قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

محمود الريماوي

تتجه الأنظار إلى مصر اليوم (الاثنين)، حيث من المقرر أن يشهد هذا البلد انتخابات برلمانية ذات أهمية فائقة بل ذات طابع مصيري، في غمرة من حالة عدم التيقن التي أصابت الشارع والحياة السياسية المصرية خلال الأسابيع القليلة الماضية، ووسط أجواء المرارة التي خلّفها سقوط 36 من المحتجين في ميدان التحرير ومئات من المحتجين .

لا تكمن أهمية الانتخابات فقط في ما سوف تسفر عنه من تصعيد قوى سياسية وحزبية، وتهميش قوى أخرى، بل كذلك في ما يحمله هذا الاستحقاق من خريطة وآلية تنفيذية، لوضع نهاية للمرحلة الانتقالية التي سادت منذ مطلع العام الجاري مع تنحّي الرئيس السابق . فالنظام الجديد قيد التبلور سوف يكتسب صفته التمثيلية، حُكماً ووجوباً، عبر سلطة تشريعية منتخبة تعتمد دستوراً جديداً، وتنبثق عنها حكومة سياسية تشرف على انتخابات الرئاسة قبل نهاية يونيو/حزيران المقبل . ولهذا ومع التعاطف مع مطالب المحتجين في ميدان التحرير، فقد سادت خلال الأسبوع الفائت مخاوف كبيرة بأن تنعكس هذه التطورات سلباً على الاستحقاق الانتخابي وخاصة مع أجواء المرارة والاحتقان التي خلفها سقوط الشهداء والمصابين .

تجري الانتخابات على ثلاث مراحل في تسع محافظات لكل مرحلة، الأولى منها تجري اليوم الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني، والثانية يوم 14 ديسمبر/كانون الأول، والثالثة والأخيرة في اليوم الثالث من يناير/كانون الثاني 2012 . ويشارك المغتربون المصريون في هذه الانتخابات ويقدر عددهم بثمانية ملايين، لكن أعداد المسجلين في السفارات المصرية تقدر بنحو مليون ونصف المليون فقط . وكان النظام السابق رفض مشاركة مصريي الخارج في الانتخابات .

وتجري الانتخابات وفق نظام انتخابي يمزج بين الاقتراع للمرشحين الأفراد، والاقتراع للقوائم الحزبية، مع تخصيص نحو 40 في المئة من المقاعد لممثلي العمال والفلاحين بمقاعد مجلس الشعب المكون من 444 مقعداً .

مصدر الثقة الباقية بالمجلس العسكري الحاكم مؤقتاً، أنه يتمسّك بإجراء الانتخابات التي تفتح الباب أمام انسحاب العسكر من المشهد السياسي . هذا المشهد يزخر الآن بقوى سياسية وحزبية جديدة أهمها ظهور السلفيين (حزب النور) إلى جانب الإخوان المسلمين الذين شكلوا ذراعاً حزبية باسم حزب الحرية والعدالة .

ولا يقل عن ذلك أهمية، أن ائتلافات شباب الثورة شاركت بالترشيح لهذا الاستحقاق بنحو 200 مرشح، كما ذكرت مصادر متواترة، ولعلها المرة الأولى في التاريخ السياسي المصري الحديث الذي تخوض فيها شرائح من الشبان وبصفتهم الشبابية هذه، المعترك الانتخابي وبهذا الزخم . معظم المنضوين في هذه الائتلافات هم من المنضمين إلى مليونيات ميدان التحرير، ويدعمون في الوقت ذاته مرشحين لهم لانتخابات مجلس الشعب في أول احتكام لهم إلى صناديق الاقتراع . . بينما ترتفع في الميدان لافتات أخرى من قبيل: ldquo;الانتخابات مقبرة الثورةrdquo; . هذه المفارقة هي أحد المظاهر الدالة على ارتباك الحياة العامة والشارع السياسي . من الممكن بالطبع الجمع بين نشاطات سياسية وبين التطلع إلى الانتخابات وخوضها ترشيحاً واقتراعاً، غير أن التوتير العالي الذي صاحب هذه النشاطات يهدد المناسبة الانتخابية، في الوقت الذي كشف فيه هذا التوتير عن عدم تخلي قوات الأمن عن تقاليد قمعية موروثة سكبت النار على زيت الاحتجاجات .

والخشية بعدئذٍ، أن تسري عدوى التوتير إلى العملية الانتخابية، إذا قيض لها كما هو مأمول أن تجري في موعدها المقرر . فالانتخابات سوف تعكس، حُكماً، صراعاً سياسياً طاحناً بين قوى حزبية ستتنافس بضراوة على تمثيل الرأي العام . وبهذا فإن المعركة الانتخابية هي ساخنة بطبيعتها كصراع مكشوف ومباشر هو الأول من نوعه منذ نحو ستة عقود، فإذا ما انتقلت إليها أجواء التشكك والاحتقان، فإنها سوف تضاعف من سخونتها، وتتحول الى تحدٍ أمني جسيم بدل أن تكون صراعاً سياسياً منضبطاً تحت سقف القانون والنظام العام . وهذا هو المحذور الرئيس الذي يحفّ بهذه المناسبة التي تستحق أن توصف بأنها تاريخية، لما لها من انعكاسات مصيرية على راهن البلاد ومستقبلها . علماً أن سلسلة الاحتمالات طويلة، كأن تترافق المليونات مع الانتخابات، وكأن يجري التشكيك المسبق بنزاهتها أو حتى شرعيتها، إلى ما هناك من احتمالات قائمة وقاتمة يزكيها التجاذب الشديد على تشكيل الحكومة الجديدة المنوطة بالإشراف على الانتخابات، وهي التي وصفها سياسيون مصريون بأنها أياً كان رئيسها كمال الجنزوري، أم محمد البرادعي أم سواهما، ستكون ldquo;حكومة الشهرينrdquo;، وذلك لاضطرارها إلى الاستقالة بعد انتهاء انتخابات مجلس الشعب ثم انتخابات مجلس الشورى، لإفساح المجال أمام حكومة جديدة تعكس تشكيلتها نتائج الانتخابات، وسوف تؤدي مهامها في جميع الأحوال على صفيح سياسي ساخن .

هكذا يتجه الوضع السياسي إلى قدر من التعقيد والتصعيد، وتبدو النخب والشخصيات السياسة العامة وكذلك الأحزاب في حال استثنائية، فهي ترغب بالتواصل والتساوق مع القوى الشبابية المحتجة لأغراض لها علاقة أحياناً بمجرى الانتخابات واجتذاب الأصوات، وفي الوقت ذاته فإنها تميل إلى تهيئة الأجواء وتهدئة النفوس لعبور المرحلة الانتقالية بسلام والانتقال من الحال الثورية القائمة، إلى استقرار دستوري ومؤسساتي يصون مكتسبات الثورة ويحفظ النظام العام . . كان الله في عون المصريين .