قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

غسان العزي

وفر مؤتمر الدوحة في مايو/أيار 2008 مخرجاً للوضع اللبناني من مأزق كاد يودي به إلى مجهول لا تحمد عقباه . لكن بعد انتخاب رئيس للجمهورية وبرلمان جديد وغيرها من تطبيقات لاتفاق الدوحة عادت الأمور للتأزم على وقع التسريبات من لجنة التحقيق الدولية حول جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري . ومع اقتراب موعد صدور القرار الظني عن هذه اللجنة راحت غيوم الأزمة السياسية في لبنان تزداد تلبداً يوماً بعد يوم، إلى درجة أصبحت معها الحكومة عاجزة عن اتخاذ قرارات وطنية كبرى ضرورية في هذه المرحلة العصيبة .

وعندما أضحى صدور القرار الظني قاب قوسين أو أدنى، على ما قالته ldquo;التسريباتrdquo; عن تحقيق أقل ما يفترض فيه السرية والحياد، أطلت الفتنة برأسها من جديد . كان لابد من مبادرة عربية وبالتحديد سورية-سعودية عول عليها اللبنانيون، وفيها وضعوا كل الآمال . وحبس اللبنانيون أنفاسهم على وقع الأخبار عن اقتراب صعود الدخان الأبيض عن مباحثات سورية-سعودية أحيطت تفاصيلها بالكتمان تعلن عن تسوية تمتص مفاعيل القرار الظني وتدرأ شرور الفتنة .

كان الجميع متيقناً أن مثل هذه التسوية باتت في مرحلتها الأخيرة قبل أن تخرج إلى العلن فتصل سفينة البلد المأزوم إلى بر الأمان . لكن فجأة أعلنت المعارضة بعد اجتماع مندوبين لها مع القيادة السورية عن فشل ما بات يعرف بrdquo;س .س .rdquo; لتعود الأزمة إلى المربع الأول . انهارت الحكومة بفعل استقالة وزراء المعارضة وبدأت الاتهامات المتبادلة بالمسؤولية عن الانهيار . وكان لابد من بدء استشارات نيابية تقود إلى تشكيل حكومة جديدة . ومن دون الخوض في التفاصيل فإن البدعة اللبنانية المسماة ldquo;ديمقراطية توافقيةrdquo; تمنع على طرف واحد تشكيل مثل هذه الحكومة وتجعله عاجزاً عن الحكم إذا ما نجح في تشكيلها بقدرة قادر . ولا يهم والحالة هذه من يمتلك الأغلبية النيابية الهشة والقابلة للتغير في كل لحظة نتيجة انقلاب حفنة صغيرة من النواب من موقع إلى آخر .

بعد فشل المبادرة السعودية-السورية تحركت الدبلوماسيات القطرية والتركية والفرنسية وكانت الولايات المتحدة حاضرة بقوة في كل هذا الحراك، ما يدل مجدداً أن الأزمة اللبنانية إقليمية الطابع وربما دولية أيضاً، وبالتالي فإن الحل يكون إقليمياً شاملاً بموافقة دولية أو لايكون . هذا ما كانه اتفاق الطائف الذي أضحى دستوراً يعاني من تطبيق متعثر واتفاق الدوحة الذي انتهت مفاعيله على الأرجح بعد عودة الأمور إلى نقطة الصفر .

في مكان آخر، في اسطنبول تحديداً، كانت إيران تستعد لجولة مفاوضات جديدة حول ملفها النووي مع ما يعرف بالخمسة زائد واحد . وكان لابد لنجاح مثل هذه المفاوضات، الأمريكية-الإيرانية في الواقع، أن ينعكس خيراً على الأزمة اللبنانية . فالمسؤولون الإيرانيون من المرشد الأعلى إلى رئيس الأمن القومي لاريجاني مروراً بالرئيس نجاد عبروا عن رفضهم للمحكمة الدولية التي تستهدف حليفهم اللبناني وربما السوري أيضاً . وكان وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي قد صرح بأن هذه المفاوضات تشكل ldquo;الفرصة الأخيرة للغربrdquo; قبل أن ترفض طهران مجرد طرح حقها في تخصيب اليورانيوم على طاولة المباحثات . وانتهت مفاوضات اسطنبول إلى فشل لايترك مجالاً لتفاؤل بأن ثمة حلاً في الأفق ولو البعيد . وهذا يعني أن لاحل في الأفق القريب للأزمة اللبنانية، في وقت انطلق فيه قطار المحكمة الدولية متسارعاً وصفارته تشبه صفارة الإنذار بغارات على المدن وقت الحرب .

بيد أنه رغم هذا المشهد السوداوي ربما يبقى حل واحد يمكن له أن يجنب لبنان، ولو مؤقتاً، تجرع العلقم . في حال الفشل في تشكيل حكومة وسطية فإن هذا الحل (المرحلي بالضرورة) يقضي بأن تشكل المعارضة حكومة بلون واحد تسارع في جلساتها الأولى بعد نيل ثقة البرلمان (القدرة على التشكيل تعني حكماً القدرة على نيل الثقة) إلى الغاء كل علاقات لبنان القانونية بالمحكمة قبل أن تعجل في الاستقالة (وفقاً لسيناريو يتفق عليه بين اللبنانيين بعيداً عن الضغوط الخارجية) ومن دون أن تتخذ قراراً واحداً في شأن داخلي ينبغي التوافق حوله (مثل التعيينات الأمنية والإدارية وغيرها)، وعليها أن تستعجل في ذلك قبل أن تبدأ العقوبات الدولية الاقتصادية والسياسية بالصدور تباعاً كما تهدد المؤسسات والدول الغربية الكبرى . بالطبع سوف تتهم هذه الحكومة بأنها غير ميثاقية وأن قراراتها غير ذات شأن . لكن حكومة الرئيس السنيورة التي عقدت الاتفاقات بشأن المحكمة الدولية اتهمت هي الأخرى بأنها غير ميثاقية وقراراتها غير قانونية . وبالتالي فإن نتيجة اللعب تكون التعادل الذي يحقق مصلحة الجميع: الثامن من آذار تخلصت، قانونياً أقله، من المحكمة، وسعد الحريري لم يرضخ لمطالب المعارضة بالغاء المحكمة التي ناضل من أجلها طيلة السنوات المنصرمة . ومسارعة الحكومة للاستقالة تكون برهاناً بأنها لاتسعى للسيطرة على السلطة أو الانقلاب على الطائف بل ترك المجال لحكومة وفاق وطني متخلصة من أثقل الأعباء .

من المؤكد أن القضية أكثر تعقيداً من هذا التبسيط أقله لأن الشيطان يكمن في التفاصيل . لكن إزاء الخطر المحدق ببلدهم وبالمنطقة كلها، فإن على القادة اللبنانيين أن يبرهنوا ولو لمرة واحدة فقط عن وعي ومسؤولية وقدرة على الالتفاف على الضغوط الخارجية . ألا يستحق الامر المحاولة؟