عبد الوهاب بدرخان

لم يكن هناك داعٍ لانتظار ايضاحات من البطريرك بشارة الراعي، لأنها ستكون بالتأكيد مزيدا من الشيء نفسه. مثلما ان التهجم عليه وعلى مواقفه سيزيده تجذرا في خياره الذي بات الآن معلنا. فنكون بجنرال واحد ونصبح مع جنرالين، هناك واقع بكركوي جديد، ولا بد من التعامل معه.
سيقول البعض كنا بانقلاب واصبحنا بانقلابين. لا عزاء للأقلية، وهنيئا للاكثرية هذا الاختراق المفاجئ. هذا بلد بارع في التسخيف الى اقصى حد، اذ لم تعد افراح 8 لتستقيم الا على احزان 14، والعكس صحيح.
هل ان مخاوف البطريرك صحيحة؟ نعم. هل ان مسيحيي الشرق يمرون بمحنة؟ نعم. هل ان مواقف البطريرك quot;فاتيكانيةquot; في اثارتها لـquot;قضيةquot; المسيحيين؟ نعم. في صياغتها وتعاملها مع الازمة السورية والوضع اللبناني تُرك الامر لتقديره. اما دغدغتها للنظام السوري وتبنيها لدعاوى quot;حزب اللهquot; فيصعب الحكم عليها، لكنها تتماشى عمليا مع نهج التعامل مع الامر الواقع الذي اضطر المسيحيون لاتباعه في عراق البعث كما في سوريا البعث، فضلا عن لبنان تحت الوصاية. لكن، هل ان الاستنتاجات التي جهر بها البطريرك تتناسب مع تحليله للمخاوف؟ هذه مسألة اخرى ستترتب عليها مسؤوليات تاريخية امام عموم الشعبين اللبناني والسوري.
البطريرك على حق في التوجس من صعود الاصولية الاسلامية، وعلى حق في اعتبار ان ليس للمسيحيين ما يتوقعونه ايجابيا من حكم يسيطر عليه quot;الاخوان المسلمونquot; او السلفيون، وعلى حق في الاتعاظ بالمعاناة القاسية لمسيحيي العراق، وعلى حق في نقد انحياز الدول الغربية لاسرائيل. لكنه نسي ndash; وهذا خطأ ndash; ان غالبية المسيحيين تعاني ايضا من هوس الاسلاميين المؤدلجين وتتساوى بهواجسها مع المسيحيين وقد تفوقهم احيانا. بل نسي خصوصا ان مستقبل الشعوب يجب ان يكون مفتوحا على انظمة تحترم العيش المشترك والحكم بالقانون لا على مداراة الخوف تحت مظلة انظمة مستبدة ودموية. ولعله نسي اكثر ان اللبنانيين شرعوا عام 2005 تجربة وطنية واعدة استحقت التقدير والتفهم من بكركي سابقا، لكن quot;تحالف الاقلياتquot; تحت رحمة البعث في سوريا وتحت رحمة quot;حزب اللهquot; في لبنان اجهض تلك التجربة، وكما لم يصنع واقعا طبيعيا في سوريا فإنه لن يصنع واقعا سويا في لبنان، لا للمسيحيين ولا للمسلمين.
مخاطر كثيرة تنطوي عليها مواقف البطريرك. اقلها شأنا هو الترادح الداخلي. لكن اهمها التغاضي عن نشوء دويلات على حساب الدولة، وعن السلاح غير الشرعي، فضلا عن التهرب من استحقاق العدالة بذريعة quot;التسييسquot;. وهناك ايضا الاختصام المجاني للسنة، بل الاختصام المتهور للشعب السوري. اما اسوأ المخاطر فيكمن في المجازفة بالظهور كمدافع عن النظام السوري فيما هو يقتل شعبه، كما لو ان البطريرك يختزل فيقول: الديكتاتور يحمي المسيحيين، اذاً فاعطوه فرصة ليبقى.