محمد السمّاك

ماذا لو فشل الرئيس الأميركي باراك أوباما في عملية اغتيال أسامة بن لادن؟ لقد تحطمت احدى طائرتي الهليكوبتر اللتين قامتا بالهجوم. فماذا لو تحطمت الثانية أيضاً؟ ماذا كان حلّ بالقوات الأميركية التي اجتاحت المقر السري لإقامة ابن لادن؟
يحفل تاريخ العمليات العسكرية الأميركية السرية بهذا النوع من الفشل. فالرئيس الأسبق جيمي كارتر دفع غالياً جداً من زعامته السياسية نتيجة فشله في عملية تحرير رهائن السفارة الأميركية في طهران في عام 1980. وكان سقوطه في دورة الانتخابات الرئاسية الثانية أمام رونالد ريغان ثمناً لذلك. فقد هبت عاصفة رملية مفاجئة في الصحراء الإيرانية حجبت الرؤية أمام طائرات الهليكوبتر المهاجمة فارتطمت ببعضها وتحطمت قبل أن تصل الى هدفها المنشود. يومها ترددت في ايران رواية دينية تقول ان الإمام المهدي ظهر في أرض المعركة وانه هو الذي نفخ في رمال الصحراء وأثار عاصفة هوجاء أطاحت بالقوات الأميركية المهاجمة. الا انه تم تحرير الرهائن فيما بعد في عهد الرئيس ريغان بموجب صفقة تمت بين واشنطن وطهران. وبموجب تلك الصفقة حصلت ايران على كميات من الأسلحة التي كان محظراً تصديرها اليها، وحولت الولايات المتحدة سراً عائدات الصفقة لتمويل حركة الكونترا اليمينية في أميركا الوسطى والتي كانت تشرف عليها وتوجهها وكالة المخابرات المركزية الأميركية. لقد حاول الرئيس ريغان في ذلك الوقت أن يجعل من سلبية حظر بيع الأسلحة لايران، ومن سلبية تمويل حركة ارهابية تعمل ضد الأنظمة اليسارية في أميركا الوسطى إيجابية سياسية تتمثل في تحرير الرهائن. وبالفعل تمت عملية التحرير، الا انه سرعان ما دوت أصداء الفضيحة المزدوجة: بيع الأسلحة وتمويل حركة ارهابية.
كذلك فشل الرئيس بيل كلنتون في الصومال في عام 1993 عندما أمر بتنفيذ عملية quot;النسر الأسودquot; في مدينة مقاديشو. وأدى الفشل الى انسحاب أميركي حتى من دون سحب جثث الجنود الأميركيين الذين قتلوا أثناء العملية الفاشلة. فعمد عناصر الميليشيا الصومالية المحلية الى التمثيل بهذه الجثث في شوارع المدينة المدمرة بشكل وحشي مقيت.
ومنذ ذلك الوقت تحولت الصومال الى موئل خلفي لتنظيم القاعدة ثم الى منطلق لعمليات القرصنة البحرية المستمرة حتى اليوم !!
ولكن خلافاً للتجارب المرة التي مرّ بها الرؤساء الأميركيون السابقون كارتر وريغان وكلنتون فإن تجربة الرئيس الحالي أوباما تكللت صدفة بالنجاح. لقد أعطى الرئيس أوباما الأمر بالقيام بالعملية في أبوت أباد يوم الجمعة 29 نيسان (ابريل). ونفذت العملية يوم الأحد في 1 أيار (مايو). أما يوم السبت الواقع بينهما فقد حاول استدراج الاهتمامات الأميركية والعالمية الى قضايا عديدة اخرى تتراوح بين تضخم الديون الخارجية للولايات المتحدة، والصراع السياسي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
وكانت عملية صرف الأنظار عن تلك العملية السرية أحد أسباب نجاحها. مع ذلك لا بد من التساؤل: ماذا لو كان مصيرها مماثلاً لمصير سواها من العمليات الفاشلة؟ لو حدث ذلك لقضت على المستقبل السياسي للرئيس أوباما الذي أعلن ترشيحه لدورة رئاسية جديدة (لمدة أربع سنوات) من المقرر أن تجري في شهر نوفمبر تشرين الثاني 2012.
صحيح ان العملية لا تدعو للفخر، خاصة وانها كانت عملية اغتيال شخص غير مسلح وغير مقاوم، جرى قتله من دون مساءلة أو محاكمة، ولكن الصحيح هو ان الولايات المتحدة ومنذ عام 2001، عام القيام بالعملية الارهابية التي استهدفت برجيْ التجارة العالمية في نيويورك ومقر وزارة الدفاع في واشنطن، تعيش في ظل شبح التخوف من التعرض لعمليات ارهابية مماثلة بتوجيه وتمويل من ابن لادن.
وتبين دراسة استطلاعية اجرتها مؤسسة quot;بيوquot; بالتعاون مع صحيفة الواشنطن بوست ان شعبية الرئيس أوباما ارتفعت من 47 في المئة قبل عملية اغتيال ابن لادن، الى 56 في المئة بعد اغتياله. كما ارتفعت التقديرات لسياسته في مواجهة الارهاب 14 نقطة ولسياسته في أفغانستان 16 نقطة. واذا نجح الرئيس أوباما في استدراج حركة طالبان الى مفاوضات سياسية تفتح الطريق أمام انسحاب أميركي من أفغانستان، كما يحاول أن يفعل بعد اغتياله ابن لادن، فان ذلك سوف يزيل آخر عقبة تعترض طريقه للبقاء في البيت الأبيض لمدة أربع سنوات جديدة.
لقد كان نجاح الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون في تسوية الحرب الفيتنامية وسحب القوات الأميركية منها بعد معاناة دموية طويلة، بمثابة ورقة تجديد لرئاسته في عام 1972. وهو ما يطمح الرئيس أوباما لتحقيقه أيضاً. صحيح ان 55 في المئة من الأميركيين غير راضين عن سياسة أوباما الاقتصادية، الا انه ورث المشكلة الاقتصادية عن سلفه الرئيس جورج بوش الابن.. والرئيس بوش هو الذي اجتاح العراق واحتله لأسباب تبين للرأي العام الأميركي والعالمي- انها غير صحيحة، بل مختلفة عن سابق تصور وتصميم، وهو الذي فشل في حربه على الارهاب وحتى في التخلص من ابن لادن. وهو الذي أرهق الميزانية الأميركية بالعجز لخوضه كل هذه الحروب والمعارك الخاسرة.
قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في العام التالي يأمل الرئيس أوباما أن يحقق أمرين على عكس ما فعله سلفه الرئيس جورج بوش. الأمر الأول هو سحب القوات الأميركية من العراق. أما الأمر الثاني فهو انجاز التسوية السياسية مع طالبان في أفغانستان. وبذلك يقدم نفسه للناخب الأميركي على انه أخرج الولايات المتحدة من وحول حربين ورط الولايات المتحدة بهما الرئيس السابق بوش، وانه فوق ذلك نجح في ما فشل فيه بوش أيضاً وهو التخلص من ابن لادن. فهل يضمن بذلك الاستمرار في البيت الأبيض؟.
هناك سابقتان توحيان بالعكس.
السابقة الأولى أميركية. وهي ان جورج بوش الأب فشل في الدورة الرئاسية الثانية رغم انه حقق انتصاراً في حرب الخليج الأولى (1990) التي أثمرت تحرير الكويت من الاجتياح العراقي بقيادة صدام حسين. أما السابقة الثانية فبريطانية. وهي أن ونستون تشرشل أقصي عن رئاسة الحكومة البريطانية بعد أن خسر الانتخابات العامة التي جرت بعد شهرين فقط من انتهاء الحرب العالمية الثانية التي تعتبر أحد أهم انجازاته التاريخية.
ثم ان أوباما لم ينتصر على ابن لادن. لقد قتله فقط. أما تشرتشل فلم يكتفِ بقتل هتلر، ولكنه انتصر مع الحلفاء على النازية.
والمهم الآن هو الانتصار على البنلادينية !!.