الذي حاولت إيران القيام به وفشلت، لأن حجمها لا يسمح لها بذلك، على الرغم من عملها الدؤوب لأخذ هذا الدور على حساب دور العالم العربي، وحيث هناك محاولة من الأتراك للعب ذلك الدور، وان كان بنعومة أكبرquot;.

هنا لا بد من تجديد دور المسيحيين بالنهوض في المشرق العربي وهم كانوا أحد أركانه، عندما أحيوا لغته، وأسسوا الجامعات ووسائل الاعلام والمستشفيات.. وهو ما أعطاهم في السابق الدور السياسي الفاعل، ويمكن أن يعطيهم الدور نفسه مستقبلاً، وليس التفتيش عن الحماية بوجه الأكثرية، بل مشاركتها في صنع مستقبل جديد، وتعزيز إرهاصات الدينامية العربية الجديدة، أي الأفكار والنقاشات والحوارات التي بدأت تسود المجتمعات العربية، وحتى على المستوى الرسمي كإعلان الرياض الذي تحدث عن عروبة ثقافية، تعددية، تؤمن بحقوق الانسان، والانفتاح على العالم خارج فكرة العروبة القديمة القائمة على التأكيد السلبي للذات في مواجهة الآخر، بل للتأكيد الايجابي للعلاقة به.